ملخص
إذا خرجت جولة روما بخريطة تنفيذ تتضمن مناطق محددة، وتواريخ معلنة، وانتشاراً متزامناً للجيش، وانسحاباً إسرائيلياً قابلاً للتحقق، وآلية تحكيم ومراقبة، فإنها تكون أقرب إلى مفاوضات تنفيذية لا إلى عملية مفتوحة.
عقدت اليوم الثلاثاء في العاصمة الإيطالية روما، وتحديداً داخل السفارة الأميركية، جولة مفاوضات جديدة مباشرة بين إسرائيل ولبنان، وذلك بعد خمس جولات عقدت في العاصمة الأميركية واشنطن.
وكانت أعلنت وزارة الخارجية الإيطالية أن المحادثات ستجري على مستوى السفراء، بمشاركة السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، وذلك خلافاً للمفاوضات السابقة التي شارك فيها وفد أمني وآخر سياسي من البلدين.
كذلك ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن سفيري إسرائيل ولبنان في واشنطن سيترأسان الجلسة. في المقابل أشارت وسائل الإعلام اللبنانية إلى التوجيهات التي أعطاها رئيس الجمهورية جوزاف عون، للوفد اللبناني، بضرورة المطالبة بالبدء الفوري بانسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقتين التجريبيتين قبل أي بحث آخر.
تساؤلات لبنانية حول نقل المفاوضات إلى روما
وكان أثار نقل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية إلى روما، موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية حول دلالات هذا التحول، وما إذا كان يعكس اقتراب الأطراف من تسوية فعلية، أم بداية مرحلة جديدة من المفاوضات المفتوحة التي قد تطيل أمد الأزمة. كذلك طرحت علامات استفهام حول ما إذا كان تغيير مكان التفاوض يخفي تعديلاً في طبيعة الوساطة وشروطها، أم يمهد لطرح مقاربات جديدة، قد تفرض على لبنان أثماناً سياسية وأمنية إضافية مقابل أي تقدم في مسار التفاوض.
بدوره انتقد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وفي تصريحات صحافية، مسار التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن الاتصالات الجارية لم تحقق حتى الآن نتائج ملموسة للبنان. وحذر بري من طرح “المناطق التجريبية” في الجنوب، منبهاً إلى أنها قد تتحول إلى فخ يقود إلى توترات داخلية لا تخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي. وقال إن التفاوض المباشر الذي أفضى إلى “صيغة الإطار” لم يؤد حتى الآن إلى أي إيجابيات حقيقية لمصلحة لبنان وحقوقه.
وكان الرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط أشار إلى أن “في عملية التفاوض وجب وضع الإطار النهائي للتفاوض وعدم الوقوع مجدداً في بيان مشترك أميركي – لبناني يجمع التناقضات”.
وتابع جنبلاط “كما نحذر من عملية التفاوض من أجل التفاوض، مثل مسار اتفاقات أوسلو، فقد يصبح قسم من الجنوب وتراثه وتاريخه وشعبه في خبر كان، كما يحدث في فلسطين”.
وقد تكون تلك التساؤلات مشروعة، بخاصة مع تجربة “منظمة التحرير الفلسطينية” الطويلة مع إسرائيل خلال عمليات التفاوض.
وعليه، ليس السؤال لماذا انتقلت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية إلى روما، بل ماذا يعني هذا الانتقال سياسياً، وما الذي تبدل حتى بات تغيير المكان جزءاً من الرسالة التفاوضية نفسها؟ بخاصة أن انتقال المفاوضات من واشنطن إلى عاصمة أوروبية لم يعد الأمر مجرد تفصيل لوجيستي، بل مؤشر إلى أن المسار دخل مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تعذر تحقيق اختراق سريع في الجولات السابقة. فيما يظهر التاريخ أن انتقال المفاوضات بين العواصم غالباً ما يعكس أحد احتمالين، إما اقتراب الأطراف من تسوية تحتاج إلى ضمانات دولية أوسع، وإما دخولها مرحلة استنزاف سياسي يصبح فيها استمرار التفاوض هدفاً بحد ذاته، فيما تتراجع فرص الوصول إلى اتفاق نهائي.
