
“في واشنطن يتزايد الإجماع على أن التحالفات لن تعود لسابق عهدها” (روب دوبي/فورين أفيرز).
. المصدر اندبندنت عربية….
ألحقت ولاية ترمب الثانية أضراراً كبيرة بالتحالفات الأميركية، لكنها لم تقض عليها. فالمصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة، وتزايد التقارب في النظرة إلى الصين وروسيا، وشبكات التعاون المتجذرة، تدفع الحلفاء إلى مزيد من الترابط. وبعد ترمب، تكمن المهمة في تحويل هذا الصمود إلى “قدرة جماعية” تقوم على تقاسم الأعباء وبناء الثقة ومشاريع مشتركة، بما يعيد صياغة التحالفات لتواجه تحديات العصر.
عام 1984، وبعد أشهر من قرار إدارة ريغان نشر صواريخ “بيرشينغ 2” النووية المتوسطة المدى في أوروبا الغربية، الذي أدى إلى خروج مئات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع المدن الأوروبية الكبرى، تجمع عدد من كبار المسؤولين الفرنسيين والألمان والإيطاليين حول الأمين العام لحلف الناتو، بيتر كارينغتون، خارج مكتبه في بروكسل. وكانت التوترات لا تزال شديدة، واشتكى هؤلاء المسؤولون من أن الأميركيين فظون ومتهورون ويتجاهلون نصائح الحلفاء. فاستمع كارينغتون إليهم حتى النهاية، ثم هز كتفيه وأدلى برأيه المعتاد حول سبب اضطرار الحلفاء إلى التحمل والتحلي بالصبر، بما أن الولايات المتحدة قوة لا غنى عنها، فقال “للأسف، هؤلاء هم الأميركيون الوحيدون الذين لدينا”.
واليوم، يتعرض هذا الصبر لاختبار قاس. ففي أقل من عامين، هددت إدارة ترمب الثانية بالاستيلاء على غرينلاند والانسحاب من حلف الناتو، وسحبت قوات من ألمانيا، وتدخلت في انتخابات حلفائها، وفرضت رسوماً جمركية على أصدقائها، كل ذلك في وقت كانت تغدق فيه على بكين وموسكو بالقمم واللقاءات وعبارات المديح. وقد أثار ذلك قلقاً مفهوماً لدى الحلفاء. فقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني “إن العلاقة القديمة التي كانت تربطنا بالولايات المتحدة قد انتهت”. وحذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن “صدعاً عميقاً” آخذ في التشكل. وصرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: “إن الغرب كما عرفناه لم يعد موجوداً”، فيما أعرب وزير الدفاع السنغافوري نغ إنغ عن أسفه لتحول الولايات المتحدة من شريك إلى “مالك عقار يسعى إلى تحصيل الإيجار”.
وفي الولايات المتحدة، يتزايد الإجماع على أن التحالفات لن تعود لسابق عهدها. وقد تساءل الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، غريغ ميكس “هل سيثق أصدقاؤنا وحلفاؤنا بالولايات المتحدة مرة أخرى؟”. أما الباحث روبرت كاغان، فقد أعلن في تأبينه لعصر وقف فيه حلفاء واشنطن إلى جانبها، أن “تلك الأيام قد ولت ولن تعود في المستقبل القريب”.
هذا التشاؤم مفهوم، ولكنه مبالغ فيه بصورة كبيرة. فمظالم العواصم الحليفة، على رغم صدقها وعمقها، ليست مؤشراً موثوقاً إلى ما ستؤول إليه الأمور. ومهما بدا الوضع قاتماً، ستصمد تحالفات الولايات المتحدة أمام صدمة ترمب لأسباب تغفلها عناوين الأخبار. أولاً، لقد صمد نظام التحالفات أمام صدمات طواها النسيان، لا تقل خطورة عن الصدمات الحالية، وما نشهده اليوم يرتبط بشخصية الرئيس أكثر من ارتباطه بتحول سياسي راسخ ودائم. ثانياً، لم تتلاش التهديدات التي أدت إلى نشوء التحالفات، بل اشتدت وأصبحت أكثر ترابطاً وتداخلاً، في وقت تتوافق فيه تصورات الحلفاء في شأن الصين وروسيا أكثر من أي وقت مضى. ثالثاً، تستمر قوى الجذب القوية في دفع الحلفاء إلى التقارب اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً، متجاوزة الجهود الرامية إلى “تقليل الأخطار” الناجمة عن الاعتماد على واشنطن، بينما تعمل البيروقراطيات المهنية بهدوء على تعزيز التعاون بعيداً من صخب السياسة وأضوائها.
