مضى على سقوط نظام الأسد20 شهرا، لم تتوقف فيها القوى السورية الجديدة، من جيش وأمن داخلي واستخبارات، من العمل الدؤوب لتأمين الحدود السورية مع العراق ولبنان، تعزيزات متتالية على الحدود، وتفعيل قنوات اتصال مع الجانبين العراقي واللبناني لبناء آليات تنسيق في عملية ضبط الحدود، واعتقالات طالت كبار المسؤولين عن عمليات التهريب زمن النظام السابق.
أتت هذه الجهود في ظلّ تهديدات أمنية داخلية مركبة، منها خلايا الميليشيات الإيرانية و”داعش”، ووجود مناطق جغرافية خارج سلطة الحكومة في دمشق، وانفلات السلاح الذي تركه عناصر الأسد خلفهم، وأحداث دامية في كل من الساحل السوري (مارس/آذار 2025)، والسويداء في (يوليو/تموز2025)، يضاف إليها الانهيار الاقتصادي والخدمي الذي خلفه نظام الأسد بعد حربه على السوريين التي دمرت نسبة كبيرة جدا من البنية التحتية والسكنية السورية.
التركيز الكبير على ملف الحدود مع العراق ولبنان هدفه تحقيق عدّة مكاسب، منها أمني بهدف ضبط الأمن على الأراضي السورية، ومنها استراتيجي لقطع يد إيران وميليشياتها عن سوريا، إضافة إلى أهداف خارجية متعلقة بالأمن الإقليمي، وتعطيل طرق الإمداد الإيراني عن “حزب الله” اللبناني، وهو هدف سوري يتماشى أيضا مع التوجه العربي والدولي لحصر السلاح في لبنان بيد الدولة، كما أن إيقاف حركة تهريب المخدرات عبر الحدود إلى سوريا كان في قائمة الأهداف السورية بالغة الأهمية، فهي تُدمر الأمن الاجتماعي السوري، وتخلّ بالتوازن الأمني الإقليمي والدولي، فسوريا زمن الأسد كانت بمثابة أكبر مصنع للمخدرات في العالم.
إيران تدرك أن “سوريا الجديدة” هي عائق كبير في وجه مخططاتها الاستراتيجية التي عملت عليها لعقود، كما أن الميليشيات التابعة لإيران في العراق ولبنان تدرك أن سوريا الجديدة هي حجر الأساس في انهيار اقتصادهم غير الشرعي (المخدرات، التهريب، السلاح)، وعامل رئيس في إضعاف “حزب الله” اللبناني عسكريا، خصوصا بعد الحرب مع إسرائيل التي دمّرت النسبة الأكبر من سلاح “حزب الله” وقدراته العسكرية. كما أن التهديد السوري الاستراتيجي لمشروع إيران وميليشياتها جعل طهران وأذرعها يبذلان كل جهد ممكن لإبقاء الحدود السورية مصدر قلق لسوريا وللإقليم، ويبذلان جهودا داخل الأراضي السورية لزعزعة الأمن والاستقرار، فسوريا المستقرة لا تخدم إيران وميليشياتها وهي تهديد مباشر لمشروعهم الاستراتيجي.
وتأتي مخاوف دمشق من التهديد الذي تشكله إيران لمشروع الاستقرار السوري نتيجة عدّة معطيات، أبرزها نشاط الخلايا التي تتبع للميليشيات الإيرانية في العراق ولبنان على الأراضي السورية، والتي تم اعتقال عدد كبير منها منذ سقوط نظام الأسد، ومحاولات التهريب المستمرة للسلاح والمخدرات عبر الحدود إلى سوريا ومنها، وسلوك إيران العدواني لدول المنطقة وتهديداتها المستمرة بتوسيع رقعة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتشمل المنطقة كلها. وقد نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول إيراني، قبل أيام، قوله إن طهران قررت تحويل سياستها من “الدفاع” إلى “الهجوم بالكامل”، وأنه “يجب على الكيانات الإيرانية أن تكون مستعدة لتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة ككل”. كما لا يخفى محاولات وسائل الإعلام الموالية للمشروع الإيراني شيطنة الحكومة السورية وتصوير سوريا الجديدة على أنها “عدوّ” لـ”محور المقاومة” خدمة للمشروع الأميركي.
