الرجل الصغير بطلًا للتراجيديا الحديثة
إذا كان بوشكين قد فتح الباب أمام حضور الإنسان الهامشي في الأدب الروسي، فإنّ نيكولاي غوغول هو الذي حوّل هذا الحضور إلى مشروع جمالي وفلسفي متكامل. فمنذ صدور “المعطف” (1842) لم يعد الرجل الصغير مجرد موظف يائس يستدر عطف القارئ، بل أصبح عدسة تكشف التصدّعات العميقة للمجتمع الروسي، وعلاقة الإنسان بالسلطة وباللغة وبالأشياء التي تمنحه شعورًا بالهوية. ولعل هذا ما يفسّر استمرار حضور المعطف في النقد الأدبي حتى اليوم، فالقصة لا تقرأ بوصفها وثيقة عن البيروقراطية القيصرية، وذلك لأنّها متعدّدة طبقات القراءة، من اجتماعية، إلى نفسية، ولسانية، ورمزية، ووجودية. اختار غوغول لبطله اسمًا يثير السخرية: “أكاكي أكاكيفيتش” قبل أن يظهر على مسرح الحدث القصصي، فمن الممكن قراءة الاسم نفسه بوصفه جزءًا من بناء شخصية تكاد تفتقد التفرّد، بل تدور في حلقة لغوية مغلقة، وليس عبثًا أن يكون أكاكي ناسخًا للوثائق. إنًه لا يكتب نصوصًا جديدة، ولا ينتج معرفة، هو يكرّر كلمات الآخرين حرفًا بعد حرف. لقد أصبحت حياته كلها فعل نسخ، حتى كأنّ وجوده الشخصي قد ذاب داخل اللغة البيروقراطية؛ هنا لا يعود النسخ وظيفة، وإنّما يتحوّل إلى استعارة كبرى للإنسان الذي فقد فرديته، إنّه يعيش ليكرّر ما يكتبه غيره. ولهذا فمأساة أكاكي لا تبدأ بسرقة المعطف، فإرهاصاتها سابقة لتلك الحادثة المفصلية في القصة؛ إنّها تبدأ يوم اختزلت الدولة الإنسان في وظيفة ورتبة.
إنّ المعطف ليس مجرد لباس يقي برد بطرسبرغ، بل هو أول شيء يمنح أكاكي شعورًا بالمعنى. فقبل المعطف كان غير مرئي يمرّ به زملاؤه، فلا يلتفتون إليه، ويسخرون من هيئته، ويقذفون إليه الأوراق لينسخها، غير مكترثين به. أمّا بعد شراء المعطف، فإنّ الجميع يلاحظ وجوده فجأة، ويدعونه إلى حفلة، ويعاملونه بوصفه إنسانًا يستحق الاحترام، فالمجتمع هنا لا يعترف بالفرد لذاته، بل بما يمتلكه، حيث يصبح الشيء وسيطًا للاعتراف الاجتماعي، ويغدو المعطف هوية جديدة.
وهكذا يطرح غوغول سؤالًا يتجاوز عصره: هل الإنسان هو الذي يمنح الأشياء قيمتها، أم أنّ الأشياء أصبحت تمنح الإنسان قيمته؟ تصور البيروقراطية في كثير من القراءات على أنّها جهاز إداري قاس، لكن غوغول يقدّمها بصورة أكثر تعقيدًا، فالسلطة لا تظهر في النص من خلال العنف الجسدي، بل من خلال اللغة، فحين يذهب أكاكي إلى الشخصية الهامة طالبًا المساعدة لا يتعرض للضرب، بل يجلد بخطاب سلطوي يذكّره بترتيبه الاجتماعي. إنّ الصراخ الذي يوجّهه المسؤول إليه لا يهدف إلى حل المشكلة، وإنّما إلى إعادة تثبيت التراتبية الإدارية التي خلخلها أكاكي بشكواه. في هذا المشهد لا تصبح اللغة وسيلة للتواصل، بل أداة لإنتاج الخضوع، وهذا ما يجعل الإهانة أشد قسوة من الفعل المادي نفسه. بعد موت أكاكي كان يمكن للقصة أن تنتهي بوصفها مأساة اجتماعية، لكن غوغول يفاجئ القارئ بتحوّلها إلى حكاية شبه أسطورية. يبدأ شبح الموظف الميت بالتجول في شوارع بطرسبرغ، وينتزع المعاطف من المارة، حتى يصل في النهاية إلى معطف الشخصية الهامة نفسها. لقد أراد غوغول أن يقول إنّ العدالة التي عجز الواقع عن تحقيقها لم تعد ممكنة إلا في فضاء التخييل، فحين تفشل العدالة في إنصاف الإنسان يتدخّل الأدب ليبتكر عدالة رمزية. إنّ الشبح ليس عودة الميت إلى الحياة، بل عودة الضمير الذي حاول الجميع دفنه مع صاحبه.