من هو المستفيد من إطالة أمد هذا المسار؟
بالنسبة إلى إسرائيل، فإن إطالة وقت التفاوض تمنحها هامشاً إضافياً لترسيخ وقائع ميدانية وأمنية، والإبقاء على حرية عملها العسكري، وربط أي انسحاب بشروط أمنية متزايدة، مع نقل العبء تدريجاً إلى الدولة اللبنانية لإثبات قدرتها على تنفيذ التزاماتها. كما يسمح لها بتوسيع شبكة الضمانات الدولية لمطالبها، بحيث تتحول شروطها الأمنية مع مرور الوقت إلى جزء من أجندة الوسطاء أنفسهم.
أما لبنان فإن الخطر لا يكمن في التفاوض بحد ذاته، بل في أن تتحول الجولات المتتالية إلى منصة لتقديم تنازلات تدريجية من دون مقابل سيادي واضح، فكل تنازل إضافي في ظل استمرار الاحتلال أو غياب جدول زمني ملزم للانسحاب، قد يبدل موقع لبنان من دولة تفاوض على استعادة كامل سيادتها، إلى دولة تفاوض على استعادة جزء منها، وعندها يصبح الانتقال من عاصمة إلى أخرى مؤشراً إلى إطالة عمر الأزمة، لا على الاقتراب من حلها.
هل تدخل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية متاهة “التفاوض من أجل التفاوض”؟
لا يعني انتقال المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية إلى روما، بحد ذاته، أن لبنان دخل حتماً المسار الطويل الذي ابتلع المفاوضات الفلسطينية طوال أكثر من ثلاثة عقود، من مدريد إلى أوسلو، لكن التشابه يصبح جدياً عندما لا يكون تغيير المكان مصحوباً بتغيير في مضمون التفاوض، وبجدول زمني ملزم، وبخطوات متبادلة قابلة للقياس.
فالدرس الأساس من التجربة الفلسطينية ليس أن المفاوضات عُقدت في مدريد أو أوسلو أو واشنطن أو كامب ديفيد أو طابا وأنابوليس، بل إن العملية التفاوضية تحولت تدريجاً من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى إطار مفتوح لإدارة الصراع، بينما استمرت الوقائع الميدانية في التغير لمصلحة الطرف الأقوى حينها، أي إسرائيل.
كيف بدأ المسار الفلسطيني؟
انطلق المسار العلني من مؤتمر مدريد في إسبانيا عام 1991، بعد حرب الخليج الأولى، برعاية أميركية – سوفياتية، فيما كان المؤتمر أول جلوس مباشر واسع بين إسرائيل ووفود عربية منذ عقود، وفتح مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف، لكنه لم ينتج اتفاقاً نهائياً. ولاحقاً انتقل المسار التفاوضي الأكثر أهمية إلى مفاوضات سرية في النرويج بين ممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل انتهت باتفاق أوسلو عام 1993.
وحقق اتفاق أوسلو اختراقاً تاريخياً تمثل في الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وفي إنشاء سلطة فلسطينية انتقالية، لكنه لم يحسم القضايا الأساسية، أي العاصمة القدس، والحدود، والمستوطنات، واللاجئون، والسيادة، والأمن، والمياه. وجرى تأجيل كل هذه الملفات إلى مفاوضات “الوضع النهائي”. وكان من المفترض أن تستمر المرحلة الانتقالية خمسة أعوام فقط، تبدأ مع الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة ومنطقة أريحا، ثم تنتهي باتفاق نهائي، لكن الفترة الانتقالية لم تنتهِ، بل تحولت عملياً إلى بنية سياسية وأمنية ممتدة عقوداً.