وإذا ترك التشاؤم ليتحول إلى قناعة راسخة، فهناك مجازفة بأن يصبح نبوءة تحقق ذاتها، إذ قد يتوقف صانعو السياسات، المقتنعون بأن إنقاذ التحالفات أمر مستحيل، عن بذل الجهود اللازمة لضمان استمرارها، لكن هذه القوى التي توحد الحلفاء، مجتمعة، ستساعد التحالفات على تجاوز مرحلة ترمب، وستهيئها، إن اغتنمت العواصم الحليفة الفرصة، لإجراء التحول المطلوب من أجل مواجهة تحدي الصين، المدعومة من روسيا التي باتت أكثر عدوانية، والقادرة على التفوق في الحجم والقدرات على جميع الدول الأخرى وفق أهم معايير القوة.
بل إن المخاوف الحالية قد تسهم، وإن كان ذلك عن غير قصد، في تعزيز نظام التحالفات: فمثلما حدث في الماضي، يمكن للتوترات أن تحفز إصلاحات تخلق قدرات الغد. ويمكن تحويل الحلفاء من معتمدين على الولايات المتحدة إلى شركاء في بناء القوة، من خلال تجميع قدراتهم في إطار ما كنا نسميه سابقاً “القدرة الجماعية للحلفاء”. وقد دعت إدارة ترمب الحلفاء إلى بذل مزيد من الجهد لكي تتمكن واشنطن من تقليص دورها، في الواقع، سيحتاج كل من الحلفاء والولايات المتحدة في المستقبل إلى زيادة إسهاماته وجهوده، بما يجعل قوة التحالف أكبر من مجموع ما يقدمه أعضاؤه كل على حدة.
صحيح ما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وغيره من قادة الحلفاء: “لا رجعة إلى الوراء”، لكن هذا لا يعني نهاية نظام التحالفات، بل يعني إعادة صياغته ليتلاءم مع عصر جديد.
التشاؤم الجديد
إن الضرر الذي ألحقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتحالفات الأميركية خلال ولايته الثانية حتى الآن يفوق الضرر الذي ألحقه بها خلال أعوام ولايته الأولى الأربعة. ويعود ذلك جزئياً إلى رحيل الفريق المؤمن بالدور الأميركي العالمي الذي فرض في ولايته السابقة قيوداً حالت دون ذهاب الإدارة بعيداً. إلا أن القلق المتزايد في شأن مستقبل التحالفات الأميركية لا يتعلق بترمب وحده، بل ينبع من اعتقاد بأن عوامل مدمرة أقدم عهداً، تفاقمت بفعل إضعاف ترمب الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وتقوض النظام إلى درجة تجعل إنقاذه مستحيلاً.
والمجموعة الأولى من هذه العوامل المدمرة موجودة داخل الولايات المتحدة نفسها. وكما كتب مسؤولان في إدارة بايدن، فيليب غوردون ومارا كارلين، في صفحات “فورين أفيرز”، فإن جيلاً من التدخلات الفاشلة في الخارج والتحديات الاقتصادية والسياسات التي تركز على الشؤون الداخلية، جعل الأميركيين أكثر تردداً في تحمل أعباء النظام العالمي مما كانوا عليه منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية. ووفقاً لهذا الطرح، فإن ترمب يعتبر أحد أعراض المشكلة بقدر ما هو سبب لها. وربما بدت ولاية ترمب الأولى وكأنها انحراف عابر، لكن الثانية ترسم نمطاً متكرراً، مما يوحي بأن السياسة الأميركية قد لا تعود إلى نهجها السابق.
