ملخص
لم يكن الشاعر سيزار باييخو إسبانيا، بل من البيرو حتى وإن كان قد عاش ردحا طويلاً من عمره في إسبانيا فبات جزءاً من حياتها الثقافية، تماماً كما سيعيش في فرنسا ويصبح أيضاً جزءاً من نسيجها الإبداعي، حتى وإن تمسك باللغة الإسبانية وأبدع فيها
لعل هواهما الفرنسي المشترك كان يجمعهما وجعل ثانيهما، الكاتب اليساري الإسباني جورج سمبران، لا يسلم الروح في نهايات حياته، إلا بعدما كتب مقدمة وافية لآخر ما صدر لثانيهما، الشاعر سيزار باييخو من أشعار في “وطنهما المشترك” الذي جحد الثاني فحفز الأول على التصدي لذلك الجحود.
من هنا كان من الأمور ذات الدلالة أن يكتب سمبران، الذي عرف برجل الإنصاف، وكان واحداً من وزراء الثقافة الأكثر نشاطاً في وطنه الإسباني كما كان قبل ذلك، ولا سيما في منفاه الفرنسي، واحداً من أهم كتاب السيناريوات السينمائية والرواية، ومن أنشط المناضلين لاستعادة إسبانيا حريتها وديمقراطيتها، أن يكتب في تقديمه لما صدر من أشعار باييخو، بعد سنوات طويلة من موت هذا الأخير: “لقد فرقت دائماً بين الشمولية التي ينتهجها الكهنة البلشفيون، وبين الشيوعيين الحقيقيين الذي عاشوا تحت الأرض مناضلين حقاً ومناضلين حقاً في مواقفهم المعادية للفاشية. وكان سيزار باييخو واحداً منهم، شاعراً كبيراً ومناضلا صلبا كما حال أهم شعراء القرن الـ20، إنما على الضد من نيرودا والبرتي وأراغون اللذين كانوا من أولئك الكهنة”.
والحقيقة أن هذه الإشارة دونها سمبران وهو على عتبة رحيله كانت تكفي ليس فقط لإعادة السجالات، بل لإعادة الاعتبار لشاعر ومناضل حقيقي كبير لم يُبالِ في حياته القصيرة بالشهرة، فحصل عليها آخرون لم يكونوا يستحقونها، في رأي سمبران، ولكن في رأي كثر غيره أيضاً. وكانت المقدمة التي كتبها سمبران تتناول مجموعتين لباييخو صدرتا مترجمتين إلى الفرنسية قبل عقدين ونصف العقد من السنين، معيدين إلى الواجهة ذلك الشاعر الذي اعتبر فرنسا وطنه الثاني، إذ عاش فيها طوال سنوات المنفى كغيره من كبار المناضلين المبدعين الإسبان الهاربين من ديكتاتورية فرانكو.
“سأموت في باريس”
ومع ذلك لم يكن باييخو إسبانيا، بل من البيرو حتى وإن كان قد عاش ردحا طويلاً من عمره في إسبانيا فبات جزءاً من حياتها الثقافية، تماماً كما سيعيش في فرنسا ويصبح أيضاً جزءاً من نسيجها الإبداعي، حتى وإن تمسك باللغة الإسبانية وأبدع فيها.
فهو، بعد كل شيء، قال في واحدة من أشهر قصائده: “سوف أموت في باريس ذات يوم ممطر/ ذات يوم أحتفظ منذ الآن بذكرياتي عنه/ سأموت في باريس وذلكم أمر حسن/ ربما ذات خميس ممطر ويا له من أمر رائع”.
والحقيقة، كما يذكرنا سمبران، أن باييخو مات بالفعل في باريس، ولكن ليس يوم خميس ممطر، بل يوم جمعة عاصف في الـ15 من أبريل (نيسان) 1938. وكان حينها في الـ46 من عمره هو الذي ولد عام 1892 في سانتياغو دي تشوكو، البلدة الصغيرة الواقعة في جبال الأنديز البيروفية لعائلة متواضعة ذات جذور “هندية” وإسبانية، بالتالي نشأ كما يذكرنا سمبران في بيئة ريفية فقيرة، “وسط عالم مهمش وبيئة معزولة وفقر مدقع، فكان لذلك كله أثر عميق في حساسيته الشعرية ونظرته إلى الإنسان”. في شبابه المبكر درس باييخو الأدب والطب والقانون في مراحل مختلفة، ثم استقر في العاصمة ليما، حيث بدأ ينشر قصائده التي أدخلته حلقات المبدعين في المدينة. غير أن حياته لم تكن سهلة، فقد بدأ يتعرض للسجن منذ عام 1920، ولكن دائماً وسط ظروف سياسية وقضائية شديدة الغموض كما يؤكد سمبران، لكن تجربة السجن كانت من التجارب التي أثرت في شعره وأثرته.