أين كان الخلل البنيوي في أوسلو؟
لم تكن المشكلة حينها في فكرة التفاوض نفسها، بل في هندسة الاتفاق، وذلك عبر تأجيل القضايا الحاسمة، وبدلاً من الاتفاق منذ البداية على شكل الحل النهائي، تم الاتفاق على ترتيبات انتقالية، على أن تُبحث القضايا الأخطر لاحقاً.
وهكذا حصل كل طرف على تفسير مختلف للمرحلة الانتقالية، اعتبرها الفلسطينيون طريقاً إلى الدولة، بينما لم يتضمن الاتفاق نصاً صريحاً يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة عند نهاية الأعوام الخمسة.
غياب آلية إنفاذ ورقابة دولية حقيقية
كانت الولايات المتحدة حينها الراعي والوسيط الرئيس، لكنها لم تكن حكماً دولياً يمتلك آلية تلقائية لفرض التنفيذ أو لمعاقبة الطرف الذي يؤخر التزاماته، لذلك أصبحت كل خطوة تحتاج إلى مفاوضات جديدة: الانسحابات، وإعادة الانتشار، والأسرى، والممرات الآمنة، والانتخابات، والترتيبات الأمنية.
واستمرت العملية السياسية بالتوازي مع سياسات ووقائع ميدانية كانت تؤثر في قضايا الوضع النهائي، ولا سيما التوسع الاستيطاني والسيطرة الأمنية وتجزئة الأراضي. وحذرت تقارير أممية مبكراً من أن ممارسات الاحتلال أثناء المفاوضات قد تستبق نتيجة التسوية وتُفقد العملية صدقيتها.
اختلال ميزان القوة
لم يكن الطرفان، أي الفلسطيني والإسرائيلي، يتفاوضان من موقعين متساويين، فإسرائيل كانت تسيطر على الأرض والمعابر والأمن والاقتصاد، فيما كانت منظمة التحرير تحتاج إلى الاعتراف الدولي والتمويل وعودة قيادتها إلى الداخل، لذلك استطاع الطرف الأقوى أن يفاوض على توقيت تنفيذ كل مرحلة، بينما تحمل الطرف الأضعف كلفة التأخير.
مع الوقت أصبح التقدم السياسي مرهوناً بإثبات السلطة الفلسطينية قدرتها على ضبط الأمن ومواجهة الفصائل، بينما بقيت القضايا السياسية الكبرى مؤجلة، وبهذا تحول المسار من معادلة “انسحاب مقابل سلام” إلى معادلة أقرب إلى “أمن إسرائيل أولاً، ثم نبحث لاحقاً في الحقوق السياسية”.
إنما كيف تحولت المحطات اللاحقة إلى جولات بلا نهاية؟
ثم جاء اتفاق أوسلو الثاني أو (اتفاق طابا) عام 1995 ليقسم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، وليحدد ترتيبات إدارية وأمنية انتقالية، لكنه لم يحسم السيادة النهائية، ثم توالت المراحل، اتفاق الخليل عام 1997، ومذكرة “واي ريفر” عام 1998، ومذكرة شرم الشيخ عام 1999، وقمة “كامب ديفيد” عام 2000، ومفاوضات طابا عام 2001، وخريطة الطريق عام 2003، ومؤتمر أنابوليس عام 2007، وجولات جون كيري في 2013 و2014.
وكانت كل محطة تُقدّم باعتبارها فرصة أخيرة أو اختراقاً محتملاً، لكن كل اتفاق جزئي كان يحتاج إلى اتفاق إضافي لتنفيذه، وكل إخفاق كان يعيد الأطراف إلى جولة جديدة بدل أن يؤدي إلى مساءلة واضحة. وبحلول عام 2000، كانت المرحلة الانتقالية المحددة بخمسة أعوام قد انتهت من دون استكمال إعادة الانتشار أو التوصل إلى اتفاق نهائي، ثم انفجرت الانتفاضة الثانية، ولاحقاً فشل مسار أنابوليس أيضاً في إنتاج اتفاق دائم.
