تعيش مدن وبلدات فرنسية عديدة، منذ منتصف الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، ولا سيما العاصمة باريس وضواحيها، على وقع احتجاجات طلابية واسعة، تحولت معها المدارس في عدة ضواحي باريسية ومناطق أخرى إلى ساحات للتعبير عن الغضب والاستياء، بعدما خرج طلابها للمطالبة بتحسين ظروف التعليم، وتوفير التجهيزات اللازمة، ومعالجة نقص المدرّسين، واكتظاظ الصفوف، وتدهور الأبنية المدرسية، إضافة إلى إنهاء ما يعدّونه تفاوتاً في الإمكانات والفرص التعليمية بين مدارس الضواحي ونظيراتها في العاصمة الفرنسية.
لم يعد المشهد مقتصراً على تحركات مطلبية احتجاجاً على تراجع الإنفاق على التعليم، بل تحول تدريجياً إلى مواجهة سياسية واجتماعية تتجاوز أسوار المدارس وساحاتها، خاصة وأن طلاب المدارس الثانوية لم يعودوا وحدهم في ساحات الاحتجاج، بل انضم إليهم طلاب جامعيون ومدرّسون وأولياء أمور ونقابيون، الأمر الذي أظهر قدرة الحراك الاحتجاجي على تجاوز دائرته الأولى، والتحول إلى حركة أوسع تعكس حالة من الاستياء والغضب الاجتماعي.
باتت العلاقة بين الحكومة الفرنسية والشباب المحتجين تواجه اختباراً جديداً، خصوصاً مع اتساع رقعة المظاهرات وانتقالها من المدارس الثانوية إلى الجامعات والشوارع والساحات العامة، وبروز تساؤلات بشأن الحقوق المدنية للمحتجين، ومدى استعداد الحكومة الفرنسية للإصغاء إلى أصواتهم والاستجابة لمطالبهم، حيث تحمل المطالب الطلابية، في طياتها، احتجاجاً على التفاوت في توزيع الموارد العامة، وتعكس شعور قطاعات من جيل الشباب بأن الدولة الفرنسية تطالبهم بالالتزام بقواعدها ومؤسساتها، لكنها، في المقابل، لا توفر لهم دائماً فرصاً متكافئة لبناء مستقبلهم.
لافت أن مشاهد المواجهات العنيفة والإصابات والاعتقالات طغت على المطالب التعليمية نفسها، وأثارت انتقادات حقوقية بشأن استخدام القوة في مواجهة المتظاهرين، حيث حذرت منظمة العفو الدولية من الاستخدام غير الضروري وغير المتناسب للقوة، وطالبت السلطات الفرنسية بحماية حق الطلاب في التجمع السلمي. كما أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه من بعض الوقائع المرتبطة بالاحتجاجات، مؤكداً ضرورة احترام الحق في التظاهر السلمي للمحتجين.
يتعلق السؤال الأبرز هنا بحدود استخدام الأجهزة الأمنية القوة، والأسباب التي تدفع الشرطة الفرنسية إلى اللجوء إلى العنف في مواجهة احتجاجات طلابية يشارك فيها قاصرون كثيرون، وما إذا كانت هذه المقاربة الأمنية ستسهم في احتواء الحراك الاحتجاجي أم ستفضي إلى اتساعه وتعميق أزمة الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة، فالحراك الذي بدأ دفاعاً عن الحق في التعليم قد يتحول، في مواجهة التدخلات الأمنية العنيفة، إلى حركة تدافع عن الحق في الاحتجاج نفسه.
طبعاً، لا يمكن الاكتفاء بالمبررات الرسمية التي تقدمها الحكومة الفرنسية لتسويغ التدخلات الأمنية، وفي مقدمتها اضطلاع الشرطة بمهمة حماية الأشخاص والممتلكات وإعادة فتح المؤسسات التعليمية والطرق، خصوصاً في ظل الاتهامات بتجاوز الحدود القانونية لاستخدام القوة في بعض المواجهات. ولا تكفي الاعتبارات السياسية والمؤسسية التي تسوقها السلطات لتبرير أي استخدام غير متناسب للقوة، ذلك أن المبدأ الأساسي الذي ينبغي أن يحكم تدخل الأجهزة الأمنية في مواجهة الاحتجاجات، في دولة ديمقراطية، أن يكون استخدام القوة ضرورياً ومتناسباً مع حجم الخطر، وأن يقتصر على الحد الأدنى اللازم. وعليه، لا يمنح وقوع أعمال عنف من بعض المشاركين الشرطة مسوغاً لمعاقبة جميع المتظاهرين، ولا يجيز لها التعامل مع الحراك الاحتجاجي الطلابي برمته بوصفه تهديداً أمنياً يستدعي القمع، بدلاً من النظر إليه باعتباره تعبيراً عن مطالب اجتماعية وحقوق مشروعة.