حدود لبنان… مواجهة إرث الأسد و”حزب الله”
لعقود من الزمن، عمل نظام الأسد و”حزب الله” اللبناني على بناء شبكات تهريب معقدة، وطرق جبلية وأنفاق كثيرة، وهو ما جعل عمليات التهريب بين سوريا ولبنان أبسط من رحلة مدني يسافر برّا عبر المعابر الحدودية في ساعة خالية من الازدحام، سيارات وعربات عسكرية تعبر الطرق الجبلية والأنفاق وكأنها تسافر بين مدينتين. الحدود السورية-اللبنانية (التي يبلغ طولها 375 كم) كانت تحتوي عشرات من النقاط (بين طرق برية وأنفاق) غير الرسمية للتهريب، بعضها تم تعبيده بعد عام 2011، كلها كانت تستخدم لعمليات نقل المقاتلين والمخدرات والسلاح بشكل يومي، حتى إن “حزب الله” اللبناني قام باستثمار هذه الحدود عبر شبكاته لتهريب الأفراد من سوريا إلى لبنان مقابل الأموال، وبحسب لؤي، مدني من ريف دمشق، غادر سوريا هربا من الانضمام إلى الخدمة العسكرية في جيش النظام، قامت سيارة تابعة لـ”حزب الله” اللبناني بنقله من القصير إلى وسط بيروت عام 2023، ويضيف لؤي لـ”المجلة”: “الرحلة كانت دون عوائق، وخلال ساعتين تقريبا كنا على أعتاب بيروت، مقابل 600 دولار فقط”.
نقل السلاح والمقاتلين بين سوريا ولبنان لم يكن مهمّة صعبة، بل كان يتم على مدار الساعة “تحت ضوء الشمس والقمر”، ويقول مدني من منطقة عسال الورد (ريف دمشق) القريبة من الحدود اللبنانية إنهم كانوا يرون سيارات الصواريخ والأسلحة تعبر عسال الورد تجاه الحدود مع لبنان دون أن تتم تغطيتها حتى، ويُضيف: “نحن لم نعد نشعر أن هناك حدودا سورية-لبنانية، بدأنا نشعر أن الطرف الثاني للحدود هو عبارة عن ثكنة عسكرية أو مخزن سلاح يتم نقله من سوريا إلى لبنان”.
مع انهيار نظام الأسد السريع، وتوجه السلطات السورية الجديدة إلى محاربة التهريب والمخدرات، وإنهاء نفوذ الخلايا التابعة للميليشيات الإيرانية في سوريا، بات “حزب الله” اللبناني في مأزق كبير، لأن قواته تركت خلفها الكثير من مخازن السلاح أثناء هروبها من سوريا من جهة، ولأن خط الإمداد الإيراني الأبرز بالنسبة له بات مغلقا من جهة ثانية. وقد حاول “الحزب” خلال الـ20 شهرا، التي تلت سقوط نظام الأسد، الحفاظ على خط التهريب بأي طريقة ممكنة، من خلال محاولة إعادة التواصل مع خلاياه في سوريا، وتجنيد شبكات تهريب جديدة، وابتكار طرق تهريب غير تقليدية (نقل المخدرات عبر الحمير، أو داخل بوالين هوائية، أو مسيرات صغيرة)، وإحداث فوضى على الحدود مع القوات السورية في محاولة استفزاز دمشق للدخول في مواجهة مباشرة مع “الحزب” على الحدود، والتحضير لعمليات هجومية عبر تفجيرات في مدن سورية ومناطق ذات تركيبة سكانية متنوعة عرقيا وطائفيا، ودعم خلايا داخل سوريا بالسلاح والمال بهدف زجّ سوريا في صراعات داخلية، وتأجيج الخلافات في الساحل السوري عبر قادة النظام السابق الذين هربوا من سوريا إلى أحضان “حزب الله” اللبناني بعد سقوط الأسد، ومحاولات عرقلة قطار التنسيق اللبناني السوري (الأمني والسياسي والاقتصادي). إضافة إلى ذلك بدأ “الحزب” بإرسال تعزيزات كبيرة إلى الحدود مع سوريا خلال الأشهر الماضية، وبثّ سردية بين مؤيديه بأن الحكومة السورية الجديدة تريد الدخول إلى لبنان لمواجهة وإضعاف “المقاومة”، والتعزيزات هذه تهدف إلى زعزعة الاستقرار والأمن السوري خدمة لإيران التي تريد زجّ المنطقة كلها في حرب لتخفيف الضربات الأميركية-الإسرائيلية على أراضيها.
