
سيغموند فرويد (1856 – 1939) (غيتي)
ملخص
في كتابه السيري يمهد سيغموند فرويد لنصه بصفحة توضيحية يختمها قائلاً: “بما أنني لا أود أن أناقض نفسي، ولا أن أسرف في تكرار ما سبق لي قوله، فسيكون لزاماً عليَّ أن أحاول الوصول إلى صيغة جديدة تجمع بين العرضين الذاتي والموضوعي، أي بين السيرة الذاتية والتاريخ”
“يحق لي إذاً أن أقول، وأنا ألقي نظرة استرجاعية على النصيب من العمل الذي قيض لي أن أؤديه في حياتي، إنني شققت طرقاً عدة وحفزت على أمور كثيرة أعتقد أنها يمكن أن تتمخض عن شيء ما في المستقبل. ولكن لا يسعني أنا نفسي أن أعرف سلفاً: هل سيكون هذا الشيء كثيراً أو ضئيلاً؟ ومع هذا أستطيع في المقابل، أن أعرب عن رجائي في أن أكون شققت أمام المعرفة الإنسانية طريقاً نحو تقدم معتبر”.
بهذه العبارات ختم سيغموند فرويد ذلك الكتاب الصغير الذي نشره عام 1925، بالألمانية أول الأمر، في لايبزيغ، والذي كان – على الأرجح – الكتاب الوحيد الذي وضعه خلال تلك المرحلة من حياته كاستجابة لطلب ناشر.
فالحال أن الكتاب وعنوانه “حياتي والتحليل النفسي”، أتى عبارة عن “سيرة ذاتية” صاغها فرويد تلبية لدعوة من ناشر كان يدير في ذلك الحين سلسلة كتب تحت عنوان “راهن الطب من خلال السير الذاتية”.
ومع هذا، على رغم وضوح الهدف من السلسلة وتفضيل الناشر لأن يركز الكاتب، حقاً، على سيرته الذاتية، فإن فرويد آثر، كما يقول جورج طرابيشي مترجم النص إلى العربية، أن “يقدم اللحظة الموضوعية على اللحظة الشخصية، فيولي الاعتبار الأول في سيرته، للتحليل النفسي، لا لأحداث حياته”. ومن ثم، يضيف طرابيشي “فإن قارئ هذه الشهادة التي دونها واحد من كبار صانعي القرن الـ20، لن يقرأ وقائع حياة هذا الأخير في تفاصيلها، بقدر ما سيقرأ قصة التحليل النفسي وتطور مفاهيمه الأساسية”.
ومهما يكن من الأمر، فإن فرويد الذي يمهد لنصه بصفحة توضيحية يختمها قائلاً: “بما أنني لا أود أن أناقض نفسي، ولا أن أسرف في تكرار ما سبق لي قوله، فسيكون لزاماً عليَّ أن أحاول الوصول إلى صيغة جديدة تجمع بين العرضين الذاتي والموضوعي، أي بين السيرة الذاتية والتاريخ”.
فرويد هذا يبدأ منذ الفصل الأول بسرد وقائع ولادته – في فريبرغ بمورافيا التشيكية، عام 1856 – وانتقاله مع أسرته إلى فيينا وهو في الرابعة من عمره، موضحاً لنا أنه كان الأول في صفوفه طوال أعوام دراسته الابتدائية السبع.
التفاصيل المعروفة أولاً
وهكذا يروح فرويد في البداية واصفاً لنا تلك التفاصيل التي باتت معروفة حول دراسته وعلاقته بأبيه، وأول عهده بالجامعة والخيبة التي واتته هناك، إذ “كان لزاماً عليَّ أن أشعر بأنني أدنى من الآخرين، ومنبوذ عن قوميتهم، لأنني يهودي”.
والمهم أن المقام سيستقر بفرويد، مرة أخرى وبعد تجوال ودراسة في ألمانيا وفرنسا، اعتباراً من عام 1886، في فيينا حيث “تزوجت بالفتاة التي أقامت على انتظاري أكثر من أربعة أعوام في مدينة نائية”.
ومنذ ذلك الحين يتضاءل اهتمام فرويد بسيرته الشخصية، ليصبح نصه أشبه بسرد لتاريخ حركة التحليل النفسي التي بدأت تنمو على يديه، وتصبح جزءاً من الحركة الطبية في صورة عامة. ولئن كان فرويد، بين 1886 و1891 قد استنكف عن نشر أية دراسة إذ “كنت مأخوذاً بضرورات تثبيت مواقع قدمي في مهنتي الجديدة وتأمين وجودي المادي ومعيشة أسرتي الآخذة في التنامي بسرعة”، فإنه عام 1891 نشر أول أبحاثه عن شلل الأطفال المخي.
وكان في ذلك انطلاقته كمؤلف ومحاضر، وبداية شهرته الصميمة، خصوصاً أنه تضلع في دراسة حالات الهستيريا وبدأ يكتب عن اكتشافاته، حتى وإن كان لا يزال مهتماً – في ذلك الحين – بالتنويم المغناطيسي كوسيلة للعلاج.
الذهن والمسألة الجنسية
ويفيدنا فرويد هنا بأن تلك المرحلة من حياته كانت هي التي مكنته أبحاثه، فيها من أن يربط الهستيريا بالمسألة الجنسية “وما كنت أدرك، في ذلك الحين، أنني بردي الهستيريا إلى الجنسية قد رجعت أدراجي إلى أقدم أزمنة الطب، وجددت الصلة بتراث أفلاطون. وأنا ما فطنت إلى ذلك إلا بعد مطالعتي لمقال كتبه هافلوك ايليس في وقت لاحق”.