لا تنفصل مسألة التدخل الأمني العنيف في مواجهة الحراك الطلابي الراهن عن تاريخ تعامل السلطات الفرنسية مع الحركات الاحتجاجية، بدءاً من احتجاجات الطلاب والعمّال في مايو/ أيار 1968، مروراً باحتجاجات “السترات الصفراء”، وصولاً إلى المظاهرات المعارضة لإصلاح نظام التقاعد. فقد أثارت أساليب تدخل الشرطة خلال محطات مختلفة من هذا التاريخ نقاشات واسعة حول العلاقة بين حفظ النظام العام وصون الحريات، وحول مدى تأثير المصالح الاقتصادية والسياسية في خيارات الحكومات المتعاقبة. ويرى فرنسيون كثيرون أن سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون الاقتصادية تخدم أغنياء فرنسا الكبار، الذين يصفونهم بـ “مصّاصي دماء” الطبقات العاملة الفرنسية والفئات الاجتماعية الضعيفة.
يبدو أن أولوية المؤسسة الأمنية الفرنسية باتت تتمحور حول التعامل مع المظاهرات الاحتجاجية من زاوية السيطرة الميدانية ومنع الاضطراب، تحت ذريعة الحفاظ على النظام العام في فرنسا؛ فلم تعد تكترث بتعبيراتها الاجتماعية والسياسية التي تحتاج إلى الحوار بغية الوصول إلى الحلول. ويفسّر هذا التعامل تغيراً في كيفية إدارة الاحتجاجات، عبر الانتقال من قبول مستوى معين من الاحتجاجات مع أجل تفادي تصعيد المواجهة معها، إلى التركيز بشكل مباشر على منعها أو إنهائها بشكل سريع، الأمر الذي يفسر التدخل المبكر لأجهزة الأمن واستخدامها القوة.
لا تقتصر إرهاصات طريقة التعامل الأمني المتشدد على المحتجين من جيل الشباب على اللحظة الاحتجاجية، بل قد تسهم في تشكيل تصوراته المستقبلية عن الجمهورية والديمقراطية والمواطنة والحقوق والحرّيات العامة. ذلك أن التعليم العام في فرنسا لا يعني مجرد خدمة تقدمها الدولة، بل يشكل ركناً أساسياً من النموذج الجمهوري القائم على المساواة في الفرص بين المواطنين، ويوفر إمكانية الارتقاء الاجتماعي، لذا، فإن تدهور الظروف التعليمية يثير مخاوف تتجاوز العملية التعليمة وبناها التحتية، ليطرح أسئلة عن قدرة الجمهورية الفرنسية على الوفاء بوعد المساواة بين المواطنين.
لم تعد الرأسمالية الفرنسية، في نسختها النيوليبرالية المتوحشة، تراعي وعود الجمهورية وقيمها
لم تعد الرأسمالية الفرنسية، في نسختها النيوليبرالية المتوحشة، تراعي وعود الجمهورية وقيمها، وبات لا يعنيها أن تتحول الفوارق التعليمية إلى فوارق اجتماعية واقتصادية يصعب تجاوزها، كونها تصيب سكان الضواحي والمناطق المهمشة والمقصية، حيث تتداخل المشكلات التعليمية مع البطالة وصعوبات الاندماج الاجتماعي والشعور بالتهميش.
الحاصل أن احتجاجات الطلبة في فرنسا تطرح مجدّداً سؤالاً يتعدى السياسات التعليمية إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع في الأنظمة الديمقراطية، لأن الديمقراطية لا تُختزل في الانتخابات وتداول السلطة، بل تتضمن أيضاً ضمان الحريات العامة، وحماية الحق في التظاهر والاحتجاج، وإخضاع الأجهزة الأمنية للمساءلة، وتمكين المواطنين من التأثير في السياسات التي تمس حياتهم، وبالتالي، فإن قدرة الدولة على حفظ النظام العام لا تنفصل عن التزامها بضبط استخدام القوة واحترام الحقوق الأساسية.