ملخص
كانت محاطة بعدد من العلماء الكيميائيين المرموقين في مصر. بل يقال إن هؤلاء عاونوها في تسميم أخاها الكبير في العام 44 ق. م.. كذلك انبهر الغربيون بأساليب كليوباترا في ممارسة الحكم
كانت الشهور الستة الأخيرة من العام الفائت 2025 نوعاً من زمن كرسته باريس، ومعهد العالم العربي فيها بالتحديد، لاستعادة حياة وتاريخ وعدد من ضروب الغموض التي تحيط بسيرة كليوباترا، ملكة مصر الاسكندرانية التي ربما كانت من أكثر نساء التاريخ غموضاً وبالتالي خلقاً للأسطورة التي تلقفتها شتى ضروب الإبداع. ومن بلوتارخ إلى شكسبير ففنون القرن العشرين، لم نعد نعرف حصة الحقيقة من حصة المخيلة في ما نعرفه ونتداوله عنها، كما أشرنا في حلقة أولى من هذه “الثلاثية” في هذا المكان أمس.
وهنا، إذ ختمنا كلام حلقتنا الماضية بطرح عدد من الأسئلة حول حقائق تتعلق بكليوباترا، نحاول في استعادة هنا أن نعثر على أجوبة ملائمة، مستندين إلى ما جرى تداوله في الصحافة والكتب والمعرض نفسه من حول كليوباترا، لعلنا نسهم في كشف بعض الحقائق وتفريقها عن أكوام الاختراعات المتعلقة بتلك المرأة الاستثنائية.
وننطلق من السؤال الأول الذي طرحناه وهو المتعلق بما إذا كانت كليوباترا وحيدة أم أن لها شقيقات وأشقاء. والجواب الذي أكده الباحث نيكولاس شوبنسكي في ملف خاص بمعرض كليوباترا أصدرته مجلة “الفنون الجميلة” هو: نعم كان لها شقيقات وشقيقة واحدة على الأقل. ومنهم بالطبع بيرينيس نصف الشقيقة التي كانت أسوة ببطلتنا، ذات تطلع إلى السلطة وهو ما جعلها تنتهز، بحسب الكاتب، فرصة اضطرابات عرفتها الاسكندرية في العام 58 قبل الميلاد لتسيطر على عرش المدينة بعدما كان أبوها قد نفي إلى روما. لكن هذا حين عاد تمكن بمساعدة الرومان من إلحاق الهزيمة بها وإعدامها. وكان لكليوباترا أخت أخرى صغرى هي أرسينوي الرابعة التي انضمت أول الأمر إلى القوات المجابهة لقيصر وكليوباترا. ثم أعدمت قائد القوات التي تنتمي إليها لتعلن نفسها ملكة قبل أن تلحق بها الهزيمة وتضطر للمشاركة في العرض المرحب بالمنتصرين. لكن كليوباترا حرضت أنطونيو على إعدامها.
سيدة السموم القاتلة
بالنسبة إلى مسألة السموم يفيدنا الباحث نفسه أن كليوباترا كانت حقاً متمكنة من صناعة السموم وتركيبها وهو ما سوف يبهر الغرب في سيرتها، كما بهر الرسام ألكسندر كابانيل الذي استقى من نص بلوتارخ مشهداً يصور تعامل الملكة مع أنواع عديدة من السموم.
لكنها لم تكن وحدها في هذه الممارسة إذ كانت محاطة بعدد من العلماء الكيميائيين المرموقين في مصر. بل يقال إن هؤلاء عاونوها في تسميم أخاها الكبير في العام 44 ق. م.. كذلك انبهر الغربيون بأساليب كليوباترا في ممارسة الحكم والتي كشفت عن دراستها المعمقة لعدد من ملكات مصر الفرعونية السابقات عليها. أو على الأقل سيرها على خطاهن في سبر أغوار المجتمع المصري للتمكن من حكمه بطريقة… نسوية.
أما بالنسبة إلى السؤال الرابع المطروح من حول ما قيل من أنها غدرت بمارك أنطوني خلال الموقعة الأساسية التي جابه فيها الجنرال أغريبا، فإن الجواب هو أيضاً: نعم… لقد انسحبت بقواتها تاركة عشيقها وجنوده وحدهم في وجه ذلك المقاتل الجبار. وهو أمر سوف يفضحه أوكتافيوس لعدائه لهما. غير أن ما سكت عنه هذا الأخير إنما واقع أن أنطونيو تبع خطاها بدوره ما أن أيقن من تخليها عنه، تاركاً خلفه بعض جيوشه ليقوموا بتأخير زحف الأعداء وعلى رأسهم أوكتافيوس نفسه!
