
إثر وفاة جيسون أرداي، تتصاعد الدعوات لإجراء تحقيق عام ثان في سلوك الصحافة، يعرف باسم “ليفيسون 2” (جامعة سانت ماري في تويكنهام)
ملخص
يرى الكاتب أن قضية جيسون أرداي لا تبرر إعادة إخضاع الصحافة البريطانية لتحقيق “ليفيسون 2″، لأن حملات التشهير الأشد ضده انطلقت من منصات التواصل الاجتماعي لا الصحافة المهنية. وبينما تطالب جهات سياسية وإعلامية بتشديد الرقابة على الصحف، تظل منصات التواصل، التي تغذي الغوغائية وتنشر الإساءة والمعلومات المضللة، خارج دائرة المساءلة الحقيقية.
لقي خمسة شبان مصرعهم في حادثة سير في إيرلندا، بعدما سرقوا سيارة من طراز “بي أم دبليو” وقادوها بسرعة جنونية في الاتجاه المعاكس على الطريق السريع. ومن ثم، تعرض أربعة أفراد من عائلة واحدة لإصابات بالغة أثناء توجههم إلى حفل زفاف، جراء حادثة التصادم نفسه.
وبرأي الشرطة، كان الشبان القتلى يشكلون جزءاً من ظاهرة متنامية يسرق فيها شبان السيارات، إنما ليس لتحقيق المنفعة المادية، بل طلباً للإثارة المرتبطة بالتهور في القيادة، ولنشر مغامراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد قام وزير العدل الإيرلندي، جيم أوكالاهان، بإدانة شركات التكنولوجيا، لأنها ترفض إزالة “المنشورات التي تمجد النشاط الإجرامي”.
وفي أوكلاند بولاية كاليفورنيا، تطالب 29 ولاية أميركية مجموعة “ميتا” بتعويضات عطل وضرر ضخمة، متهمة مجموعة التواصل الاجتماعي العملاقة بتصميم منصاتها بصورة متعمدة لتعزيز الإدمان. وفي يوم المحاكمة الأول، أفاد محام عن ولاية كاليفورنيا للمحكمة بأن نموذج أعمال “ميتا” يهدف إلى “جعل المستخدمين يتعلقون بالمنصة ويمضون عليها أطول وقت ممكن، فيتسنى لها جمع بياناتهم، وإخفاء الحقيقة عن الجمهور”.
وفي سياق متصل، سمعت شهادة أحد المبلغين عن المخالفات الحاصلة، وقد أكد أن عدد المراهقين الذين يتعرضون لمحتوى مصور صادم يتعدى بمئة مرة وأكثر الرقم الذي تحدثت عنه “ميتا”. ومن جهتها، تنفي “ميتا” هذه المزاعم، وتبقى المحاكمة مستمرة.
في موازاة ذلك، تجدد المملكة المتحدة مناشداتها بالمباشرة في التحقيق العام في سلوك الصحافة، ويعرف باسم “ليفيسون 2” [تحقيق بريطاني أجري في فترة ما بين 2011-2012 بقيادة اللورد القاضي ليفيسون، وتناول ثقافة الصحافة وممارساتها وأخلاقياتها]، عقب وفاة جيسون أرداي، على أمل أن يفضي ذلك إلى فرض قوانين حكومية تنظم وسائل الإعلام.
لكن أحداً لم يذكر أن حملات الملاحقة والتشهير الأسوأ في حق أرداي انطلقت فعلياً على منصات التواصل الاجتماعي. وعلى ما يبدو، تتحمل وسائل الإعلام التقليدية الرئيسة وحدها مسؤولية وفاته المأسوية بالكامل.
ولتأكيد هذا الاتهام وترسيخه، جرى نشر أسماء بعض الصحافيين العاملين في الصحف، ممن كتبوا عن أرداي ووجهوا لهذا البروفيسور العامل في “كامبريدج” اتهامات بالسرقة الأدبية، وممن كتبوا أن سيرته السابقة حافلة بالأكاذيب، وكأن الغرض من ذلك هو فضحهم بالاسم وحثهم على الشعور بالعار، لكن أين اجتمعت هذه الكتابات؟ على مواقع التواصل الاجتماعي.