كما يستخدم “حزب الله” اللبناني ماكينته الإعلامية لبثّ سردية أن “سوريا الجديدة” تقف في وجه “المقاومة”، وتسعى لعقد سلام مع “الشيطان الأصغر” في إشارة إلى إسرائيل. سرديات “الحزب” هذه الهادفة إلى شيطنة دمشق الجديدة باتت جزءا من آليات الإقناع التي يحاول “الحزب” استخدامها في محاولات التجنيد داخل لبنان وسوريا. كما عملت وسائل الإعلام الموالية لطهران، في أكثر من مناسبة، على تصوير إيران بأنها “الحامي للمقاومة ولبنان، وأنها هي التي تقف في وجه دخول الجيش السوري إلى لبنان”، فقبل أيام نشرت هذه الوسائل سردية متطابقة في الصياغة بأن إيران “أحبطت” خطة “تدخل عسكري سوري في لبنان”.
الحكومة السورية الجديدة، والتي تمرّ بمراحل متسارعة من النشأة وترتيب الأولويات وتعزيز القدرات العسكرية، ركزت بشكل كبير على محاولات “الحزب” واستنفرت ممكنات كثيرة بشرية ولوجستية وسياسية لوضع حدّ لسلوكيات “الحزب” في سوريا وعلى الحدود، ومواجهة مخططات “حزب الله” على الحدود وداخل سوريا لم يكن سهلا على الحكومة السورية، فقد كانت جديدة وبقدرات محدودة عسكريا ولوجستيا، ولم تكن تمتلك الكثير من المعلومات الاستخباراتية الكافية لفهم شبكات الأنفاق والطرق التي بناها “الحزب” عبر العقود السابقة بدعم من نظام الأسد.
وبحسب معلومات “المجلة”، فإن دمشق، خلال 20 شهرا، تعترض أسبوعيا أكثر من محاولة تهريب عبر الحدود مع لبنان، واعتقلت العشرات من عناصر لخلايا تتبع لـ”الحزب” كانوا يخططون لتنفيذ عمليات أمنية في سوريا داخل المدن، كما أفشلت الكثير من عمليات نقل السلاح من داخل الأراضي السورية إلى لبنان من خلال مصادرة السلاح قبل بدء عمليات النقل. وخلال الأيام الماضية من شهر أغسطس/آب أفشلت نحو 8 عمليات تهريب عبر الحدود مع لبنان، وبحسب إحصائيات الحكومة السورية، قامت القوات الأمنية خلال شهر يوليو/تموز الماضي بتنفيذ48 عملية أمنية استهدفت المتورطين في تجارة المخدرات داخل الأراضي السورية، كما نجحت في تفكيك ثلاث شبكات دولية تعمل في تهريب المخدرات. وبالأرقام، صادرت الحكومة السورية خلال شهر يوليو/تموز الماضي 7.141.917 حبة كبتاغون، و1.190 كيلوغراماً من الحشيش، و124.335 حبة دوائية، و15.168 حبة بريغابالين، و8.3 كيلوغرامات من مادة الكريستال، و151 غراماً من الكوكايين، و22 غراماً من الهيروين، و1.8 كيلوغرام من المواد الأولية المستخدمة في تصنيع المخدرات. هذه الأرقام تعكس حجم الجهود التي ما زال “الحزب” يبذلها لإبقاء حركة التهريب مستمرة عبر سوريا ومنها، سواء في سياق عمليات نقل السلاح لدعم قواته داخل لبنان، أو المخدرات لتعزيز إمكاناته المالية المتهالكة.
حدود العراق ومهمة تأمين بوابات الصحراء
بالتزامن مع الحرب ضد عمليات التهريب التي تخوضها الحكومة السورية لتأمين الحدود مع لبنان، تخوض حربا مشابهة على الحدود مع العراق (التي يبلغ طولها نحو 610كم) والتي هي بمثابة بوابات على الصحراء، فالميليشيات العراقية التابعة لإيران عززت وجودها خلال السنوات السابقة على الشريط الحدودي مع العراق (تحديدا الممتدة من معبر القائم إلى معبر التنف)، وهي حدود تحتوي هي الأخرى على شبكة طرق وأنفاق كبيرة تم تجهيزها عبر سنوات، بعضها قام تنظيم “داعش” ببنائها واستخدمتها الميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا لاحقا.
