-
رشا النداف… الجمهورية .نت
-
-
-
في 24 آب (أغسطس) الجاري، نظم أهالي عدد من المعتقلين لدى القوات الإسرائيلية وقفة احتجاجية أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق، للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم وأقاربهم الذين احتُجزوا خلال عمليات التوغل الإسرائيلي في ريفي درعا والقنيطرة. وطالب المحتجون بتوفير معلومات موثوقة عن أماكن الاحتجاز وظروفه، وبتمكين الجهات الدولية والإنسانية من الاطلاع على أوضاع المعتقلين والعمل على الإفراج عنهم.
جاءت الوقفة بعد أسبوع من تحرك مماثل أمام مقر «أندوف» في نبع الفوار بريف القنيطرة، ضمن سلسلة احتجاجات عائلية متكررة على استمرار الاحتجاز وغياب المعلومات، وفي سياق ملف يتحرك باستمرار منذ سقوط النظام السابق: توغلات واعتداءات إسرائيلية واعتقالات متكررة في القنيطرة ودرعا، يعقبها إفراج سريع عن بعض المحتجزين وبقاء آخرين لأسابيع أو أشهر. وبحسب مركز سجل الذي يعنى برصد العمليات الإسرائيلية في سوريا، ارتفع إجمالي من احتُجزوا منذ 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 من 181 شخصاً في إحصائية آذار (مارس) 2026 إلى 237 شخصاً بحلول نهاية تموز (يوليو).
معظم من يُعتقلون يُطلق سراحهم خلال ساعات أو أيام قليلة، ما يجعل مهمة حصر العدد الدقيق في لحظة معينة صعبة على الجهات الراصدة، إذ تعتقل قوات الاحتلال أشخاصاً بينما تفرج عن آخرين، وهذا ما يفسر أن عدد من يبقون قيد الاحتجاز لأسابيع أو أشهر لا ينخفض بشكل ملموس رغم عمليات الإفراج.
وشهدت الأسابيع الأخيرة موجة إفراجات متتالية، إذ أفرجت قوات الاحتلال في 29 تموز (يوليو) الماضي عن أربعة معتقلين: محمد المحمد من قرية جملة بريف درعا الغربي، وياسين الجاسم من مزرعة عين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي، ومروان الكريان من قرية عين الزيتون، وحسام الصفدي من قرية بيت جن بريف دمشق الغربي، وأمضى الأخيران أكثر من عام في الاحتجاز. ثم في 5 آب (أغسطس) الجاري أفرجت عن أحمد عبد الحميد الكريان من قرية الدواية الكبيرة، وأحمد ماجد الهتيمي من قرية سويسة، بعد احتجاز استمر أكثر من عام منذ السابع من تموز 2025. وقالت مديرية إعلام القنيطرة أن الإفراج عن الكريان والهتيمي جاء نتيجة «جهود ومتابعة حكومية عبر منظمة الأمم المتحدة»، دون تفاصيل أكثر حول هذه الجهود. وفي 19 آب أُفرج عن ثلاثة معتقلين آخرين: عماد سعود الهتيمي، ومحمد قاسم الجمعة، ومحمود مزيد البريدي، بعد نحو عام من احتجازهم.
ويوم أمس، 26 آب، أفرجت قوات الاحتلال عن أربعة معتقلين من محافظتي القنيطرة وريف دمشق، ثلاثة منهم قضوا ما يقارب العام في السجون الإسرائيلية وهم نضال عكاشة من بلدة بيت جن بريف دمشق، وإيهاب الطويل من بلدة حضر بريف القنيطرة الشمالي وأحمد العنزي (كويتي الجنسية بحسب عنب بلدي)، والرابع هو غازي الطحان، من أبناء قرية كودنة بريف القنيطرة الجنوبي. وبهذا يرتفع إجمالي من أُفرج عنهم خلال الأسابيع الأخيرة إلى 13.
نتيجة الظروف المشار إليها أعلاه، والمتعلقة بكثرة الاعتقالات والإفراجات وصعوبة التوثيق، فإنه ليس هناك عدد نهائي مؤكد للسوريين المعتقلين في هذه اللحظة، وأي عدد سيكون عرضة للتغيُّر السريع. وبحسب بيانات مركز سجل في أواخر تموز الماضي، بلغ عدد المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال 48 منهم 5 معتقلون منذ ما قبل سقوط الأسد. وتحدثت جريدة الشرق الأوسط في تقرير لها في 3 آب الجاري عن 46 معتقلاً مشيرة أيضاً إلى أن بينهم مُعتقلين منذ ما قبل سقوط الأسد، وقال تقرير لموقع المدن في 20 آب إن العدد يبلغ 43 معتقلاً.