من الضحية إلى الوعي
| شخصيات دوستويفسكي تعرف أنّها مسحوقة وتفكّر في أسباب دمارها، وتحاكم نفسها والآخرين |
ورث دوستويفسكي شخصية الرجل الصغير من غوغول، لكنه لم يكرّرها. كان أكاكي ضحية لا تكاد تملك صوتًا داخليًا، أمّا شخصيات دوستويفسكي، فتعرف أنّها مسحوقة وتفكّر في أسباب دمارها، وتحاكم نفسها والآخرين. ففي رواية “الفقراء” لا يكتفي “ماكار ديفوشكين” بوصف بؤسه، بل يناقش صورته كما يرسمها الأدب نفسه، حتى أنّه يحتج على تصوير غوغول للرجل الصغير، لأنّه جعله عاريًا بلا قوة، ولكنّه مدح بوشكين، لأنّه ترك بعضًا من التعاطف والشفقة في قصته عن ناظر المحطة. وهنا يحقّق دوستويفسكي قفزة إيجابية بوضع الرجل الصغير، على خلاف الهروب من الواقع الذي رصده غوغول في “قصة مذكرات مجنون”، حيث يعجز أكسنتي بوبريشتشين عن احتمال الفارق بين موقعه الاجتماعي والصورة التي يريد أن يكونها، فينقلب الواقع نفسه داخل وعيه، ويتخيّل نفسه ملك إسبانيا، لينتهي به الأمر في المصحّة العقلية. مع دوستويفسكي أصبح الرجل الصغير قارئًا وناقدًا لا مجرد موضوع للشفقة. أمّا في “مذكرات من تحت الأرض” فإنّ النموذج يبلغ مرحلة جديدة، فالرجل الصغير لم يعد يطالب بالرحمة فقط، فهو أصبح يرفض العالم كله، ويشكك في العقل والتقدّم والأخلاق، لقد تحولت الهامشية إلى موقف فلسفي. أعطى دوستويفسكي للرجل الصغير موقفًا، حتى وإن كان رفضًا عدميًا لكل شيء، لكنه مهّد بهذه النظرة إلى المرحلة التي سيضعها تشيخوف تحت مبضع قلمه، حيث كشف عن المرحلة الأخطر حين تنتقل السلطة إلى داخل الانسان. ففي قصة “موت موظف” لا يقتل الجنرال الموظف الصغير “تشيرفياكوف”، بل يموت الرجل لأنّه لا يستطيع أن يتخلّص من خوفه، لقد أصبحت الرقابة ذاتية. وهذا التحول بالغ الأهمية لأنّ الاستبداد لم يعد يحتاج إلى عنف دائم، فهو أصبح يكتفي بأن يتعلّم الإنسان كيف يخاف. ولهذا تبدو قصص تشيخوف حديثة حتى اليوم لأنّها تصف الآليات النفسية للسلطة أكثر مما تصف ظاهرها الخارجي. تدور أحداث قصة تشيخوف عن موظف عطس، فأصاب رذاذ من لعابه رأس ورقبة الجنرال. يتقبّل الجنرال الاعتذار، لكن تشيرفياكوف لا يمكنه أن يصدق! فيلاحق الجنرال بالاعتذارات حتى يصرخ به الجنرال غاضبًا، فيموت من الخوف والقهر. تكمن خطورة القصة في أنّ العطس فعل لا إرادي لا يمكن التحكّم به. وهنا الخطورة في القصة، فالرجل الصغير لم يعد مسؤولًا عن أفعاله الإرادية فقط، بل امتدت المسؤولية إلى أفعاله اللا إرادية. لقد استوطنت السلطة عقله وقلبه، فلا