خلال السنوات الممتدة بين 2020-2025، بحسب معلومات “المجلة”، وصلت آليات التنسيق بين الميليشيات الإيرانية في العراق وتلك الموجودة في سوريا (“حزب الله” اللبناني و”فاطميون” و”زينبيون” ومجموعات محلية) حدّ إنشاء “مكاتب تنسيق” رسمية بين الأطراف داخل معبر البوكمال أو داخل قواعد إيرانية في سوريا أبرزها ما كان يُعرف بـ”قاعدة الإمام علي” جنوبي البوكمال والتي استُهدفت أكثر من مرّة من قبل طيران مجهول (يرجح أنه أميركي)، كما أن مكاتب التنسيق كان فيها مندوبون عن الميليشيات لتنسيق عمليات نقل المخدرات والسلاح بين طرفي الحدود، كما كانت هذه المكاتب تلعب دورا بارزا في فضّ النزاعات بين الميليشيات نفسها أو بين الميليشيات وشبكات التهريب العاملة معها، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى الاشتباك المباشر.
وبحسب عدّة عناصر سوريين سابقين في جيش النظام كانوا في معبر البوكمال، وأجروا تسويات بعد سقوط النظام، فإن عمليات نقل السلاح والمخدرات والمقاتلين وعائلاتهم كانت تتم عبر معبر القائم/البوكمال، أو من خلال معابر قريبة من “قاعدة الإمام علي”، أهمّها ما كان يطلق عليه اسم “المعبر العسكري” أو “معبر السكك”، وهو معبر غير رسمي يقع جنوب البوكمال متخصص في نقل الأسلحة الثقيلة والمسيرات، وذلك لقربه من “قاعدة الإمام علي” التي كانت تعتبر مركز تخزين وتوزيع للأسلحة القادمة من إيران لوكلائها. ويضيف العناصر في حديثهم لـ”المجلة” أن الحدود السورية-العراقية كان فيها عدد كبير من المعابر غير الرسمية والأنفاق التي كانت تستخدم من قبل تنظيم “داعش” سابقا، ولذلك احتاجت الميليشيات آلية تنسيق كون أن عمليات التهريب بين سوريا والعراق كانت تتم لتحقيق أهداف كثيرة (مخدرات لتمويل الميليشيات، نفط وسلاح لتعزيز قدرات الميليشيات، وسلاح مخصص ليتم نقله إلى لبنان).
وشكل سقوط نظام الأسد ضربة قوية لخطوط التهريب الحدودية هذه وللمشروع الإيراني، وقد أثرت هذه الضربة على اقتصاد الميليشيات العراقية، وأمنها المالي والجغرافي، وقطعت الإمداد عن “حزب الله” اللبناني، لذلك سلكت الميليشيات العراقية التابعة لإيران سياسة “حزب الله” بعد سقوط النظام، المتمثلة في محاولات الحفاظ على خطّ التهريب، والتي وصلت حدّ تهريب السلاح في خزانات النفط العراقي العابر من سوريا لتمريره إلى “حزب الله” وبهدف خلق توتر بين الحكومة السورية والعراقية وعرقلة عجلة التعاون الاقتصادي بين البلدين، وعملت الميليشيات العراقية أيضا على التواصل مع العناصر السوريين الذين عملوا معها بهدف إعادة تجنيدهم، وعززت وجودها على الحدود السورية خلال الأشهر الماضية بهدف شنّ هجمات تجاه سوريا خدمة لإيران ولتوريط الجانب السوري في معركة تستنزف قدراته وتركيزه، ولتخفيف الضغط على إيران.
ونفذت هذه الميليشيات بالفعل خلال الأشهر الماضية عدة هجمات تجاه سوريا، ودول خليجية بأمر من طهران، الأمر الذي قاد إلى ردّ سعودي مؤخرا استهدف مقرات للميليشيات العراقية التي استهدفت الأراضي السعودية. وهو ما وضع الحكومة العراقية أمام موقف صعب أمام الدول العربية، ودفعه إلى التحرك بخطى سريعة لسحب سلاح الميليشيات العراقية وإغلاق مقرات عسكرية لا تنتمي للجيش العراقي، إضافة إلى تأسيس قيادة عمليات البادية لمنع الميليشيات من استهداف الدول العربية.