وهكذا أصبحت تسمية “عملية السلام” منفصلة إلى حد كبير عن النتيجة الفعلية، العملية مستمرة، لكن السلام النهائي غير موجود.
أين يتشابه المسار اللبناني الحالي مع التجربة الفلسطينية؟
لا يكمن التشابه في طبيعة القضية، بل في بعض آليات التفاوض، أي انتقال المفاوضات بين العواصم. انتقلت المفاوضات الفلسطينية بين مدريد، وأوسلو، وواشنطن، وشرم الشيخ، وكامب ديفيد، وطابا وأنابوليس. وفي كل مرة كان تغيير المكان يمنح انطباعاً بأن العملية دخلت مرحلة جديدة، لكن المكان لم يعالج الخلافات البنيوية.
واليوم، انتقلت الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، بعد اجتماعات في واشنطن، إلى روما بوساطة أميركية وعلى مستوى السفراء، مع مشاركة فرق متخصصة ومناقشة قضايا من بينها الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية، ولكن المشكلة ليست في روما، بل في احتمال استخدام تغيير المكان، لإعطاء زخم شكلي لمسار لا يزال مختلفاً على أهدافه الأساسية.
الخلاف على ترتيب الخطوات
يريد لبنان أن يبدأ المسار بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وإطلاق إعادة الإعمار، بينما تضع إسرائيل نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك بنيته العسكرية في صدارة التفاوض، وهذا يشبه جزئياً المعضلة الفلسطينية القديمة، أيهما يأتي أولاً، الانسحاب السياسي أم الضمان الأمني؟
في المفاوضات الفلسطينية كان الجانب الإسرائيلي يطالب بإجراءات أمنية فلسطينية قبل تنفيذ الانسحابات أو تقديم تنازلات في الوضع النهائي. وفي الحالة اللبنانية، قد تصبح المعادلة، لا انسحاب إسرائيلياً كاملاً قبل نزع السلاح، ولا قدرة لبنانية على نزع السلاح من دون انسحاب وضمانات سياسية وأمنية، وإذا بقي كل طرف يشترط تنفيذ الطرف الآخر أولاً، ستصبح الجولات وسيلة لإدارة هذا التعارض لا لحلّه.
المناطق التجريبية تشبه خطر المراحل الانتقالية
تقوم الطروحات الحالية على انسحاب مرحلي من مناطق محددة أو “تجريبية”، ينتشر فيها الجيش اللبناني، ثم يُختبر نجاح النموذج قبل توسيعه. وكما بات معلوماً يدور البحث حول انسحاب إسرائيلي مرحلي من منطقتين جنوبيتين واستبدال بالقوات الإسرائيلية الجيش اللبناني، لكن الخلافات لا تزال موجودة حول آليات الرقابة والتنفيذ. هذا النموذج ليس سلبياً بالضرورة، فقد يكون وسيلة عملية لبناء الثقة، لكنه يصبح خطراً عندما تتحول “المنطقة التجريبية” من خطوة أولى محددة زمنياً إلى وضع دائم، تماماً كما تحولت المرحلة الانتقالية في أوسلو إلى واقع مستمر.
وحتى اللحظة لا توجد مهلة محددة للانتقال من منطقتين إلى انسحاب كامل، وتحتفظ إسرائيل بحق تقييم الأداء اللبناني وربما تأجيل المراحل اللاحقة. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد صرح أن القوات الإسرائيلية ستواصل وجودها في جنوب لبنان “ما دعت الحاجة”، وأن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها ما دامت ترى ضرورة أمنية لذلك. وأضاف نتنياهو “نحن نسيطر على جنوب لبنان، وسنبقى في المنطقة الأمنية ما دام ذلك ضرورياً، ولن ننسحب منها”.
