طالب عبد العزيز.. جريدة المدى
غالبية الصور والجداريات التي يُسارع البعضُ بنصبها في المنطقة هذه أو تلك؛ لا يبتغي أصحابُها منها سيادة فكرة، أو الإعلاء من شأن رمز دينيّ، أو وطنيٍّ، أبداً، لأنَّ الأفكار والرموز والشعارات بات معروفةً واضحة لدى الجميع، بخيرها وشرّها، كيف لا، وقد انقضت مواسم الانتخابات، وعُرف الجميعُ، واختنقت الحياة بما فيها من صراعات ومصائب، وللبحث في بواطن الأمور تلك سيتكشف لنا بأنَّ الجماعة السياسية أو الدينية التي رفعت الصور والجداريات والرموز لم ترفعها لغرض ديني أو سياسي أو وطني أبداً، إنّما كانت تضمر ما هو غير ذلك، وهناك منفعة شخصية، ومشاريع تجارية، وخفايا لا يعلمها إلا الله والراسخون في المشهد العراقي، شيءٌ آخر مختلف تماماً.
نلاحظ ذلك في مدننا الجنوبية بخاصة، التي تصرُّ الجماعات هذه على استغلال الشوارع والساحات والمناسبات لصالحها، وكيف تنتقل الصور والجدرايات هذه من منطقة التقوى والتقديس والتصور البريء الى المنفعة الشخصية، والاستثمار الرطب ومن ثم دخولها في خانة الترهيب، في رسائل واضحة تقول: نحن هنا، وهذه المنطقة تقع ضمن اختصاصنا، لذا يحظر التقرب منها، فهي من شأننا نحن أفراد الجماعة هذه، وما نحن بمجهولين في وقائع وأحداث السياسة آنذاك لن يسأل أحدٌ عن الفضاء العام الذي رفعت فيه لكن، وفي واضح البحث والتدقيق سيتكشف لنا ما وراء ذلك، من مشاريع مستقبلية مضمرة، وتكميم لأصوات، وإقصاء لآخرين.
في مدن العالم أجمع يكون الإعلان ترويجاً عن بضاعة ما، وهو عملية تقع في خانة التحبيب والترغيب، وتعمل الجهة المعلنة على اختيار الاجمل من الصور والكلمات، عبر وسائل أكثر تحضراً، لأنها تفكّر بما سيصيبها من أرباح، كذلك فأنها ملزمة بدفع ضريبة الإعلان ذاك، وبما يسهم من تعظيم إيرادات بلديات المدن، التي تشترط في الإعلان الحبَّ والتعايش والسلم المجتمعي وعدم إيذاء الاخر.. وجملة مفاصل إنسانية وسياحية وترفيهية، وبذلك يكون المعلن قد قدّم صورةً جمالية مضافة الى مدينته، فضلاً عن انتفاعه التجاري، وهذا ما نشاهده في البلدان التي نزورها، وعلى الشاشات الالكترونية التي تتوزع الشوارع والساحات العامة، دون التي تطالعنا في مدننا، حيث تتضرر الأرصفة والساحات العامة، في فوضى غير منتفع منها من قبل المواطنين والبلديات على حدٍّ سواء، غير قادرين على نفي الرسائل المعلنة، وغير المرخص بها التي تضمرها الإعلانات تلك.
كثيرا ما نضجر من مقاطع الإعلانات التي تطالعنا في صفحاتنا الخاصة على الانترنيت، وفي بحثنا عن مادة ما، ولطالما أضطررنا الى إلغاء صداقات شخصية، لأنَّ أصحابها يعلنون عن أفكار ومواقف، وينشرون صوراً وشعارات؛ لا تنسجم مع توجهاتنا وتطلعاتنا، بل وتفهم من قبلنا أحيانا بأنها نتاج نفوس متوحشة، لا تراعي وجداننا المسالم، وطبيعتنا الميالة الى حب الحياة، والتنعم بما فيها من مثل وقيم إنسانية عليا، ولطالما حملناها محمل التهديد؛ الذي يضمر الاقتصاص من حياتنا، فلا نجد معها إلا الحذف وإلغاء الصداقة، لأنَّ الانسان بطبيعته ميالٌ الى السكينة، والعيش الآمن، الخالي من البشاعة. لا يملك المواطن البسيط حيلةً في تفادي الضرر المباشر للإعلانات تلك، لكنه يتحسسها عن قرب، فهو يرى المشاريع وهي تسرق، خلف اليافطة هذه والصورة تلك، والخارجين على القانون وهم يتنعمون بفسحة الحرية، وهم يهددون حياته وإن لم يفصحوا عن ذلك.