البنية القانونية: تصنيف «مقاتل غير شرعي»
تحدّثنا إلى المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان (المرصد)، وهو مؤسسة حقوقية تأسست في هضبة الجولان السورية المحتلة عام 2003 بهدف التوثيق والدفاع عن حقوق الإنسان ومراقبة السياسات ضد السكان العرب السوريين المتبقين في الجولان المحتل، ومقره في بلدة مجدل شمس. وقد أفاد في رده على استفسارات الجمهورية.نت بشأن الإطار القانوني الذي يحكم احتجاز أغلب هؤلاء المعتقلين، بأنهم يخضعون لتصنيف «المقاتل غير الشرعي» بموجب قانون عام 2002 الإسرائيلي، وهو تصنيف يسلبُ المعتقل تقريباً جميع حقوقه: من التمثيل القانوني، إلى التواصل مع الخارج، إلى زيارات الصليب الأحمر والمحامين، ولا يُتيح أياً من هذه الحقوق إلا بموافقة وزير الأمن الإسرائيلي. وأضاف المرصد أن هذا التصنيف يضع المعتقل في منطقة قانونية وسطى لا يخضع فيها لحماية أسير الحرب ولا لضمانات المحاكمة الجنائية العادية، ما يفسر إمكانية تمديد احتجازه لفترات طويلة دون توجيه تهمة رسمية معلنة.
وتعكسُ ذلك شهادةٌ حصلت عليها الجمهورية.نت لمعتقل سابق من ريف القنيطرة، احتُجز في سجن سدي تيمان لمدة 65 يوماً: دخل الاحتجاز وخضع للتحقيق طوال 65 يوماً بين قاعدة عسكرية في الحميدية وسجن سدي تيمان في النقب، لم تُوجَّه له خلالها أي تهمة رسمية معلنة، ولم يُطلَع على سبب استمرار احتجازه أو موعد الإفراج عنه، إلى أن أُفرج عنه في 19 كانون الثاني (يناير) الماضي دون أن يعرف حتى لحظة خروجه ما هي التهمة التي احتُجز على أساسها. وبحسب ما نقلته المدن عن معتقل أخر مُفرَج عنه، فإنه «لم يكن يعرف حتى لحظة الإفراج عنه التهمة الموجهة إليه»، موضحاً أن قوات الاحتلال احتجزته أثناء توجهه إلى السوق في الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة.
وتتجاوز الإشكالية هنا شروط الاحتجاز وحدها. فهؤلاء سوريون يُعتقلون خلال عمليات عسكرية وتوغلات إسرائيلية داخل أراضٍ من الجولان السوري المحتل، أو من المنطقة الفاصلة الخاضعة لاتفاق فصل القوات لعام 1974 في محافظة القنيطرة أو حتى من محافظة درعا، ويُطبَق عليهم تشريع إسرائيلي. وبذلك لا يقتصر السؤال على ما إذا كان المعتقل يحصل على ضمانات قانونية كافية داخل النظام الإسرائيلي، بل يشمل الأساسَ الذي تُمارَس بموجبه هذه الاعتقالات، إذ لا يوجد تفسير قانوني معقول يتيح لدولة اعتقال مواطني دولة أخرى من داخل أراضيهم بموجب قانون مُخصَّص للمُقاتلين «غير الشرعيين»؛ الجنود الإسرائيليون هم «المقاتلون غير الشرعيين» عندما يكونون على الأراضي السورية.