التفاوض تحت وقائع ميدانية غير ثابتة
أثناء المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، كانت الأرض نفسها تتغير، وفي لبنان أيضاً، تستمر الضربات الإسرائيلية والوجود العسكري والخروقات وتجريف البيوت، بينما تحاول المفاوضات تحديد مستقبل المناطق نفسها. وهذا يخلق اختلالاً جوهرياً، أحد الطرفين يفاوض فيما يحتفظ بقدرة عسكرية على تعديل الوقائع، والطرف الآخر يفاوض تحت ضغط استعادة السيادة ومنع توسع الحرب.
كما في المسار الفلسطيني تبقى واشنطن الراعي الرئيس للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وقد يضيف وجود إيطاليا غطاءً أوروبياً ومكاناً أقل حساسية، لكنه لا يعني أن القرار انتقل إلى وساطة دولية متوازنة. وإيطاليا لاعب مهم بسبب دورها في قوات حفظ السلام الأممية “اليونيفيل” في جنوب لبنان واهتمامها باستقرار المتوسط، لكن المفاوضات لا تزال أميركية الوساطة، وروما تستضيف الجولة أكثر مما تقودها.
أين يختلف المساران؟
وعلى رغم كل الأخطار التي عددناها، لا يصح إسقاط التجربة الفلسطينية بالكامل على لبنان، إذ إن القضية الفلسطينية تتعلق بتقرير المصير، وإقامة دولة، وحدودها، وعاصمتها، واللاجئين، والمستوطنات، والسيادة على الأرض والموارد. أما الملف اللبناني فيرتكز في مرحلته الحالية على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ووقف العمليات العسكرية، وانتشار الجيش اللبناني، وحصرية السلاح بيد الدولة، وترسيم أو تثبيت النقاط الحدودية المختلف عليها، وإنشاء آليات مراقبة وضمانات أمنية، أي إن الإطار القانوني والجغرافي أكثر وضوحاً، حتى لو كان التنفيذ بالغ الصعوبة.
كما أن لبنان وإسرائيل بينهما اتفاق الهدنة عام 1949، وتعتمد الأمم المتحدة الخط الأزرق لأغراض التحقق من الانسحاب الإسرائيلي منذ عام 2000، على رغم بقاء نقاط متنازع عليها، أي إن المسألة لا تتطلب إنشاء كيان لبناني أو تحديد كل حدوده من الصفر، بل استعادة سلطة الدولة على أرض متعارف عليها دولياً إلى حد بعيد.
أيضاً يحدد القرار 1701 الصادر عام 2006 مبادئ أساسية، أبرزها وقف الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني و”اليونيفيل”، وعدم وجود سلاح أو قوات غير تابعة للدولة في المنطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، إضافة إلى بسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها.
أما اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 فأعاد تأكيد التطبيق الكامل للقرار 1701 ومنع الهجمات من الأراضي اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي المرحلي، إذاً المشكلة ليست انعدام المرجعية، بل إن المرجعيات والاتفاقات القائمة لم تُنفذ بالكامل، أو لم تنفذ أصلاً.
وكان لبنان شهد اتفاق الـ17 من مايو (أيار) 1983 الذي هدف إلى ترتيبات أمنية وانسحاب القوات الأجنبية، لكنه أُلغي عام 1984 تحت تأثير الانقسام الداخلي والضغط السوري وعدم قدرة الدولة اللبنانية آنذاك على فرض الاتفاق، وخاض لبنان مفاوضات غير مباشرة أفضت إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022.
وهذا يعني أن التفاوض التقني أو الأمني مع إسرائيل ليس سابقة، لكن الخطر التاريخي الدائم هو أن توقع الدولة اللبنانية التزامات لا تمتلك القدرة الداخلية الكاملة على تنفيذها.
