تسنّى للعالم طوال 40 يوماً من أحداث كأس العالم لكرة القدم أن يشغل نفسه بصنف غريب من السياسة، ذلك الذي لا علاقة له بالسياسة الحقيقية بما هي تمثيل مصالح فئات ودول وموازين قوى وتحالفات وأحزاب وبحث دائم عن أدوات سلمية لإدارة بلدان وعلاقات دولية وتداول على السلطة وحكم باسم أغلبية من دون تشفٍّ بأقلية. كان منطقياً أن يجد سكان دول لا سياسة فيها في أحداث المونديال مناسبة لانخراط في شأن عام هم محرومون من التعبير عنه وإبداء رأي به في بلدانهم. يُفهَم في هذا السياق حماس مصريين حيال ما رأوا فيه ظلماً لحق بهم عندما أقصتهم الأرجنتين. صار رفع مدرب المنتخب حسام حسن علم فلسطين وكلامه الإنساني عن غزّة بالنسبة إلى هؤلاء رداً على إبادة غزّة، وعلى حمْل مشجع أو مشجعة من جمهور الأرجنتين راية إسرائيلية في المدرّجات، وبمثابة موقف من رئيس أرجنتيني يميني متطرّف ينافس بنيامين نتنياهو في صهيونيته. فجأة صار ليونيل ميسّي مرذولاً لأن فريقه غلب منتخب مصر وبات النكش في الأرشيف بما هو صحيح وما هو مفبرك وأخبار كاذبة، مهمة قومية، إلى درجة نشر صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية في العاشر من يوليو/ تموز الحالي تقريراً بعنوان “هل ليونيل ميسّي صهيوني؟” لتتبع ما هو حقيقي وما هو كاذب في ما رُمي على السوشال ميديا والإعلام التقليدي ضد اللاعب.
ضاع الكلام عن الكرة في الهامش، وصارت المظلومية السياسية ــ الكروية المتن الذي يرسّخ موقعه رأيٌ عام مصري لديه ما يقوله عن فساد الاتحاد الدولي للعبة (الفيفا) ورئيسها جياني إنفانتينو وطريقة اختيار حكّام المباريات وحسابات يقولون إنها أقرب إلى المؤامرة أنهت مسيرة منتخبهم في دور الـ16. بالنسبة إلى مصريين كثر، أمست المجاهرة بفم ملآن بما وجدوا فيه خطّة محكمة لإخراجهم من البطولة، عين السياسة التي حُرموا منها في بلدهم. وأغلب الظنّ أن التساهل المصري الرسمي مع التعبير عن هذه المشاعر وإفساح المجال واسعاً أمام هذه النقاشات كان مقصوداً، فهو يريح السلطة من أوجاع رأس كثيرة ويعفيها من مساءلة عن كوارث اقتصادية وقتْل السياسة وجعْل الاعتقالات اليومية لحقوقيين ومعارضين رياضة صباحية يسمع عنها المصريون مثلما يتابعون أحوال الطقس بلا قدرة على إظهار أي ردة فعل. وليست تلك العادة غريبة عن أنظمة تسلطية تتيح سيلاً من الحديث والانتقادات عن الرياضة والموسيقى وفنون مجرّدة أخرى يستحيل تسييسها، في مقابل إخراس استباقي لأي نيّة بنقاش قد يتحوّل يوماً ما إلى المسّ بالشأن العام وبخيارات سياسية.
لكن أن يسيّس مواطنو دول تُمنع فيها السياسة أحداثاً غير سياسية في الأصل، شيء، وأن يصبح المونديال برمّته حدثاً سياسياً بديلاً عن ضائع بالنسبة إلى معظم شعوب العالم، حتى حيث هناك الكثير من المشاركة السياسية، شيء آخر. فأمام قاتل متسلسل للسياسة مثل دونالد ترامب، أفسد الرياضة أيضاً بالطريقة التي تدخّل فيها لإلغاء مفعول طرد لاعب أميركي، صار تشجيع المنتخبات يتم تحديده بناء على ما لا علاقة له بالأداء والعواطف ومستوى اللعب أو تفضيلات اللاعبين، بل على أساس ربط منتخب بلد برئيس الدولة، أو باعتماد النكاية بترامب وإسرائيل معياراً، ووفاء لمبادئ عجيبة من نوع عدو عدوي صديقي.
التشجيع الرياضي اعتماداً على المعيار السياسي حصراً من علامات أزمة السياسة والديمقراطية في الكوكب، حتى في البلدان الليبرالية أو التي فيها سياسة بالحد الأدنى المقبول وتداول على السلطة ونقاش حر وتعبير ديمقراطي، مع تراجع للقدرة على التأثير عبر الديمقراطية. لم تكن المناسبات الرياضية الكبرى يوماً بعيدة عن السياسة، كحال الألعاب الأولمبية وكأس العالم، ولكن بما لا يقارن مع ما شاهدناه في الأيام الأربعين لمونديال 2026. ولا شيء صحياً في ذلك، فلا السياسة والثقافة الديمقراطية وفلسطين تنتصر مع خسارة الأرجنتين أو أي فريق آخر وفوز إسبانيا أو غيرها، ولا إسرائيل تخسر ومعها ترامب.