أما المجموعة الثانية من العوامل المدمرة، فتأتي من داخل عواصم الحلفاء. وبحسب هذا التصور، فإن تراجع صدقية الولايات المتحدة يدفع الحلفاء إلى تعديل توجهاتهم الاستراتيجية بطرق قد يصعب التراجع عنها. فتعامل ترمب مع التزامات التحالف في أوروبا وآسيا على أنها مشروطة وقائمة على الصفقات والمساومات يغير طبيعتها الجوهرية، حتى من دون سحب أعداد كبيرة من القوات أو استخدام القوة ضد الحلفاء. وبالفعل، بدأت الحكومات الأوروبية تعطي الأولوية لمفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” وتسعى إلى تحقيق استقلال دفاعي عن الولايات المتحدة، حتى إن فرنسا والمملكة المتحدة اقترحتا إنشاء مظلة نووية جديدة لأوروبا. ويعيد الحلفاء الآسيويون النظر في إحدى الركائز الأساسية التي قام عليها نظام التحالفات الأميركي، وهي الردع النووي الموسع، ويدرسون امتلاك قدراتهم النووية الخاصة.
وفي الوقت نفسه تعمل هاتان المجموعتان من الحلفاء في آسيا وأوروبا على تشكيل ائتلافات جديدة بين القوى المتوسطة لتقليل الاعتماد على واشنطن، بدءاً من الترتيبات الأوروبية الأخيرة مع الهند وصولاً إلى الاتفاقات التجارية التي تسعى اليابان إلى إبرامها مع دول أميركا اللاتينية. وجميعهم يبحثون عن سبل لتقليل الأخطار الناجمة عن الاعتماد على الولايات المتحدة. ويخشى المتشككون أنه أياً تكن درجة التزام الزعيم الأميركي المقبل بالتحالفات، فإن النهج الاحترازي هذا سيستمر، إذ لماذا يخاطر الحلفاء بعقود من التخطيط العسكري، بما يشمل القواعد والمشتريات وهيكل القوات، أو يسعون إلى تحقيق تكامل اقتصادي وصناعي مع واشنطن إذا كان التحالف نفسه موضع تشكيك كل أربعة إلى ثمانية أعوام؟
والإجابة عن هذا السؤال أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، ويجب أن تدفعنا بعيداً من اليأس. فاحتمال انهيار التحالفات لا يزال أقل بكثير من احتمال استمرارها وتطورها، وذلك لأسباب غالباً ما يغفل عنها المراقبون. ولأن التحالفات فاجأت الاستراتيجيين بصمودها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد أصبحت تعتبر نتاجاً لعناصر أكثر ليونة في السياسة الدولية، مثل المشاعر، والمؤسسات، والثقة، والقيم المشتركة، والحنين إلى الماضي، وهي تحديداً العناصر التي ألحقت بها إدارة ترمب أكبر قدر من الضرر، لكن هذه التحالفات تشكلت، وظلت قائمة ومستمرة، بفضل حقائق مادية ملموسة. وهذه الحقائق لم تتلاش، بل باتت تدفع الحلفاء نحو التقارب أكثر من أي وقت مضى.
العصر الذهبي الوهمي
يضع التشاؤم الراهن تحديات اليوم في مواجهة عصر ذهبي للتحالفات لم يكن موجوداً أصلاً. فالتاريخ الحقيقي للتحالفات الأميركية حافل بالأزمات المتكررة: حلفاء يطردون القوات الأميركية، ورؤساء يفاجئون شركاءهم بقرارات لم يتوقعوها، وعواصم تثور احتجاجاً، وفي كل حقبة، تنبؤات واثقة بأن التحالفات على وشك الانهيار.