وتعمل الميليشيات الإيرانية في العراق ولبنان ضمن منهجية واحدة، محاولات لعرقلة العلاقات السورية الجديدة مع العراق ولبنان، وخلق بيئة غير آمنة على الحدود، وتهديد جهود الاستقرار الأمني والاقتصادي في سوريا، والحفاظ على عمليات التهريب عبر الأراضي السورية. هذه المنهجية لا تخدم الميليشيات فحسب، بل تخدم المشروع الإيراني بشكل رئيس، وإن كان هذا المشروع على حساب أمن وسلامة المدنيين في العراق ولبنان قبل السوريين.
دمشق في تطوير لإمكاناتها الدفاعية والأمنية
مع سقوط النظام السوري، كانت قدرات سوريا العسكرية والدفاعية متهالكة بشكل كبير نتيجة الحرب الطويلة التي شنها بشار الأسد على الشعب السوري، يضاف إليها أنه ومنذ الساعات الأولى لهروب بشار الأسد بدأت الطائرات الإسرائيلية حملة غارات مكثفة استهدفت البنية العسكرية المتبقية في سوريا بما فيها المطارات العسكرية وسلاح الجو السوري. وخلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2024 نفذت الطائرات الإسرائيلية مئات الغارات على المطارات العسكرية والثكنات.
لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية المتقطعة منذ سقوط النظام حتى شهر أغسطس/آب الجاري، حيث شهد يوم الثلاثاء 18 أغسطس/آب الجاري أربع غارات جوية استهدفت مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب الجنوبي، الغارات استهدفت مدرج المطار وحظائر طائرات عسكرية، وذلك بعد أيام من بدء الجيش السوري تنفيذ طلعات تدريبية مستخدما ما أمكن صيانته من سلاح الجو السوري.
خلال 20 شهرا، ورغم شحّ إمكاناتها، طوّرت سوريا الجديدة من آلياتها وخططها وإمكاناتها الداخلية والسياسية والعسكرية لضبط الحدود مع العراق ولبنان، ومحاربة عمليات التهريب عبر الأراضي السورية، وملاحقة الخلايا داخل سوريا التي تهدف إلى زعزعة جهود إرساء الأمن والاستقرار في سوريا. وفي الفترة التي تلت سقوط النظام، حاولت السلطات السورية الجديدة تخفيف عمليات التهريب (خاصة السلاح والمخدرات) عبر لقاءات غير رسمية مع العائلات المعروفة بتنفيذ عمليات التهريب، وحاولت إقناعهم بأن يحصروا عمليات التهريب في المواد الغذائية والإلكترونيات والدخان، وأن يتوقفوا عن تهريب المخدرات والسلاح والأفراد، كان ذلك في مسعى من قبل دمشق لمحاولة ضبط التهريب لحين ترتيب إمكاناتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية واللوجستية، والبدء بعمليات ضبط الحدود.
وسارعت دمشق لفتح أبواب التسويات أمام عناصر الميليشيات الإيرانية في سوريا والعاملين معها في المجالات العسكرية والتهريب. كما فتحت أبواب التسجيل أمام السوريين كافة للراغبين في الانضمام لصفوف الجيش السوري الجديد وقوى الأمن الداخلي والشرطة. وبالتوازي مع عمليات تعزيز القدرات العسكرية واللوجستية، بدأت دمشق التواصل مع الحكومتين العراقية واللبنانية، وأعلنت انفتاح دمشق على علاقات مع البلدين قائمة على الاحترام والتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وقد انطلق قطار التعاون السياسي مبكرا مع لبنان الذي كان بحاجة لحكومة في دمشق تحترم سيادته ولا تعد امتدادا لمشروع إيران الذي سلّط سلاح ورجال “حزب الله” اللبناني على قرار الدولة وسلامة أهلها. وتبعته عجلة القطار السوري-العراقي لاحقا.