ينجيه التخييل ولا الجنون، كما حدث عند غوغول. وفي قصة أخرى لتشيخوف نشرها عام 1883 وباسم مستعار “أ. تشيخونته” بعنوان: “السمين والنحيف”، يمكن اختصار فحوى القصة في أنّ السمين والنحيف أصدقاء طفولة وشباب يلتقيان، فيتذكران أيامهما، لكن حالة الفرح تنتهي ما إن يدرك النحيف بأنّ صديقه السمين مستشار سرّي، وهي رتبة رفيعة. لقد تغير التراتب الاجتماعي، فتحول الخِطَاب من مرح صديقين إلى علاقة سلطوية، مع أنّ السمين احتج على ذلك، لكن النحيف لا يستطيع، فالنظام التراتبي أقوى من إرادته، لأنّه لا ينظم العلاقات الخارجية فقط، وإنّما يعيد تشكيل إدراك الإنسان لمحيطه، ففي اللحظة التي يعرف فيها النحيف رتبة صديقه يعيد بناء العلاقة كلّها وفق السلّم الإداري.
الهيراركية البطرسية في كل مكان
| كان أكاكي في “المعطف” ضحية لا تكاد تملك صوتًا داخليًا لدى غوغول |
رأينا كيف خرجت ثيمة الرجل الصغير من نظام الرتب الاجتماعي الذي أوجده بطرس الأكبر في روسيا. ومع أنّ هذا النموذج لم يستنسخ في أوروبا والحضارة الغربية، عمومًا، إلا أنّ الأنظمة الرأسمالية السياسية والاقتصادية أوجدت ما يشبهه، وأكثر ما نراه مع كافكا، لكن من منظور آخر لثيمة الرجل الصغير. لقد تغيّر العالم كله، فلم تعد المشكلة في وجود مسؤول ظالم، أو نظام إداري جائر، بل في أنّ السلطة نفسها أصبحت مجهولة المصدر، كما في “المحاكمة”.
إنّ المجهولية التي يقصدها كافكا تعني أنّ السلطة التي رأيناها في نظام بطرس الأكبر أصبحت كالهواء، فهي لا تحتاج إلى من يوجدها، لأنّها متحققة بالقوة والفعل معًا، فلا يعرف جوزيف ك في “المحاكمة” سبب اعتقاله. وفي “المسخ” نجد أنّ غريغور سامسا يستيقظ وقد تحول إلى حشرة، لكن أول ما يفكّر به هو أنّه سيتأخر عن العمل. يبلغ الرجل الصغير ذروة اغترابه، إذ إنّه لا يخاف العقاب بقدر ما يخاف تعطل آلة السلطة التي يعمل داخلها. ولهذا لا يمكن اعتبار كافكا مجرد امتداد لغوغول، إنّه ينقل الرجل الصغير من الواقعية الاجتماعية إلى المأساة الوجودية. وهذا النمط الجديد الذي افتتحه كافكا سنراه مع جورج أورويل. إذا كان غوغول قد وصف سطوة البيروقراطية في القرن التاسع عشر، فإنّ أورويل تخيل مصيرها النهائي في “1984”، حيث يتحول ونستون سميث إلى رجل صغير جديد، إنّه موظف بسيط يعيش تحت رقابة لا تنام، حيث تعيد الدولة كتابة الماضي نفسه، فلم تعد السلطة تكتفي بالتحكّم في الوظيفة، بل أصبحت تتحكّم في الذاكرة واللغة والحقيقة. وهكذا يغدو الرجل الصغير آخر مساحة تقاوم محو الإنسان.