وعلى رغم اعتقاد عدد كبير من أعضاء نخب السياسة الخارجية أن هذه المرة مختلفة، فإن الرأي العام الأميركي والأوروبي لا يتفق معهم. في الواقع، تشير بيانات استطلاعات “مجلس شيكاغو للشؤون العالمية”، التي يعود تاريخها إلى عام 1974، إلى أن نسبة الأميركيين الذين يعتقدون أن على واشنطن اتخاذ القرارات الكبرى بالتشاور مع الحلفاء، بدلاً من العمل منفردة، بلغت أعلى مستوى لها منذ 50 عاماً. وخلال حقبة ترمب، من عام 2016 وحتى اليوم، ارتفعت نسبة من يرون أن الحفاظ على التحالفات القائمة “فعال للغاية” في تحقيق أهداف الولايات المتحدة، من 32 في المئة إلى 55 في المئة، مسجلة أعلى مستوياتها خلال 10 أعوام بين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أظهر استطلاع رأي أجراه “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية”، وهو مركز أبحاث، استياءً مقلقاً من الولايات المتحدة، لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن غالبية واضحة من المواطنين في 13 دولة من أصل 15 دولة أوروبية شملها الاستطلاع، والنسبة الكبرى من المشاركين في الاستطلاع في الدولتين المتبقيتين، تعتقد أن العلاقات ستتحسن بمجرد مغادرة ترمب منصبه. بينما يعتقد أقل من الثلث أن الضرر سيستمر بعد رحيله. ويبدو أن الرأي العام الأوروبي يرى أن ترمب حال شاذة وليس ممثلاً حقيقياً للولايات المتحدة.
إن إيمانهم بأن “هذه المرحلة لن تدوم” يستند إلى أساس تاريخي مهم. ففي المجال الأمني، تعد تحديات اليوم حقيقية، مثل التهديدات بالاستيلاء على غرينلاند، والتخلي عن أوكرانيا، والانسحاب من حلف الناتو، وسحب القوات من ألمانيا، وربط مبيعات الأسلحة إلى تايوان بتفضيلات بكين، لكن التحالفات واجهت في الماضي ما هو أسوأ.
فحتى في عهد ترمب، لم تهدد الولايات المتحدة حليفاً لها تهديداً جدياً بإلحاق أضرار مالية كارثية به، مثلما فعلت مع المملكة المتحدة في خمسينيات القرن الـ20 لوقف تدخلها في أزمة السويس. ولم يطرد أي حليف القوات الأميركية أو يقوض هيكل التحالف بصورة خطرة، مثلما فعلت فرنسا في ستينيات القرن الـ20 بعد انسحابها من القيادة الموحدة لحلف الناتو. ولم تسحب الولايات المتحدة أعداداً كبيرة من القوات من أراضي حلفائها، وهو أمر كاد مجلس الشيوخ يجبرها على فعله في سبعينيات القرن الماضي، حين لم تتمكن إلا بصعوبة بالغة من إحباط تعديل مانسفيلد، الذي كان سيخفض حجم القوات الأميركية في أوروبا بنحو النصف.
وفي آسيا، لا يوجد اليوم ما يماثل الصدمات الكبرى في سبعينيات القرن الـ20، التي دفعت سيول وتايبيه إلى السعي وراء برامج نووية سرية. فقد نص “مبدأ غوام” الذي أصدره الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1969 على ضرورة أن يوفر الحلفاء القوة البشرية اللازمة للدفاع عن أنفسهم، وهو أمر أكده سحب 20 ألف جندي أميركي من كوريا الجنوبية. وفاجأ انفتاحه على بكين عام 1972 تايبيه وطوكيو على نحو لم يكن في حسبانهما. وبعد بضعة أعوام، أثار سقوط سايغون مخاوف في شأن العزيمة الأميركية، مما دفع الزعيم السنغافوري لي كوان يو إلى التصريح بأن النفوذ الأميركي في المنطقة “لن يعود إلى سابق عهده”. وعلى رغم الاستياء الشديد من الولايات المتحدة، لم تشهد عواصم الحلفاء احتجاجات جماهيرية، مثل تلك التي اندلعت ضد نشر صواريخ “بيرشينغ 2”. ولم تتبدد الرؤية المشتركة لدى الحلفاء في شأن التهديدات التي يواجهونها، مثلما حدث في تسعينيات القرن الـ20، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي.
والاستثناء الرئيس هو التهديد باستخدام القوة الأميركية ضد غرينلاند، الذي قد يؤدي بالفعل إلى انهيار نظام التحالف إذا نفذته واشنطن، لكن هذا التهديد غريب وشخصاني ومتطرف لدرجة أن أي شخصية بارزة من كلا الحزبين لم تؤيده. وقد عارضه الديمقراطيون علناً، وكذلك فعل قادة الحزب الجمهوري: فقد صرح رئيس مجلس النواب مايك جونسون بأن التدخل العسكري الأميركي في غرينلاند “لن يكون مناسباً”، وقال زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون: “لا أرى أن العمل العسكري خيار مطروح هنا”. ومعها تراجع ترمب عن تهديده.