انتقال المفاوضات إلى روما جرس إنذار
وبما أن الجولة الحالية هي ليست الأولى، بل السادسة، ولأنها تأتي بعد جولات في واشنطن من دون حسم نهائي، ولأن الخلاف لا يزال قائماً حول جوهر التسلسل، هل تنسحب إسرائيل أولاً؟ أو هل يُنزع سلاح “حزب الله” أولاً؟ أو هل تبدأ الخطوات بالتوازي؟ ومن يقرر أن لبنان نفذ التزاماته؟
كما أن الإعلان عن اجتماعات روما رافقته في البداية مؤشرات ارتباك، فقد أفادت تقارير إعلامية بأن الجانب اللبناني لم يكن قد تبلغ بصورة واضحة عندما أعلن الجانب الإسرائيلي الموعد، قبل أن تؤكد إيطاليا استضافتها المحادثات.
وهذا الخلل في إدارة الإعلان لا يثبت وجود مماطلة، لكنه يكشف أن العملية لم تصل بعد إلى مستوى تفاوضي مؤسسي ومتماسك وندي، وأن إسرائيل لا تزال قادرة على التحكم بجزء من الإيقاع الإعلامي والسياسي للمسار.
متى تصبح روما نسخة لبنانية عن أوسلو؟
قد تتحول روما إلى مدخل للمراوحة إذا ظهرت المؤشرات التالية:
غياب موعد نهائي للانسحاب الإسرائيلي الكامل، ربط كل انسحاب بتقييم إسرائيلي أحادي لأداء الجيش اللبناني، وتحويل المناطق التجريبية إلى ترتيبات دائمة، واستمرار الضربات والاحتلال بالتوازي مع المفاوضات، وتأجيل البحث في النقاط الحدودية الأساسية إلى جولات لاحقة بلا مهلة، وإنشاء لجان تقنية جديدة كلما تعثر التنفيذ، ومطالبة لبنان بالتزامات فورية مقابل وعود إسرائيلية مستقبلية، وعدم وجود آلية دولية واضحة لتحديد الطرف الذي يخرق الاتفاق، وغياب توافق لبناني داخلي على من يفاوض، وما الذي يمكنه الالتزام به، وكيف يُنفذ حصر السلاح.
أما إذا خرجت جولة روما بخريطة تنفيذ تتضمن مناطق محددة، وتواريخ معلنة، وانتشاراً متزامناً للجيش، وانسحاباً إسرائيلياً قابلاً للتحقق، وآلية تحكيم ومراقبة، فإنها تكون أقرب إلى مفاوضات تنفيذية لا إلى عملية مفتوحة.
والقول إن روما تعني تلقائياً إعادة إنتاج أوسلو فيه مبالغة، لكن تجاهل هذا الاحتمال سذاجة سياسية. وأثبتت التجربة الفلسطينية أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس انهيار المفاوضات، بل استمرارها إلى ما لا نهاية، وأن يتحول التفاوض إلى غطاء للجمود، وأن تصبح المراحل الانتقالية دائمة، وأن يُستبدل بالسؤال الأساس، متى ينتهي الاحتلال؟ سؤال متكرر حول موعد الجولة المقبلة ومكانها.
والخطر على لبنان يبدأ عندما يصبح الانتقال من واشنطن إلى روما بديلاً عن الانتقال من التفاوض إلى التنفيذ، ولذلك لا يجب تقييم جولة روما بعدد الاجتماعات أو مستوى الوفود، بل بثلاثة معايير حاسمة، هل يوجد جدول زمني ملزم للانسحاب؟ وهل الخطوات متبادلة ومتزامنة؟ وهل توجد جهة قادرة على فرض التنفيذ على الطرفين؟
إن غابت هذه العناصر فقد لا تكون روما بداية الحل، بل بداية تدوير الأزمة، وعندها يصبح المسار اللبناني مرشحاً لأن يتحول، كما حدث فلسطينياً، من مفاوضات لإنهاء الصراع إلى مفاوضات لإدارته.