مصير الأولاد
وإذ يتعلق السؤال الخامس بما إذا كانت كليوباترا قد تركت خلفها حين وضعت حداً لحياتها، أولاداً يرثونها فإن الجواب هو بالطبع، أجل. لقد أنجبت كليوباترا على ما نعرف أربعة أطفال أولهم سيزاريون الذي كان من زواجها الأول والذي أعدمه أوكتافيوس.
فماذا عن أطفالها الثلاثة الذين أنجبتهم من زواجها من مارك أنطوني؟ عند موت كليوباترا اصطحب أوكتافيوس كلاً من كليوباترا سيليني وألكسندر هيليوس وبطليموس فيلاديلف إلى روما حيث كلف أخته أوكتافيا بالإشراف على تربيتهم. فتولت هذه المهمة لينقطع خيط معرفتنا بمصير تلك الذرية حتى وإن كنا نعرف أن كليوباترا سيليني قد زوجت وهي في الثانية عشر، من جوبا ابن ملك موريتانيا التي صارت لاحقاً ملكة لها.
وتفترض الباحثة كريستيان زيلر أن الأخت الكبرى قد اصطحبت شقيقيها الأصغرين إلى سيزاريا في الجزائر الحالية حيث عاشت ودأبت على تكريم ذكرى أمها. كذلك مارست طوال حياتها نوعاً من التبجيل لجذورها المصرية. وهي دفنت حين رحلت عن عالمنا، في سيدي راشد على الساحل الجزائري على بعد ستين كيلومتراً غرب الجزائر، العاصمة اليوم.
هل انتحرت كليوباترا حقاً؟
وإذا كان السؤال السادس يتعلق بما إذا كانت كليوباترا، الاسكندرانية، قد انتحرت حقاً كما تقول الحكاية، فإن اليقين هنا يبدو غائباً تماماً حتى ولئن كان هناك إجماع على أن المصريين عرفوا حقاً ومنذ وقت مبكر سم الأفاعي والموت بعضة أفعى، وعلى أن كليوباترا ماتت منتحرة بتلك العضة.
فالحال أن ليس ثمة مصادر تعود إلى زمن الملكة وتاريخ موتها تحدثنا عن ذلك، كل ما في الأمر أن الحديث عن موتها انتحاراً بالسم لم يبدأ إلا بعد مئات السنين من رحيلها. أما المعاصر الوحيد لزمنها والذي تناول موتها فكان سترابون الذي لم يكن مؤرخاً بل جغرافياً، وسيقال إنه كانت له غايات خاصة شخصية من تداول فرضية الانتحار غير المؤكد ولكن التي سيطورها بلوتارخ وغيره لاحقاً. بينما سيطور آخرون فرضية مضادة تفيد بأن أوكتافيوس هو الذي أعدمها.
حسناً ولكن ما الذي بقي منها؟ أين تراها دفنت؟ هناك بالطبع عشرات الفرضيات الموزعة على العديد من المناطق التي تتراوح بين تخوم الاسكندرية وضواحي روما من دون أن يكون أي منها مؤكداً. أما الأحدث بين تلك الفرضيات، وبحسب ملف مجلة “الفنون الجميلة” الذي نعتمد عليه هنا، فهو ما تتحدث عنه المنقبة والكاتبة والدبلوماسية كاتلين مارتينيز من أنها تفترض العثور على قبر كليوباترا في منطقة تدعوها تابوسيريس مانيا تقع إلى الغرب من مدينة الاسكندرية، لكنها تضيف أن ليس ثمة ما يدعم هذه النظرية إلا كون المنادين بها يحاولون أن يحولوا المنطقة إلى مقصد سياحي لا أقل ولا أكثر. بمعنى أن قبر كليوباترا، وعلى رغم ذلك الاكتشاف، سيبقى ضائعاً حتى إشعار آخر. تماماً كما حال ملامحها الحقيقية التي سوف نعود إليها غداً في الحلقة المقبلة والأخيرة من هذه “الثلاثية”.
