السليمانية (كردستان العراق) – أعلنت إدارة مطار “جلال طالباني” الدولي في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق، السبت، عن استئناف الخطوط الجوية التركية لرحلاتها الجوية المباشرة بين إسطنبول والسليمانية، وذلك اعتبارا من 25 أكتوبر 2026.
وجاء هذا الإعلان عقب تلقي إدارة المطار جدولا رسميا من شركة الطيران التركية، حيث ذكرت إدارة المطار، في بيان أن “الجدول المرسل من قبل الخطوط الجوية التركية إلى مطار جلال طالباني الدولي، يتضمن استئناف الرحلات الجوية اعتباراً من 25 أكتوبر المقبل”.
وأضافت أن الرحلات ستُسيّر بواقع أربع رحلات أسبوعياً على خط (إسطنبول – السليمانية – إسطنبول).
حمل قرار تركيا برفع الحظر الذي تفرضه منذ أبريل 2023 على مطار السليمانية —معقل الاتحاد الوطني الكردستاني، ثاني أكبر أحزاب إقليم كردستان العراق— بوادر انفراجة سياسية كبرى.
وكانت أنقرة قد فرضت الحظر كإجراء عقابي مشدد على خلفية اتهامات متكررة لقيادة الاتحاد باحتضان عناصر حزب العمال الكردستاني ومساعدتهم على خوض الصراع المسلح ضد القوات التركية.
وظلت أنقرة لسنوات طويلة توجّه اتهامات مباشرة لقيادة الاتحاد باحتضان هؤلاء المقاتلين في مناطق نفوذها بالإقليم، وذلك في مقابل إقامتها علاقات متينة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني واعتمادها بشكل كبير على تعاونه في تعقّب عناصر حزب العمال ومحاصرتهم في المناطق الوعرة بإقليم كردستان العراق، مما خلق حالة من الاستقطاب السياسي الحاد داخل الإقليم انعكست سلبا على حركة النقل الجوي والسيادة الاقتصادية للسليمانية.
لكن تطورات دراماتيكية في ملف حزب العمال، تمثلت في قبول قيادته إلقاء السلاح وحل الحزب والشروع في مسار سلام مع تركيا، غيرت المشهد بشكل جذري، فقد لعبت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني دورا كبيرا في إطلاق هذا المسار، بينما تعاون الاتحاد الوطني بقيادة بافل طالباني بشأنه، مما مثّل بوادر حسن نية لبدء عهد جديد من العلاقة مع أنقرة لاحت بوادره في قرار رفع الحظر عن المطار.
ولم يغب حزب بارزاني عن خلفية القرار التركي، حيث جاء كإحدى نتائج زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، القيادي في الحزب الديمقراطي نيجيرفان بارزاني، إلى تركيا ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان.
وأقر الاتحاد الوطني بدور نيجيرفان بارزاني في إنهاء الحظر؛ حيث أشاد المتحدث باسم الاتحاد، كاروان كزنيي، بجهود رئيس الإقليم معربا عن سعادته بإنهاء الحظر، ومشيرا إلى “الجهود الدبلوماسية لبافل طالباني في إنجاح عملية السلام وجعل السليمانية منصة لتطبيق العملية على أرض الواقع”، ومؤكدا أن الاتحاد يسعى جاهدا لترسيخ السلام في الإقليم والعراق.
كما وجّه محافظ السليمانية، هفال أبوبكر، الشكر لرئيس الإقليم، مؤكدا أن قرار رفع الحظر جاء بفضل “دعم جميع الجهود السابقة ومطالبة حثيثة من الرئيس نيجيرفان بارزاني”.
لا يعكس إنهاء حظر مطار السليمانية فقط تبريدا للخلافات الثنائية، بل يترجم تحولا استراتيجيا نحو إدماج كافة قوى الإقليم في هندسة مسار السلام الشامل مع حزب العمال الكردستاني، وتأمين الممرّات الاقتصادية لتركيا في عمق العراق
وتمثل هذه الخطوة تحولا جذريا في استراتيجية تركيا الإقليمية. فبدل سياسة الإقصاء والعقاب الجوي التي استمرت أعواما، نجحت الدبلوماسية المشتركة بقيادة أربيل وانخراط السليمانية في صياغة مقاربة جديدة ترتكز على إنجاح مسار السلام ونزع فتيل التوترات الأمنية.
يشير القرار إلى نجاح التفاهمات المشتركة في تبديد الهواجس الأمنية التركية عبر انخراط السليمانية في دعم مسار السلام وضمان عدم استخدام أراضيها ضد الأمن القومي التركي.
يمثل المطار شريانا حيويا للاقتصاد المحلي والسياحي والتجاري في الإقليم، كما يتقاطع مع طموحات تركيا في ربط مشاريع البنية التحتية الكبرى (مثل طريق التنمية) بكافة مناطق العراق وكردستان.
أثبت هذا المسار قدرة أربيل والسليمانية على تنسيق المواقف تحت مظلة المصالح العليا للإقليم، مانحا إياه دورا محوريا في استقرار الحدود الشمالية للعراق.
تؤكد خطوة استئناف رحلات الخطوط الجوية التركية إلى مطار “جلال طالباني” الدولي أن لغة المصالح والتفاهمات الأمنية باتت تتقدم على خيارات القطيعة.
ويبقى نجاح واستدامة هذا القرار مرهونا بمدى التزام الأطراف بتنفيذ تفاهمات مسار السلام المشترك، ودؤوب الجهود الدبلوماسية لمنع تجدد الأزمات التي تهدد الاستقرار الإقليمي وحرية الحركة في إقليم كردستان العراق.