الرجل الصغير عربيًا
| نجيب محفوظ لم يكرّر تجربة غوغول، لأنّه أعاد بناء الشخصية في سياق آخر |
يعدّ نجيب محفوظ من الروائيين العرب الذين اقتربوا من ثيمة الرجل الصغير، كما عرفه الأدب الروسي، لكنه لم يكرّر تجربة غوغول، لأنّه أعاد بناء الشخصية في سياق آخر، ففي “حضرة المحترم” يبدأ عثمان بيومي حياته موظفًا صغيرًا محدود الدخل، غير أنّ الوظيفة لا تمثّل عنده وسيلة للعيش، بل تتحوّل إلى مشروع وجودي، فتصبح الترقية غايته المطلقة، ويتحوّل السلّم الإداري الى سلّم للخلاص الشخصي. حتى يغدو المنصب قيمة تعلو على الحب والأسرة والصداقة. وهنا يختلف محفوظ عن غوغول اختلافًا جوهريًا، فأكاكي يريد معطفًا، أمّا عثمان فيريد السلطة الرمزية التي يمنحها المنصب، فالوجود مرهون بالارتقاء داخل المؤسسة. بينما صنع الله إبراهيم، على سبيل المثال، ولا سيما في “اللجنة” يرى بأنّ السلطة لم تعد شخصًا يمكن مواجهته، ولا مؤسسة ذات حدود واضحة، بل صارت شبكة معقدة من الإجراءات والرقابة واللغة الرسمية. تتقاطع هذه الرؤية مع كافكا وأورويل أكثر ممّا تتقاطع مع غوغول. فالبطل لا يعرف تمامًا من يحاكمه، ولا لماذا يخضع لهذا الكم من الأسئلة والاختبارات حتى تصبح الحياة اليومية نفسها تجربة اغتراب مستمرة. إنّ الرجل الصغير لا يهان بصراخ، وإنّما يتآكل داخل جهاز تعتمد عليه حياته. لقد تغيرت ثيمة الرجل الصغير، فلم تعد مأساته بأنّه خاضع إلى سلطة قاهرة، وإنّما أصبح وجوده مرتبطًا بعبوديته.
من الرجل الصغير إلى الرجل التافه
إذا كان القرن التاسع عشر هو عصر “الرجل الصغير”، فإنّ القرن الحادي والعشرين يطرح سؤالًا مختلفًا: هل ما زال هذا النموذج قادرًا على التعبير عن أزمة الإنسان المعاصر، أم إنّ العالم أنجب شخصية أدبية اجتماعية جديدة؟ ليس المقصود من ذلك أنّ الرجل الصغير اختفى، فما تزال الحروب والفقر والبيروقراطيات واللامساواة تنتج ملايين المهمشين، لكن ما تغيّر هو طبيعة الهامش نفسه. ففي المجتمع الصناعي كان الهامش يفرض على الإنسان من الخارج. أمّا في مجتمع الصورة والخوارزميات والسوق الرقمية، فقد أصبح الهامش أكثر التباسًا، إذ قد يبدو الفرد حاضرًا في كل مكان، بينما يظل غائبًا عن أي تأثير حقيقي. لهذا يمكن الحديث، على سبيل الفرضية النقدية، عن انتقال مركز الاهتمام من “الرجل الصغير” إلى نماذج أخرى من الإنسان المعاصر، من بينها ما يسميه بعض المفكرين: “الإنسان التافه”.
