نوار جبور- كاتب وباحث سوري.. موقع درج
تكشف حالات عدة أن وجه الميليشيا والتمركز حول المناطق والشخصيات يكشفان عجز المؤسسة الجديدة عن فصل العناصر عن اعتياداتهم، التي تترسّب وتتراكم حول شخص ومنطقة أكثر من انتمائها إلى قيم مجرّدة تؤسّسها المؤسسة وعقليتها. لذلك، لا تظهر الرتبة العسكرية الجديدة في فراغ، إنما تدخل في أفق سابق من العلاقات والتوقعات.
يمكن رؤية الميليشيا أو تصوراتها عن الحكم في سوريا الحالية، في أماكن لا يظهر فيها السلاح، ضمن عبارة وردت على لسان أحد أعضاء لجنة الكسب غير المشروع التي عينها أحمد الشرع، عن تعليمات تلقوها مفادها: “ارتداء البزّات الرسمية بدلاً من الملابس العسكرية أو الملابس غير الرسمية”، و”إخفاء مسدساتهم بعيداً عن الأنظار”. أما أولئك الذين حافظوا على السلاح، فأعيد توزيعهم “شكلياً” ضمن المؤسسة العسكرية، حيث “عادت” كل فرقة أو فصيل إلى مناطق نفوذها وتشكلها أثناء معاركها ضد نظام الأسد.
من ثنائية سلاح ولا سلاح نحاول التفكير في الدولة الجديدة، وعلاقتها مع التكوين الميليشياوي بوصفه تنظيماً للمجتمع والسياسية والاقتصاد عبر العنف والولاء.
السلاح: من الميليشيا إلى الجيش!
بدأ ذلك منذ أن مُنح قادة الفصائل رتباً عسكرية وقيادة فرق داخل الجيش الجديد، من دون أن يعني الاسم العسكري الجديد تفكيك علاقات القيادة والولاء التي سبقت السيطرة على الدولة. فالقادة الذين دخلوا المؤسسة لم يدخلوا بالضرورة كأفراد انفصلوا عن جماعتهم وتصوراتهم السابقة وخضعوا لتراتب وقواعد جديدة، إنما دخلوا أحياناً ومعهم رجالهم وشبكة ثقة محددة وذاكرة القتال والعلاقة التي منحت كل قائد موقعه ومداه وسيطرته.

تظهر هذه الاستمرارية بوضوح في توزيع الفرق، فقد أُدخل جيش الإسلام، الذي شكلت دوما والغوطة الشرقية مركز نفوذه، ضمن الفرقة السبعين، ثم عادت قياداته وشبكاته إلى ضواحي دمشق والغوطة الشرقية بعد سنوات من وجودها في شمال سوريا. وعاد الأفراد والجماعات إلى دوما بكامل الترتيب المُجهز للقيادة الإدارية العسكرية والاقتصادية لكن هذه المرة داخل إطار أكبر هو الدولة.
وفي حماة أخيراً، تشكّلت الفرقة الثانية والستون في معظمها من عناصر فرقة السلطان سليمان شاه السابقة، بقيادة محمد الجاسم المعروف بأبي عمشة، وانتشرت في المحافظة التي ينحدر منها قسم كبير من مقاتليها.
بقيت بذلك الجماعة قريبة من البيئة التي خرجت منها، وفي سيطرة مطلقة عليها، حتى ظهر الخلاف بين محمد الجاسم، وبين وزارة الدفاع حول طلب توزيع ألوية من فرقته على مناطق مختلفة، ولا سيما ريف دمشق، وهو ما قد بدا تفكيكاً لتمركز قوته، وفي الخامس من آب/ أغسطس 2026 صدر قرار بتعيين الجاسم نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى، في إجراء يراه البعض تقليصاً لنفوذه.
تكشف حالات عدة أن وجه الميليشيا والتمركز حول المناطق والشخصيات يكشفان عجز المؤسسة الجديدة عن فصل العناصر عن اعتياداتهم، التي تترسّب وتتراكم حول شخص ومنطقة أكثر من انتمائها إلى قيم مجرّدة تؤسّسها المؤسسة وعقليتها. لذلك، لا تظهر الرتبة العسكرية الجديدة في فراغ، إنما تدخل في أفق سابق من العلاقات والتوقعات.
وبحسب ما نقلته “المدن”، دمجت وزارة الدفاع مكاتب التوجيه الشرعي التابعة لهيئة تحرير الشام وفصائل “ردع العدوان” ضمن إدارة مركزية واحدة للتوجيه المعنوي. وأعدّت الإدارة مناهج للعسكريين تشمل القرآن والسيرة النبوية وتاريخ سوريا المعاصر والأخلاق والفقه والتيارات الفكرية.