في الواقع، نعيش اليوم في عصر مختل وخاضع لحكم العصابات، لكن بدلاً من اجتماع أفرادها في ساحة البلدة، حاملين شوكاً ومطلقين الهتافات، نراهم يضغطون على زر “أعجبني” ويتركون تعليقاتهم، ومن ثم يضغطون على زر “النشر”. ومن ثم، لا تكتفي وسائل التواصل الاجتماعي بإفساد العقول، بل وتلتهم أيضاً الأرواح، ولم يتقدم أي كان ليقول “كفى”.
وما سبق ليس من صنع أنامل الحكومات التي تغرق عمالقة التكنولوجيا بالمنافع وتستميلها (فالدعوى في كاليفورنيا مرفوعة من 29 ولاية، وطبعاً ليس من إدارة ترمب). وكذلك، لم يصدر كل ما سبق عن حشود ساعية لإلقاء اللوم على أي كان إلا نفسها. أما الصحف – وفي ذمة بعض منها مخالفات مرتكبة وآراء سياسية مغايرة – فتعتبر هدفاً سهلاً. ومن ثم، فالغلطة غلطتها، وليست غلطتنا. ولتدفع هي الثمن.
ومن ثم، فيجب إخضاعها، مرة أخرى، للمحاكمة. فالناس نسوا أن تحقيق “ليفيسون” الأول بقي مجمداً، وجاء بكلفة باهظة، ولم يحقق أية نتيجة تقريباً. والأسوأ هو أن أي فشل مستقبلي في تحقيق مطالبات الحشود، وتحديداً المناشدات بفرض أنظمة حكومية على الصحافة، سيتحول إلى حافز للمحاولة من جديد.
وفي هذا السياق، تتعالى المطالبات، بدعم من سياسيين ومشاهير لم يحرجهم يوماً اللجوء إلى وسائل الإعلام كلما ناسبهم ذلك. وهم يسعون، في كل مرة يختلفون فيها مع ما ينشر عبرها، للسيطرة على الوضع وسن القوانين. ومن ثم، لا بد من أن تسير الأمور وفق شروطهم، وليس بأية طريقة أخرى.
وفي هذا الإطار، لا يهم إن كان القطاع يتقيد بمدونة قواعد سلوك سارية المفعول، أو إن كانت القوانين النافذة تدين التشهير والمخالفات، أو إن كانت الصحافة قد تعلمت درساً منذ المرة الأولى، وأصبحت اليوم أكثر انضباطاً. بل ما يهم هو أن وسائل الإعلام التقليدية يجب أن تدفع الثمن. أما مواقع التواصل الاجتماعي، الشر المطلق والأكثر خطراً على الإطلاق، فستفلت من العقاب.
أما في حال أرداي، فقد طاردته الصحافة لأن قضيته أثارت اهتمام الرأي العام. فهو كان شخصاً مرموقاً، اعتلى منصباً رفيعاً وكان قادراً على التأثير في الآخرين من خلال عمله في إحدى جامعاتنا الرائدة. وفي أول مرة وصلت فيها مزاعم سرقة الأعمال الأدبية إلى الصحف، أبدت اهتمامها بالموضوع، وعن وجه حق. وعند كشف النقاب عن مزاعم أخرى صادرة عن أرداي، ازداد انبهارها بالموضوع.
وأرداي كان شخصاً قطع أشواطاً على الصعيد الشخصي، وأوصلته رحلته إلى وظيفة أكاديمية يكثر التنافس عليها أكثر من أي وظيفة أخرى. ومع ذلك، كلما تعمقت الصحافة في البحث، بدا أن الطريق الذي سلكه يتفكك أكثر فأكثر.