وقامت دمشق وخلال 20 شهرا، بعملية معقدة من الناحية العسكرية، بدأت بدمج نحو 130 فصيلا بعد سقوط النظام مباشرة وتوزيعهم وفق آلية المناطق، ثم حولتهم إلى 22 فرقة وعينت قيادات مشتركة فيها، ومع عمليات التجنيد التي قامت بها، بدأت بإعادة هيكلة كاملة للجيش، وصولا إلى مشروع الفيالق الخمسة الذي بدأت دمشق بتنفيذه مؤخرا، وهو قائم على تنظيم قوى الجيش السورية في خمسة فيالق موزعة جغرافياً على المحافظات السورية، وفي حال نجحت خطى دمشق فإن الحدود السورية-اللبنانية ستقع ضمن مهام الفيلق الرابع (دمشق) والخامس (الساحل)، بينما تقع الحدود السورية-العراقية ضمن مهام الفيلق الأول (المنطقة الشرقية).
وقامت قوى الجيش والأمن الداخلي والاستخبارات أكثر من مرّة بإعادة تقييم ملفات العناصر، وبرامج تأهيل وتدريب متكررة، واختبارات للقادة، وأجرت الوزارات المعنية أكثر من عملية تغيير في صفوف القادة والمسؤولين عن الملفات خلال الأشهر الماضية، كما أجرى الرئيس الشرع عدّة تغييرات شملت تعيينات لمسؤولين جدد في أجهزة الاستخبارات والأمن.
وفي محاولة للتسابق مع مخططات إيران وميليشياتها وحماية الحدود ومواجهة “داعش”، عززت دمشق قدراتها الاستخباراتية، وفعّلت آليات تنسيق منظمة بين القوى السورية (أمن داخلي، استخبارات، جيش). وخلال الفترة نفسها اعتقلت وعزلت قوى الأمن الداخلي والجيش والاستخبارات كثيرا من العناصر الذين تبين لاحقا تعاونهم مع الميليشيات و”داعش”، أو نتيجة فسادهم، في مؤشر على سعي دمشق لمنع الخرق الداخلي من جهة، وإعادة ترتيب الصفوف تفاديا لتكرار الأخطاء. وكانت “المجلة” قد ذكرت سابقا أن دمشق أعادت هيكلة الفرق الداخلية لديها المسؤولة عن متابعة مخططات الميليشيات التابعة لإيران.
كما قامت خلال الأسابيع الماضية بإرسال تعزيزات ضخمة إلى المناطق الحدودية مع العراق ولبنان، في ظل وجود معلومات لدى دمشق بأن الميليشيات الموجودة في العراق و”حزب الله” تعزز من قوتها وتنقل الأسلحة تجاه المناطق الحدودية استعدادا لتنفيذ هجمات ضد الأراضي السورية حال عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة. وفي تطور ملحوظ أرسلت دمشق رسائل لكل من بغداد وبيروت بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي هجمات على أراضيها، في تحوّل واضح في سياسة دمشق من الاحتواء إلى الرد، وهو ما قد يعني أن الحكومة السورية باتت في مرحلة متقدمة من ناحية المقدرات العسكرية واللوجستية للتعامل مع التهديدات القادمة من خارج الحدود.
على المستوى السياسي والتنسيق الأمني، لم تتوقف الاجتماعات بين الحكومة السورية ونظيرتها العراقية واللبنانية على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، وحققت دمشق بالتعاون مع الحكومتين العراقية واللبنانية نتائج ملموسة في عمليات تفكيك شبكات تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود. كما أن دمشق والعراق ولبنان تعلم أن ضبط الحدود أمر مستحيل، فالحدود مع لبنان ذات طبيعة جبلية معقدة وفيها شبكة طرق وأنفاق تحتاج وقتا طويلا لتفكيكها، والحدود مع العراق بمثابة بوابات على صحراء ليس من السهل ضبطها. وهو واقع يتطلب من الحكومات الثلاث جهودا كبيرة وإمكانات ضخمة، ومع وجودٍ نشط للميليشيات العراقية واللبنانية وانفلات السلاح في المناطق الحدودية، تصبح المهمة مركبة ومعقدة، فدمشق تواجه مخططات إيران وميليشياتها على حدود دولتين، وداخل أراضيها. ويرى كثيرون أن “سوريا الجديدة” حققت إنجازات كثيرة على المستوى الداخلي والسياسي في هذا السياق رغم أن عمرها لا يتجاوز 20 شهرا.