في هذا السياق، يقدّم الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة” تصورًا جديدًا للإنسان المعاصر يستحق الوقوف عنده. ينبّه دونو أولًا إلى أنّ كلمة “Médiocre” التي تترجم بـ”التافه” لا تعود في أصلها اللاتيني إلى معنى الرداءة كما يشيع استخدامها اليوم، بل إلى جذر يفيد “التوسّط”، أي الوقوف في منزلة وسطى، فالتافه في معناه الأول؛ من لا يتجاوز المتوسِّط، ولا يلمع في أي مجال. وليس بالضرورة من يفتقر إلى الذكاء، أو المعرفة. وعلى هذا الأساس يصوغ دونو مصطلح “LA Médiocratie/ حكم التفاهة”، ليقول إنّ التفاهة ليست صفة شخصية عارضة، وإنّما نظام حكم تُمنح فيه السلطة للمتوسّط، ويطالب فيه الجميع بأن يكونوا متوسّطين تمامًا غير طامحين إلى ما هو أعلى. فالإنسان التافه ليس بالضرورة أقل الناس معرفة، وإنّما هو من يتقن الانسجام مع هذا النظام القسري، فيتجنّب كل ما يثير الخلاف، أو يهدّد موقعه، فيصبح نجاحه مرهونًا بقدرته على عدم الإزعاج أكثر من قدرته على الابتكار. فهو يترقى بحسن تعامله مع الأجهزة الإجرائية والرقابية لا بكفاءته الحقيقية. ومن ثم فإنّ التافه لا يشبه أكاكي الذي كان ضحية مرئية للنظام الذي يسحقه علنًا. فالإنسان التافه قد يكون موظفًا ناجحًا، أو مديرًا، أو حتى مثقفًا حقّق نجاحه داخل النظام، لأنّه ارتهن له نهائيًا. إنّ هذا النموذج الجديد للرجل الصغير ما يزال في طور التشكل النقدي، فهو لا يملك بعد ما يملكه الرجل الصغير من نصوص تأسيسية، لكنه يعيد ذات السؤال القديم: من يقرّر قيمة الإنسان، وبأي مقياس؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، تجدر الإشارة إلى أنّ الإنسان التافه لا يلغي الرجل الصغير، ولا يخلفه في تعاقب تاريخي بسيط، فهما متعايشان معًا، بوصفهما وجهين مختلفين لعلاقة الفرد بالسلطة، فبينما يظل الرجل الصغير يجسّد من تسحقه الأنظمة علنًا وترفض الاعتراف به، يمثّل الإنسان التافه من يبتلعه النظام نفسه عبر مكافأته، لا عبر سحقه. إنّ النموذجين، إذًا، وجهان لسؤال واحد عن كرامة الفرد أمام القوة، لا مرحلتان متعاقبتان تحلّ إحداهما محل الأخرى.
ما زال الرجل الصغير موجودًا بقوة، فاللاجئ، والعامل المؤقّت، وسكان الأطراف، وضحايا الحروب، والمهاجرون ما زالوا يجسدون هذا النموذج في صور متعددة، لكن الأدب المعاصر لم يعد يكتفي بتصوير هذا الإنسان المقهور، بل أصبح يطرح سؤالًا آخر، عن كيف يشارك الإنسان نفسه في إعادة إنتاج النظام الذي يفترس حريته. هذا النمط مهّد له تشيخوف حين جعل الخوف يسكن داخل الموظف، ومن ثم وسّعتها أعمال القرن العشرين والحادي والعشرين، حيث لم تعد السلطة مجرد قوة خارجية، بل أصبحت أيضًا منظومة داخلية من العادات والرغبات والصور والأنماط والاستهلاك.
وتكشف تراجيديا “الرجل الصغير” في الأدب العالمي أنّ هذه الشخصية تجاوزت صورة الموظف البائس إلى سؤال عن كينونة الإنسان، فمن بوشكين وغوغول ودوستويفسكي وتشيخوف، إلى كافكا وأورويل، إلى محفوظ وصنع الله إبراهيم، ظل الأدب يعود إلى السؤال نفسه: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان أضعف من المؤسسات التي أنشأها؟ لقد تغيّرت أشكال السلطة، وتبدّلت أنظمة الحكم، وتنوّعت البنى الاقتصادية، لكن صورة الإنسان الهامشي بقيت تتجدّد مع كل عصر. وما يجمع هذه الأعمال ليس تشابه شخصياتها، بل إيمان كتّابها بأنّ قيمة الأدب لا تقاس بقدرته على تمجيد الأقوياء، وإنّما بقدرته على أن يمنح صوتًا لمن لا صوت لهم. ومن هنا تبقى ثيمة الرجل الصغير واحدة من أكثر الثيمات حيوية في الأدب العالمي، لأنّها لا تتحدث عن حقبة تاريخية بعينها، فهي سؤال دائم: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على وجوده في عالم تعمل أنظمته السلطوية على اختلاف أشكالها، على اختزاله وتحويله إلى رقم، أو وظيفة، أو وسيلة، أو صورة، أو حتى مجرّد “Meme/ ميم”؟
* كاتب سوري.