فهل ينبع هوس الصحافة به من كونه أسود البشرة؟ فقط إذا افترضنا أن لون بشرته أثار شكوكاً في أنه كان مستفيداً إلى حد ما من التمييز العنصري الإيجابي، وأن الأشخاص الذين كان يفترض مبدئياً أن يتحققوا من مؤهلاته تقاعسوا عن القيام بذلك. وهذا بدوره موضوع يهم المصلحة العامة، لأن الوقائع بينت، ظاهرياً، أن “كامبريدج” لم تبد استعداداً للتدقيق في خلفية شخص قامت بترقيته واستغلته بلا هوادة في الترويج لصورتها.
مرة أخرى، ليس في الأمر مشكلة أبداً، لكن في حين كانت الصحف تدقق في الموضوع وتتلقى معلومات في شأنه، كانت وسائل التواصل الاجتماعي مستنفرة كلياً، وانهالت على منصاتها إساءات صادرة عن اليمينيين في حقه.
وهنا، نتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي، وليس عن وسائل الإعلام الرئيسة. فقد تعرض [أرداي] لحملة اضطهاد، ومن قام بها لم يكن يعمل وفق أية قواعد أو معايير مهنية.
وعلى خلاف المحررين في الصحف، ولم يضع أي من هؤلاء المتصيدين اسمه على ما نشره، ولم يوقع أي منهم على ذلك المحتوى السام أو تلك الأكاذيب. ولم يتحدث أي منهم باسم مؤسسة لها سمعة تحرص على حمايتها، ويعمل فيها أشخاص معروفو الأسماء لديهم مقر وعنوان محددان. وكان هؤلاء، في معظمهم، مجهولي الهوية، وقد انضموا إلى الهجوم من دون أن يتوقفوا للتحقق والتأكد، لأن ذلك كان سيقوض الغرض الذي سعوا إلى تحقيقه.
بيد أن هذه الأسماء لم ترد على قائمة الأشخاص المسؤولين نسبياً عن موت أرداي، والمنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي عينها. ومن ثم، ليسوا في عداد الجهات التي توجهت إليها المطالبات بإجراء تحقيق عام وإنعاش المرحلة الثانية من “تحقيق ليفيسون”، التي تم التخلي عنها منذ زمن طويل.
وهذا التحقيق القضائي انتهى فعلياً لأن أحداً لم يبد رغبة فعلية في مواصلته. باستثناء جماعة “هاكد أوف” Hacked Off المناصرة لإصلاح الإعلام، التي عادت إلى الواجهة مجدداً في قضية أرداي، بعدما منيت أخيراً بإحراج كبير نتيجة دعمها المشاهير الذين خسروا دعواهم القضائية ضد صحيفة “ديلي ميل”Daily Mail.
أما تحقيق ليفيسون، فقد طال أمده وتفرعت مساراته من دون أن يفضي إلى نتائج تذكر. ويعود ذلك إلى أنه، ما إن بدأ القاضي وفريقه يشرحون القضية ويكشفون تفاصيلها، حتى تبين أن ما يمكن العثور عليه كان محدوداً للغاية. نعم، وجدت بعض التجاوزات، لكنها لم تكن كثيرة، كذلك فإنها لم تكن بالقدر الذي يبرر كل ذلك الجهد والوقت والكلفة الباهظة.
لكن ما الذي يمنعنا؟ فلنطلق تحقيقاً جديداً، ولنغرق مجدداً في هذه العملية الشاقة، ومن ثم نرى إلى أين ستوصلنا، وما يمكن أن تحققه. تفضلوا، أهلاً وسهلاً.
سيأتي الأمر بالمنفعة في حال تمكن من إسكات منتقدي الصحافة مرة واحدة وإلى الأبد، لكنه لن يفعل، لأن شيئاً لن يفعل. ومع ذلك، تذكروا أن الإقدام على هذه الطقوس يوازيه تحرك عدو سام للمجتمع يسير بيننا، بكل حرية وبلا قيود.
© The Independent