توزيع المعتقلين على السجون: سديه تيمان وعوفر ونفحة
تشير مقاطعة المصادر المتوافرة إلى أن المعتقلين السوريين يتوزعون على أربعة مرافق احتجاز رئيسية. فبحسب مركز «سجّل» في تقريره الصادر أوائل حزيران (يونيو) 2026، يتوزع المحتجزون على سجون «مجدو وعوفر وراكيفيت وسدي تيمان». أما جريدة المدن الإلكترونية فحدَّدت في تقريرها الأخير أن المعتقلين موجودون في «معسكر سدي تيمان وسجن نفحة في منطقة النقب، إضافة إلى سجن عوفر الواقع بالقرب من صحراء النقب»، مشيرة إلى أن عدداً من المعتقلين الخاضعين للتحقيق في سدي تيمان يُنقَلون لاحقاً إلى سجون مركزية من بينها عوفر، وهو ما يتطابق مع ما وصفته شهادة المعتقل للجمهورية.نت: «يوجد قسم داخل سدي تيمان يُنقل أفراده إلى سجن عوفر بعد صدور حكم بحقهم».
وسدي تيمان هو قاعدة عسكرية في صحراء النقب، أفاد تقرير لمكتبة الكونغرس الأميركية بأنها أُعلنت كمنشأةً للاحتجاز في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أي عند بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، بموجب قانون احتجاز «المقاتلين غير الشرعيين» لعام 2002 وتعديلاته، وقد جرى تمديد هذا الإعلان بشكل دوري منذ ذلك الحين. واستُخدم لاحقاً أيضاً لاحتجاز سوريين، وتؤكد شهادات وتقارير عدة وجود معتقلين من سوريا ولبنان وفلسطين داخله، حيث نقلت المدن عن معتقل سابق أنه ترك خلفه خمسة معتقلين سوريين في السجن، بينهم من اعتُقلوا من لبنان خلال الحرب الأخيرة في جنوب لبنان، وذكر بالاسم أسعد الحسكي من محافظة إدلب، وأشار إلى وجود معتقلين آخرين في مهاجع منفصلة تضم أيضاً محتجزين من لبنان وفلسطين.
كما كشفت شهادة المعتقل الذي تحدثت إليه الجمهورية.نت عن وجود مجموعة معتقلين دروز سوريين داخل سدي تيمان، إذ تحدَّثَ عن «غرفة خاصة فيها دروز سوريين من حضر»، وهو ما أكده مرصد الجولان في رده على استفساراتنا حين أفاد بوجود سبعة معتقلين دروز من حضر، وأضافَ أنه قام بتوثيق اعتقال ثلاثة قاصرين، إضافة إلى شاب اعتُقل عندما كان قاصراً وبلغ الثامنة عشرة داخل السجن.
توصيف «الإخفاء القسري»
يستخدم محامون وجهات توثيقية مصطلح «الإخفاء القسري» لوصف حالة المعتقلين السوريين لدى إسرائيل، لكن «مرصد الجولان» يقول إن تعميم توصيف «الاختفاء القسري» على جميع المعتقلين ليس صائباً، موضحاً أن غالبيتهم معروفة أماكن سجنهم، ويمكن للمحامين الحصول على هذه المعلومة من الجيش الإسرائيلي عبر طلب رسمي. ورأى المرصد أن معرفة مكان الاحتجاز في أغلب الحالات تقتضي التمييز بين الحالات التي يُحجَب فيها مصير المعتقل ومكانه كلياً، وتلك التي تكون فيها معلومات المكان متاحة، ولو بقيت ظروف الاحتجاز والتواصل والوضع القانوني غير واضحة.
وأوضح المرصد أن هناك صعوبات حقيقية في التحقق من ظروف الاعتقال حتى بعد معرفة أماكن وجود المعتقلين، وقال في معرض رده على استفسارات هذا التقرير: «توجهنا لسلطة السجون بعد ما عرفنا من خلال طلب حرية المعلومات الذي أُرسِلَ للجيش الإسرائيلي بوجود 8 معتقلين سوريين في معسكرات اعتقال يديرها الجيش، وبأن باقي المعتقلين دون تحديد عددهم موجودون في سجون تديرها سلطة السجون الإسرائيلية، ولكن سلطة السجون رفضت تقديم معلومات بحجة أنها “معلومات أمنية حساسية”»، وأضاف المرصد أنهم يعملون على تقديم التماس ضد قرار سلطة السجون بعدم توفير المعلومات.
لا يقدّم هذا التقرير صورة نهائية عن أوضاع عن المعتقلين السوريين لدى إسرائيل، بل يرسم ملامح تَداخُل عمليات التوغل والاعتقال بشكل مستمر والاحتجاز في مواقع متعددة ولمدد متفاوتة ضمن تصنيف قانوني إسرائيلي يُطبَّق على سوريين اعتُقلوا من أراضٍ سورية.
-