كما أخضعت كوادر التوجيه المعنوي لدورات تنظيمية قالت إن هدفها تأهيلهم لضبط عقيدة قتالية موحّدة للجيش. غير أن هذه العملية تكشف بدورها أن تغيير اسم الفصيل ومنح أفراده رتباً جديدة لم يكونا كافيين، وأن المؤسسة احتاجت إلى التدخل في الأفكار والعلاقات التي دخلت معها الجماعات إلى الجيش.
لا يعني إدخال الجماعة المسلحة إلى الجيش انتهاء وجودها كجماعة، لأن ما تكوّن في الحرب لا يزول بتبديل الاسم أو إضافة الرتبة. فقد تدخل الجماعة المؤسسة، فيما تبقى الطاعة متّجهة إلى مصدرها الأول، القائد الذي صنعت الحرب موقعه، أو الأمير الذي يمنحه الانتماء الديني أو المناطقي سلطة على جماعته، وراكمت حوله الثقة والخوف والذاكرة المشتركة.
إعادة تشكيل الاقتصاد ومنطق النفوذ
ظهرت ملامح اقتصاد الميليشيا، حين تولت لجنة غير معلنة، كشف عنها تقرير لوكالة رويترز، مسار التفاوض على مصير شركات وأصول تزيد قيمتها عن الـ1.6 مليار دولار. لم تكن المشكلة متعلقة بالأسماء وحدها، إنما بالطريقة التي ظهرت فيها سلطة اقتصادية واسعة من دون أي شفافية.
إلى جانب احتكار أحمد الشرع الكثير من القرارات الاقتصادية والتشريعيّة، ظهرت “خصخصة” مؤسسات الدولة من جهة لشركات سبق أن نشطت في إدلب أيام حكومة الإنقاذ، يترافق ذلك مع تحويل سوريا إلى منصة استثمارية لـ”المال الأجنبي” عوضاً عن أن تقوم الدولة بواجبها السيادي، إذ تحولت إعادة الإعمار إلى “جهد منظماتي” يتضح في الخبر التالي: “افتتح وزير الصحة مصعب العلي، اليوم الإثنين، مستشفى دوما الوطني في ريف دمشق بعدما أعادت منظمة الصحة العالمية تأهيله وتجهيزه بتمويل ياباني”.
أما في ما خصّ المخيمات والمنازل المهدمة فلا حديث واضح عنها سوى الإعلان عن مشاريع استثمارية، فنادق ومولات، لا طاقة للمهجّرين على احتمال نفقاتها أو أسعارها.

ظهر مفهوم “الولاء” في التعامل مع موظفي الدولة، حين بدأت السلطة الاستغناء عن عاملين في القطاع العام وإعادة توزيعهم، سواء كانت الأسباب طائفية أم اقتصاديّة. بدا المجتمع هنا كتلة يمكن إعادة ترتيبها بسرعة وانتقائية، كي تطابق صورة اقتصادية موضوعة مسبقاً عن الدولة التي تريد السلطة إنتاجها.
أضرب واحتجّ الكثير من العمّال والموظفين، باعتبار أنه لا يتمّ التعامل معهم كأفراد لهم حقوق وتاريخ وظيفي وموقع داخل شبكة اجتماعية واقتصادية، وإنما باعتبارهم عدداً زائداً داخل جهاز ينبغي تقليصه. ولم تظهر مساحة سياسية عامة تستطيع مناقشة حجم الدولة، أو معايير الاستغناء، أو أثر القرار على عائلات ومناطق وطبقات تعتمد حياتها على الوظيفة العامة.
إذاً، لا تدخل الجماعة المسلّحة إلى الدولة خالية من تصوّر سابق عن الحكم. فهي تتعلم خلال الحرب كيف تجمع الموارد، وتعيّن المسؤولين، وتضبط السكان، وتحلّ النزاعات، وتحدد المسموح والممنوع. لذلك قد لا يكون انتقالها إلى السلطة بداية حكمها، إنما توسيعاً لحكم نشأ سابقاً داخل رقعة عسكرية محدودة. المشكلة أن مؤسسات الحرب صُممت لإدارة سكان تحت السيطرة، لا لإنتاج مواطنين يشاركون في وضع القاعدة العامة. وحين يتّسع مجال هذا الحكم من منطقة عسكرية إلى بلد كامل، يمكن أن تتّسع أدواته من دون أن يتغير تصورّه عن المحكومين.
