
تتعرض الدكتورة فداء الحوراني لحملة تشهيرية ظالمة ذات طابع غوغائي مشين، حيث يجري اتهامها بأنها تسعى لإحياء نهج سياسي يرتبط باسم والدها الراحل، السياسي السوري المعروف أكرم الحوراني، وتستخدم لقاءاتها السياسية لـ”إعادة بناء شبكات سياسية قديمة”، وبأن ما تفعله يفضي إلى “إعادة تدوير الإرث السياسي القديم، إرث البعث والتحزب والانقسام، الذي لم يجلب لسوريا سوى الاستبداد والخراب”.
وترافق ذلك مع منع ندوة سياسية كانت الحوراني قد دعيت إليها في “المركز الثقافي” لمدينة سلمية، ولم يشفع لها أنها إحدى القامات الوطنية المعروفة في سوريا، ومشهود لها بإسهاماتها النضالية والانسانية. فخطابها السياسي يحمل، كعادتها ودأبها، طابعًا وطنيًا عامًا، ويتسم بالمرونة والاعتدال بعيدًا من أية رؤية أحادية، أو أية نزعة اجتماعية أو سياسية تقسيمية. فهي على سبيل المثال لا الحصر، تدعو السوريين كافة من مختلف المشارب والأطياف السياسية والإيديولوجية إلى التعرّف على بعضهم البعض، والحوار فيما بينهم للاتفاق على قواسم مشتركة لإنجاح المرحلة الانتقالية، والتمهيد لبناء تحالف عريض يؤمن بالديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
وكانت السلطة الأسدية قد أقدمت على اعتقالها مع ثلة من قيادات تحالف “إعلان دمشق”، في أواخر العام 2007، وحكمت عليها وعلى كل منهم بالسجن سنتين ونصف السنة، بتهمة “اضعاف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة”، وهي تهمة شائعة وكانت محل تندر في سوريا، إذ يجري إلصاقها بأي صوت معارض كذريعة لإسكاته ووضعه في السجن. وبعد اندلاع الثورة في العام 2011، أعلنت الحوراني مبكرًا انحيازها لها، وسخرت المشفى الذي تملكه في حماة لعلاج المصابين في المظاهرات السلمية؛ سواء من المدينة ذاتها، أم من المناطق القريبة منها كالحولة والرستن وتلبيسة.
وللمصادفة والمفارقة اللافتة، فقد تزامن الهجوم على الحوراني مع مظاهرة، (31/7/2026)، جابت بعض شوارع مدينة حماة، (لا نعرف إن كانت قد حصلت على ترخيص مسبق أم لا؟)، وغاب عنها العلم السوري ورفعت مكانه رايات بيضاء وسوداء، وضمّت مئات المتشددين الذين رددوا هتافات وشعارات تتضمن تحريضًا وتهديدًا لبعض المكونات السورية، ودعوات لإضفاء صبغة من لون واحد على المجتمع الحموي، والسوري بصفة عامة، على الرغم من مدينية ومدنية هذا المجتمع، وتعدده وتنوع انتماءاته وتطلعاته، وذلك في وقت يتصدر فيه المشهد، في العديد من المدن السورية، شخصيات متشددة وإقصائية بتاريخ حافل من التجييش والانتهاكات على خلفية طائفية، كما تتفشى ظاهرة السلاح المنفلت وحوادث القتل والخطف الكثيرة، في ظل غياب الردع الأمني المطلوب، والتعامل بالجدية اللازمة في مواجهة هذه الظاهرة ومحاولة وضع حد لها.
إرث الماضي الملتبس
ولفهم شخصية أكرم الحوراني وإرثه السياسي، نحتاج أولًا إلى فهم الواقع السياسي والسياق التاريخي اللذين حكما مواقفه، وإدراك كافة الملابسات المحلية والإقليمية التي كانت تحيط بهما؛ وأولها الآثار الكبيرة التي خلفتها النكبة الفلسطينية في الوجدان العربي الجمعي، وخصوصًا في البلدان المحيطة بفلسطين (دول الطوق)، وفي مقدّمها صعود الحركة القومية العربية في هذه البلدان. يضاف إلى ذلك الحضور القوي للمسألة الفلاحية في الواقع الاجتماعي والسياسي السوري. فالحوراني كان بالفعل إحدى الشخصيات الأساسية في نشوء الحركة البعثية وتوسّع قاعدتها الشعبية، وذلك بفضل اندماج حزبه “العربي الاشتراكي” (ذي القاعدة الاجتماعية الواسعة بين الفلاحين والفئات الفقيرة في مدينة حماة وريفها)، في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، مع حزب البعث بنخبه المدينية ذات الانتماء البورجوازي الصغير عامة، (ومنها ميشيل عفلق وصلاح البيطار)، مما وفر للحزب قاعدة جماهيرية أكبر، (وخصوصًا بين الفلاحين).