نبرة شعرية خاصة
في عام 1919 نشر باييخو مجموعته الشعرية الأولى بعنوان “المنذورون السود” وفيها ظهرت للمرة الأولى نبرته الشعرية الخاصة: نبرة الموت والألم والوحدة والفقر، ولكن خاصة، نبرة الحيرة أمام وجود “يبدو أحياناً وكأنه محكوم بالعذاب”.
وبعد ذلك كان دور مجموعته التالية التي ستضحي لاحقاً من أشهر مجموعاته وأكثرها شعبية، “تريلسي” (1922)، التي اعتبرها النقاد والمؤرخون واحدة من أكثر التجارب الشعرية تجديداً في الشعر الإسباني الحديث. ففيها “حطم باييخو القواعد اللغوية والنحوية، وابتكر تراكيب وكلمات غريبة حتى بدت اللغة نفسها وكأنها تعاني مع الشاعر ولا تكتفي بالتعبير عن تلك المعاناة”.
وفي عام 1923 انتقل الشاعر إلى أوروبا، ليقيم معظم السنوات التالية في باريس، حيث عاش كعادته حياة بؤس اتسمت بصعوبة لا تضاهى، لكنه في الوقت نفسه عرف كيف ينخرط في الحياة الثقافية والسياسية الأوروبية. وهو زار الاتحاد السوفياتي لاحقاً واهتم بالماركسية ما جعله ينخرط لاحقا في الحرب الأهلية الإسبانية التي ستكون صاحبة الأثر الأكبر في كل ما راح يكتبه من شعر، ولكن من نثر أيضاً خلال السنوات التالية من حياته، إلى درجة أن كثراً باتوا ينظرون إليه بوصفه شاعر الحرب الإسبانية من دون منازع، وراحوا يتعاملون معه كإسباني، متناسين أنه من البيرو! وهي المسألة التي يركز عليها جورج سمبران على أية حال في تلك المقدمة التي كتبها أصلاً لتركز على الأشعار “الإسبانية” التي ضمتها مجموعتاه “قصائد إنسانية” و”إسبانيا ابعدي عني هذه الكأس” اللتان أشرنا إليهما أول هذا الكلام، وساهمتا معاً، ودائماً بحسب جورج سمبران في إبراز هويته المزدوجة: الإسبانية من جهة، والفرنسية من جهة أخرى.
غير أن الأهم من ذلك هو تلك الهوية الإنسانية الأممية التي تنضح من خلال أشعار المجموعتين، حيث يتحول الألم والمعاناة من ألم شخصي إلى معاناة جماعية، ويصبح الإنسان المقهور، بهوية أو من دون هوية، مركز اللغة الشعرية.
كما أشرنا أعلاه، توفي باييخو، كما تنبأ في باريس ولم يكن قد بلغ الـ46 بعد، ومع ذلك ترك، كما يؤكد جورج سمبران مراراً وتكراراً في مقدمته، أثرا كبيراً في الشعر الحديث. هو الذي كتب “لعل فرادته الأساسية تكمن في أنه لم يجعل الشعر مجرد أداة لوصف الألم، بل جعل اللغة نفسها تتكسر وتتلعثم وكأنها تتألم مع الإنسان الذي تعبر عنه”. ولهذا يرى كثر على أية حال، أن سيزار باييخو يجب أن يعد واحداً من أكبر الشعراء الإسبان والأميركيين اللاتينيين جرأة وقوة، ناهيك بكونه من أكثر “شعراء باريس ما قبل الحرب العالمية الثانية” حداثة وتعاملاً فعالاً مع اللغة.