مجلس الشعب: أداة تشريعيّة لا سلطة تشريعية؟
يُفترض بمجلس الشعب الذي عيّن أعضاءه الرئيس أحمد الشرع بصورتين مباشرة وغير مباشرة، أن يصنع مسافة تشريعية بين السلطة وقراراتها، لكن عجزه عن مساءلة السلطة، يعكس الوظيفة التي بإمكانه أن يؤديها داخل الدولة وبنائها. فحين لا يملك المجلس استقلالية أمام السلطة، سيكون بلا شك مُرتباً لما تريده السلطة عبر القوانين والإرادة، بصورة أدق “أداة تشريعية بيد السلطة التنفيذية”.
ليست الميليشيا دائماً قوة بقيت خارج الدولة وعجزت الدولة عن تفكيكها. قد تصبح إحدى الوسائل التي تُبنى بها الدولة الجديدة، فتمنحها السلطة الأسماء والرتب والموارد، وتحتفظ في المقابل بشبكاتها ومرونتها ومصادر ولائها. عندها لا تعود الميليشيا نقصاً مؤقتاً سيزول حين تكتمل الدولة، إنما تدخل منذ البداية في الطريقة التي تتكوّن بها الدولة وتوزّع القوة داخلها.
لا تقتصر الميليشيوية هنا على وجود أعضاء سابقين في فصيل مسلح داخل الدولة، إنما تظهر في التفرد، وفي اقتراب الإرادة من التنفيذ، وفي ضعف المسافة التي يفترض أن تصنعها المؤسسة بين مَن يريد القرار ومن يملك تنفيذه.
من “القائد”؟
لا نعرف على نحو معلن كيف تنتقل الأوامر داخل المؤسسة العسكرية السورية الجديدة، ومن هي الجهات القادرة على مراجعة قرار القائد أو تعطيله، لذلك لا يمكن الجزم بأن إرادته تنتقل إلى التنفيذ. لكن أي مؤسسة تُختبر بما تفعله حينما تخطئ أو يظهر عيب ما، وتتبع المسؤولين ومعاقبتهم، هذا ما نلاحظه في غياب المحاسبة للقادة في مجازر السويداء والساحل. حتى الاعتقالات التي تمت باسم قانون الجرائم الإلكترونية لم نعرف مصدر قراراتها، ولا محاسبة لمن خالف تعميم ووزير العدل.
يمكن معرفة حضور “الدولة” من قدرتها على تحديد المسؤولية بعد وقوع الفعل، وعلى مساءلة القائد عن الأوامر التي أصدرها، وعن الانتهاكات التي عرف بها أو كان ينبغي أن يعرف بها ولم يمنعها. وحين تتوقف المحاسبة عند المنفذين، بينما تبقى القيادة خارج السؤال، لا تكون المؤسسة قد صنعت المسافة اللازمة بين القوة والحصانة.
هذه المسافة مفقودة في سوريا الحالية. الناس لا تشارك في إنتاج القرار، تنتظره فقط. لا تعرف غالباً أين بدأ، ولا من ناقشه، ولا أي جهة تستطيع مراجعته. في السياسة المؤسسية تتحول الإرادة الخاصة إلى قرار عام يستطيع الآخرون معرفة أسبابه والطعن فيه. أما في الميليشيا فتأتي شرعية القرار من القدرة على فرضه، ويصبح نجاحه في التوصل الى النتيجة المطلوبة أهم من سياق صنعه. لذلك يمكن للميليشيا أن تغيّر اسمها ومكانها وأدواتها، وأن تبقى وفية لطبيعة الفعل التي تكوّنت داخلها.
لن تبدأ الدولة في سوريا إلا حين تفقد القوّة والانتصار حقهما في أن يكونا معياراً عمومياً. كان سقوط الأسد نصراً جاء بقوّة وحزم وصبر، لكن ذلك لا يفسّر تعميم إرادة الجماعة المنتصرة والميليشيا على الجميع. فالمسألة الأصعب تبدأ حين تُلزم القوّة نفسها بالخضوع لمجتمع لم يشارك كلّه، لأسباب كثيرة، في الحرب والانتصار والمقاومة وتحدّي نظام الإبادة الأسدي.
ما الذي يصنع المجتمع؟
يمكن أن يتكلم عن “صورة سوريا” شخص مدني عُيّن داخل مؤسسة ثقافية أو إدارية، من دون أن يكون قد انتمى إلى فصيل مسلح. فالذات الميليشيوية لا تُعرّف بحمل السلاح واستخدامه فقط، إنما بالموقع الذي تمنحه الجماعة لنفسها تجاه المجتمع، حين ترى ذاتها صاحبة النصر والإرادة والقدرة على منح الآخرين مكاناً داخل الدولة.