وبهذا المعنى فإنه يمكن القول إن الحوراني ساهم في خلق حاضنة سياسية واجتماعية استفاد منها “البعث” في الوصول إلى السلطة سنة 1963، وحافظ الأسد لاحقًا سنة 1970، لكن هذا لا يعني في أي حال أنه هو الذي أوصل الأسد إلى الحكم، لأنه منذ عام 1962 كان الحوراني خارج حزب البعث، وخارج السلطة والبلاد عمومًا، وبالتالي لم يكن له أية مسؤولية مباشرة؛ لا في انقلاب 8 آذار 1963، (الذي كان أساسًا من تدبير اللجنة العسكرية، ومن أبرز ضباطها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد)، ولا في الانقلابات اللاحقة التي أوصلت الأسد إلى سدة السلطة. ويجدر بالذكر هنا أنه منذ عام 1963، وخصوصًا بعد انقلاب 23 شباط/ فبراير 1966، بدأ العسكريون بإقصاء القيادات السياسية المؤسسة للحزب، ومنهم الحوراني والبيطار وعفلق وغيرهم. وهكذا أصبح الحوراني لاحقًا من خصوم البعث، ومن خصوم الأسد حتى قبل وصول الأخير إلى السلطة، هذا فضلًا عن مراجعات سياسية وفكرية أجراها في السنوات الأخيرة من حياته، وتضمنها كتابه الضخم “مذكرات أكرم الحوراني”.
الخصومة مع “الإسلاميين”
وفي الحدود السابقة، يبدو من المستغرب تمامًا الهجوم الذي تتعرض له ابنة الحوراني، بحجة أنّ أبيها هو المسؤول عن إيصال البعث والأسد إلى السلطة. ولعلّ الأمر يتصل بشيء آخر، وهو الخصومة التي نشأت بين الحوراني و”الإسلاميين” في مدينة حماة، والتي يعود جذرها إلى أن قاعدة حزبه الاجتماعية والسياسية لم تكن سنية فقط؛ بل اعتمدت كذلك على فلاحي الريف الحموي الذين ينتمون إلى مكونات أخرى؛ علوية ومسيحية وإسماعيلية، استفادت من الإصلاح الزراعي، في حين كان المتضرر الأكبر جراء ذلك هم كبار ملاك الأراضي، والنخب المحافظة التقليدية في المدينة، و”الإسلاميين” المتحالفين معهم. وقد استطاع الحوراني تحدي هذه “النخب” جميعها وسط صراع كان يكتسي أبعادًا طبقية وسياسية وأيديولوجية، وليس دينية أو طائفية، كحالنا اليوم.
فعلى خلفية ميوله القومية والاشتراكية ودوره في إنجاز الإصلاح الزراعي، وتداخل الصراع الطبقي مع الصراع الأيديولوجي آنئذٍ، وتهديده للبنى الاجتماعية والثقافية التقليدية، حصلت مواجهات سياسية وفكرية بين الحوراني والإخوان المسلمين خلال الخمسينات والنصف الأول من الستينات، حتى غدا من أبرز خصومهم في تلك الآونة، وذلك بسبب ارتباطهم بالنخبة التجارية والدينية المحافظة والتقليدية في المدينة.
ومع ذلك، فإن هذه الخصومة بين الطرفين بقيت في حدود الصراع السياسي والفكري، ولم تأخذ بعدًا عسكريًا أو عنفيًا، أي أن الحوراني لا يتحمل أية مسؤولية عن اضطهاد الإسلاميين الذي وقع فيما بعد، في عهد حافظ الأسد، وليس أدل على ذلك من تحوله اللاحق إلى خصم للبعث نفسه وللسلطة الأسدية، وانضمامه في الثمانينيات إلى تحالف معارض لحكم الأسد ضم الإخوان المسلمين.
هذا يعزز من وجه استغرابنا المتصل بالهجوم على ابنة الحوراني، فهل يكون هذا الأمر لا يتصل بماضي أبيها، بقدر ما يتصل بكونها أحد رموز ودعاة التيار الوطني المدني العقلاني في الساحة السورية حاليًا، وهو ما يثير قلق بعض الإسلاميين وأصحاب السلطة الجديدة، ويدفعهم للتشهير بها والهجوم عليها، وإن يكن من خلال سيوف الماضي الصدئة التي استخدمت ذات يوم ضد والدها!