والحال أن هذه البدايات كانت هي التي مكنت فرويد خلال الأعوام اللاحقة من التحرر من كثير من أفكاره القديمة وصولاً إلى تركيز أفكاره حول التحليل النفسي، إذ غاص في مسائل مثل الكبت والحالات الجنسية لدى الأطفال.
والطريف أن فرويد يفيدنا هنا أنه اقترف في ذلك الحين خطأ فظيعاً “كان قميناً بأن يرتد أثره سريعاً بأوخم العواقب على جهادي كله: فتحت تأثير الطريقة التي كنت أتبعها آنئذ، كان معظم مرضاي يستعيدون مشاهد من طفولتهم يدور موضوعها من حول إغواء شخص راشد لهم (…) وكنت أصدق هذه المعلومات وتراءى لي من ثم أنني اكتشف، في هذه الإغواءات المبكرة مصادر العصاب اللاحق (…) بيد أني حين اضطررت إلى الإقرار بأن مشاهد الإغواء تلك لم تقع قط، وبأنها لم تكن سوى تخييلات لدى مرضاي، ربما أنا من فرضها عليهم، تخبطت لحين من الزمن في الحيرة والبلبلة”.
أخطاء واكتشافات
وهكذا على هذا النحو يواصل فرويد حديثه عن أخطائه واكتشافاته، في شكل تكاد فيه حياته الشخصية تختفي وراءه تماماً. وبهذه الطريقة يصل إلى كشف ما توصل إليه في شأن الليبيدو والأحلام والذهانات، كطبيب معالج… ولكن لاحقاً كمنظر، خلال تلك الفترة التي تحول فيها إلى رجل عام، ومؤسس لتيارات وصار له تلاميذ وخصوم، وبدأ يشرف على المؤتمرات والأمميات التي تضم مدرسة فيينا وغيرها، وتقيم مؤتمرات صارت في ذلك الحين علامة أساسية من علامات افتتاح القرن الـ20.
وهنا كان فرويد قد بلغ الـ53 من عمره وأكثر ومع هذا “كنت أشعر بالشباب والعافية”، حين زار الولايات المتحدة والتقى الفيلسوف ويليام جيمس الذي ترك لقاؤه معه تأثيراً دائماً فيه. وهنا يحدثنا فرويد – وبقسط كبير من الحيادية – عما أصاب حركة التحليل النفسي ودوره فيها، خلال الأعوام التالية، ولا سيما على يد تلميذين زميلين له، كانا قبل ذلك من أقرب علماء التحليل النفسي إليه، فيروي “وقعت في أوروبا، بين عامي 1911 و1913، حركتان انشقاقيتان عن التحليل النفسي، قادهما شخصان كانا أديا إلى ذلك الحين دوراً مرموقاً في العلم النفسي: الفريد آدلر وكارل يونغ. وقد بدت هاتان الحركتان بالغتي الخطورة، وسرعان ما انضوى تحت لوائهما عدد كبير من الأشخاص. بيد أنهما ما كانتا تدينان بقوتهما لجوهرهما الخاص، بل لكونهما أفسحتا في المجال – وهذا أمر له إغراؤه – للتملص من نتائج التحليل النفسي التي استشعر بعضهم أنها جارحة للمشاعر (…) وقد حاول يونغ أن ينتقل بالوقائع التحليلية إلى صعيد التجريد اللاشخصي، من دون أن يقيم اعتباراً لتاريخ الفرد، أملاً من وراء ذلك أن يوفر على نفسه حتمية الاعتراف بالجنسية الطفلية وبعقدة أوديب (…) أما آدلر فقد بدا أنه يشط إلى أبعد من ذلك عن التحليل النفسي، إذ أنكر دفعة واحدة الجنسية، وأرجع تكوين الطبع والعصاب معاً إلى علة وحيدة وهي إرادة القوة (السلطة) لدى الناس وحاجتهم إلى التعويض عن دونيتهم”.
تاريخ بمرحلتين
وأثر ذلك، في شيء من الاختصار يقول لنا فرويد، كاستنتاج، إن تاريخ التحليل النفسي بالنسبة إليه ينقسم إلى مرحلتين: “في أولاهما كنت وحيداً وأتحمل عبء كل العمل المطلوب إنجازه (…) وفي المرحلة الثانية، التي تمتد منذ ذلك الحين (1907) إلى يومنا الحاضر (1925) ما انفكت مساهمات تلاميذي وأعواني تزداد أهمية بحيث يسعني اليوم، إذ ينذرني مرض خطر (سرطان الفك) بنهايتي الغريبة أن أفكر، في هدوء داخلي كبير، باحتمال توقيف نشاطي الخاص”.
لكن سيغموند فرويد (1856 – 1939) واصل حياته لنحو عقد ونصف العقد بعد ذلك، كذلك فإنه أعاد النظر في ذلك النص مرة أخرى عام 1935. وهو في التذييل الذي كتبه عند ذاك، ذكر القراء بأنه – على أية حال – كان أكثر صراحة “في بعض مؤلفاتي الأخرى، في الحديث عن حياتي الخاصة”، خاصاً بالذكر كتباً مثل “تفسير الأحلام” و”علم نفس أمراض الحياة اليوم”.