ملخص
مع الزمن، ستقل أهمية المضيق تدريجاً، ليس فقط بفضل جهود دول الخليج لإيجاد بدائل، بل بسبب تنويع مصادر الطاقة عالمياً. هذا ليس في مصلحة إيران، لكنه في النهاية يصب في مصلحة الولايات المتحدة.
في التراث العربي، يعد الغول كائناً أسطورياً مرعباً يتخذ صوراً متعددة ليخدع الناس ويفتك بهم. يستخدم في القصص الشعبية لإثارة الرعب، ويرمز إلى الخطر المخفي الذي يظهر فجأة ويصعب التخلص منه.
سيخلد التاريخ اسمي دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو كـ”آباء غول لا يُقتل”، وهو شبح إغلاق مضيق هرمز. مهما عقدت الاتفاقات، سواء أميركية – إيرانية أو إقليمية أو دولية، فإن هذا الشبح سيبقى قائماً، وسيظهر من وقت لآخر، وبصور شتى.
كما يقول المثل: “كل ما ضرب الكوز بالجرة”، يعود هرمز إلى الواجهة. أي شخص يمكنه إيقاظ هذا الغول!
وما لا يدركه كثيرون أن إعادة هرمز إلى الصدارة لا يتطلب هجوماً إيرانياً كبيراً على السفن، ولا ضربة أميركية واسعة. يكفي:
جندي إيراني غاضب
ميليشيات أو مجموعة مسلحة تريد لفت الأنظار.
منشور واحد من شخص مؤثر.
تقرير صحافي من كاتب قريب من القيادة الإسرائيلية (حتى لو كان غير دقيق).
خطاب انتخابي لسياسي أميركي أو أوروبي.
بل يمكن لمشهور على وسائل التواصل، بالتعاون مع صندوق استثماري، أن ينشر خبراً كاذباً عن هجوم على ناقلة نفط، فيرفع الأسعار ويحقق أرباحاً هائلة. وفي أحيان كثيرة، لا حاجة حتى للكذب: مجرد توقف سفينة لأسباب فنية، مع إثارة تساؤلات “هل تعرضت لهجوم؟”، يكفي لإثارة الذعر ورفع الأسعار، ولو لساعات قليلة.
هكذا أصبح غول هرمز جزءاً أساساً من تقلبات أسواق النفط لعقود مقبلة. هو الكائن الأسطوري الذي يظهر بصور مختلفة ويخيف المتعاملين، ويرفع تكاليف التأمين والشحن.
غول آخر… النووي الإيراني
إلى جانب غول هرمز، يوجد غول آخر عمره نحو ثلاثة عقود: البرنامج النووي الإيراني. المسألة هنا لا تتعلق بما إذا كان النظام الإيراني يسعى فعلاً إلى بناء قنبلة نووية أم لا، بل بأن هذا الملف أصبح أزمة لا تنتهي.
حتى لو جرى التوصل إلى اتفاق شامل ينهي البرنامج علناً ويسلم اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة، فإن الشكوك ستبقى. سيظهر سيناتور أميركي يتحدث عن “برنامج سري”، أو رئيس وزراء إسرائيلي يحذر من “قنبلة وشيكة”. هكذا يعيش الغول النووي أيضاً، ويظل يلقي بظلاله على أسواق الطاقة.
منذ أكثر من 17 عاماً كتبت مقالاً عنوان: البرنامج النووي الإيراني، الأزمة التي لا تنتهي. هذه النتيجة ثبتت صحتها في الماضي، وهي فرضية المستقبل.
مشكلة البدائل… والحل السياسي
تحدثت سابقاً عن بدائل هرمز. الأفكار المطروحة حالياً (أنابيب وقنوات) عمرها 45 سنة أو أكثر، ولا جديد يُذكر. كانت هذه الحلول مجدية في الماضي، لكن التقنية تغيرت. تجارب الحروب الحديثة (أوكرانيا وإيران نموذجاً) أثبتت أن الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة يمكنها استهداف أي أنبوب أو محطة ضخ أو أي منشأة نفطية بسهولة. لذا فقدت الأنابيب قيمتها الأمنية السابقة. أما بناء أنابيب عبر سوريا أو الأردن أو إسرائيل فهو غير منطقي، لأن الأسواق الرئيسة في الشرق، وليست في الغرب. أي أنابيب مستقبلية يجب أن تُبنى أولاً على جدواها الاقتصادية. الفوائد الأمنية تأتي كمكمل، لا كأساس. مثال ذلك، الأنبوب الثاني الذي تبنيه الإمارات من أبوظبي إلى الفجيرة، فهو مربح اقتصادياً حتى من دون أزمة في هرمز.
أمنياً، لا بديل حقيقياً لهرمز حالياً. لذا يبقى الحل السياسي هو الخيار الأوحد، سواء فرضته الحرب أو الدبلوماسية. مع الزمن، ستقل أهمية المضيق تدريجاً، ليس فقط بفضل جهود دول الخليج لإيجاد بدائل، بل بسبب تنويع مصادر الطاقة عالمياً. هذا ليس في مصلحة إيران، لكنه في النهاية يصب في مصلحة الولايات المتحدة. وهذه هي المشكلة الحقيقية: من له المصلحة الكبرى في إغلاق مضيق هرمز وتضاؤل دوره مع الزمن، من الخاسر الأكبر من ارتفاع تكاليف كل ما يصدر عبر هرمز، بما في ذلك النفط والغاز والهليوم والميثانول والأسمدة والألمنيوم؟
التخزين… الرد المباشر على هرمز
هناك نتائج كثيرة لأزمة هرمز في كل المجالات وعلى كل الأصعدة. في مجال الطاقة، أهم وأسرع رد فعل على هرمز هو “التخزين” الاستراتيجي للنفط والغاز في أغلب الدول، وهذا سيأخذ أشكالاً مختلفة.
– أغلب الدول ستقوم ببناء خزين استراتيجي أو تجاري لتلافي آثار إغلاق هرمز أو أي انقطاع في الإمدادات مستقبلاً.
– ستقوم بيوت التجارة العالمية بتوسيع قدرتها التخزينية لأنها تحقق أرباحاً هائلة من ذلك، بخاصة أن أزمة هرمز لن تنتهي.
– ستقوم دول الخليج بما في ذلك العراق بإجراء اتفاقات مع الدول المستهلكة لإنشاء مخزون استراتيجي دائم فيها.
هذا يعني أنه سيكون هناك طلب إضافي على النفط خلال العامين أو الثلاثة القادمين بسبب هذا التخزين، وهذا سيدعم الأسعار. هذا يعني أن أثر أي إغلاق مستقبلي للمضيق أو حتى أخبار كاذبة عن إغلاقه سيكون أقل بكثير مما حصل خلال مارس (آذار) الماضي.