يظهر ذلك عندما يخرج ممثل لاتحاد الكتّاب العرب قائلاً عبر التلفاز الوطني: “نحن السُنة نريد بناء وطن للجميع”. القائل ليس عضواً في ميليشيا، لكن العبارة تصدر عن الموقع نفسه الذي تتكلم منه الميليشيا المنتصرة.
تظهر جماعة واحدة بوصفها الذات التي تمثل الوطن وتبنيه، بينما يُستدعى الآخرون بوصفهم موضوعاً مادياً لهذا البناء، أشخاصاً يُصنع لهم وطن بدل أن يشاركوا في صناعته، ويحصلون على مكان داخله من إرادة سبقتهم وحددت صورة ظهورهم.
والحكم السياسي لا يصدر من ذات معزولة ومنفردة، لأنه يفترض منذ بدايته وجود ذوات أخرى تستطيع فهمه وقبوله أو تجاهله. لا يتكوّن المجتمع حين تتمدد إرادة جماعة حتى تشمل الآخرين، إنما يكون حاضراً منذ اللحظة التي يُعترف فيها بقدرة هؤلاء الآخرين على الدخول في تكوين الإرادة والحياة العامة.
لذلك لا تكمن مشكلة العبارة في أنها تحدد جماعة بعينها، ولا تكمن مشكلة عبارات أخرى عن حق المنتصر في الحكم في تخصيصها قيماً معينة بوصفها متفوقة على الآخرين، إنما في احتكارها موقع الذات التي تتكلم باسم الاجتماع والمجتمع كله. فالذات التي يتكلم بها المنتصرون والجماعاتيون تظهر دوماً بوصفها ذاتاً لها، مؤيدون أو تابعون، تمنح الناس حقوقاً وتمثيلاً أو حماية وقبولاً، من دون الاعتراف بحق الجميع في صنع الحياة السياسية العامة من موقع متساوٍ.
يتعزز منطق الميليشيا حين تضع السلطة فعلها داخل حجة أخلاقية مطلقة بإسقاط نظام الأسد. يمنحها ذلك شرعية تاريخية حقيقية، لكنه قد يحوّل حدثاً يفتح المجال السياسي إلى مصدر دائم لاحتكار الحق فيه.
فالجماعة التي دفعت أثماناً كبيرة قد ترى أن انتصارها لا يمنحها حق إدارة المرحلة وحده، إنما يمنحها حق تعريف المجتمع والخير العام، وتحديد مَن يستحق الدخول إلى الدولة.
كله في سبيل “الانتصار”!
شكّل إسقاط النظام فعلاً شاركت في صنع شروطه تضحيات كثيرة. حمل بعض أصحابها السلاح، وقاوم آخرون أو اعتُقلوا أو هُجّروا أو عاشوا طويلاً خارج تمثيل النظام. لكن الذات الميليشيوية تعيد جمع هذا التاريخ داخل ذاتها، فتظهر بوصفها صاحبة السقوط، بينما يصبح الآخرون مستفيدين منه أو ضيوفاً عليه. عندها تصبح الشرعية مدخلاً إلى السياسة، وأقرب إلى ملكية سياسية تمنح صاحبها حقاً أعلى في الكلام والتعيين والعقاب.
عندها يصبح الاعتراض على القرارات اعتراضاً على الانتصار. وحتى مَن فرح بإسقاط النظام أو شارك فيه بطريقة ما، يُسلب فرحه وأحقيته في الاعتراض والمطالبة. وتتحول مساءلة السلطة إلى نوع من إنكار التضحيات أو الوقوف في صف النظام السابق. حتى كلمة “الفلول”، المستخدمة ببعد عسكري، أصبحت تُقال للمدنيين المختلفين مع السلطة.
لا تُجرى مساءلة الناس انطلاقاً من أفعالهم الحالية، إنما يُحلل وجودهم مسبقاً داخل أفق صنعته الحرب، بوصفهم موالين للنظام السابق، أو رافضين للنظام الجديد، أو مشككين فيه بنيات سيئة. عموماً، تراهم السلطة بوصفهم بقايا ماضٍ لم ينتهِ. ولا تعود الشرعية محتاجة إلى التجدد داخل القانون والمشاركة، لأنها تستمد قوتها من ماضٍ قتالي يعيد تصنيف الحاضر وفق تقسيماته.
تتجاوز المسألة السورية وجود مسؤولين ذوي ماضٍ ميليشيوي. بإمكان شخص خرج من فصيل مسلح أن يتصرف داخل مؤسسة سياسية، كما بإمكان مسؤول مدني أن يمارس فعلاً ميليشيوياً. المعيار هو طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهي علاقة تبدو مستحيلة ما دامت عقلية الميليشيا تستحوذ على الدولة، من دون أن تمثل المجتمع أبداً.