ويبدو السجل الاقتصادي مشابهاً للسجل الأمني. فقد أضرت تعريفات “يوم التحرير” بصورة الولايات المتحدة بوصفها شريكاً اقتصادياً موثوقاً، لكن هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها واشنطن نفوذها الاقتصادي ضد حلفائها، بما في ذلك من خلال فرض التعريفات الجمركية. في أغسطس (آب) 1971، فعلت “صدمة نيكسون” أمرين في الوقت نفسه: فقد أنهت من جانب واحد قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، مما فاجأ الحلفاء الذين كانت اقتصاداتهم تعتمد على الدولار، وفرضت رسوماً إضافية بنسبة 10 في المئة على جميع الواردات. وعام 1985، أجبر “اتفاق بلازا” الحلفاء على إجراء تعديل كبير في أسعار صرف عملاتهم تحت وطأة الضغوط الحمائية، مما فرض على الاقتصادين الألماني والياباني ضغوطاً أشد مما يواجهه الحلفاء اليوم جراء التعريفات الجمركية، ففي غضون ثلاثة أعوام، تضاعفت قيمة الين مقابل الدولار، وهو تعديل أكبر بكثير من الرسوم الجمركية البالغة 15 في المئة على الصادرات اليابانية.
وتعد التوترات الحالية الأشد وطأة منذ نهاية الحرب الباردة. ومع ذلك، يعلمنا التاريخ أن أنظمة التحالفات، عند النظر إليها بأثر رجعي، غالباً ما تثبت قدرة أكبر على الصمود مما يتوقعه المراقبون المعاصرون في خضم الأزمة. فالأزمات تولد مراراً وتكراراً تنبؤات بالانهيار، لكن التحالفات تتكيف تحديداً لأن الحوافز الأساسية التي تدعمها لا تزال قوية. فقد أثارت ضغوط إدارة ترمب الأولى في شأن تقاسم الأعباء استياء شديداً في عواصم الحلفاء وألحقت ضرراً حقيقياً بالعلاقات، لكنها دفعت أيضاً موازنات الدفاع الأوروبية نحو هدف الناتو البالغ اثنين في المئة، وحثت اليابان على مضاعفة إنفاقها الدفاعي، وحفزت التنسيق في شأن التحدي التكنولوجي الصيني. وفي عهد إدارة بايدن، انضم كثير من هؤلاء الحلفاء أنفسهم إلى شبكة كثيفة من المبادرات التي كان من الصعب تصورها في السابق: اتفاقية “أوكوس” AUKUS بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وشراكة “كواد” Quad الأمنية التي تركز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتقارب بين سيول وطوكيو، وضوابط التصدير المشتركة على أشباه الموصلات، واستجابة أوروبية وآسيوية منسقة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. ولم يكن أي من هذا من تصميم ترمب، لكنه يوضح كيف يمكن لتوترات حقبة ما أن تنتج قدرات في الحقبة التالية، مما يمنح القادة اللاحقين فرصة لتعزيز التحالفات بطرق كانت في السابق بعيدة المنال.
التقارب أخيراً
اليوم، تكتسب هذه الديناميكية قوة خاصة نظراً إلى أن تصورات الحلفاء في شأن التهديدات تتقارب وتتزايد حدتها في ظل تحد مشترك مصدره بكين وموسكو، حتى في وقت يواجه فيه الحلفاء تحدياً قصير الأجل من واشنطن. وهذا أمر لافت، لأن تصورات الحلفاء للتهديد، منذ نهاية الحرب الباردة، كانت غالباً متباينة. فعلى سبيل المثال، أصبحت أوروبا تدريجاً أكثر قلقاً إزاء التحدي العسكري الروسي، لكنها تعاملت عموماً مع الصين باعتبارها سوقاً ومركزاً للتصنيع. أما الحلفاء الآسيويون، فغالباً ما رأوا الأمر على نحو معكوس، فقد كانوا حذرين من القوة العسكرية الصينية المتنامية، لكنهم كانوا أقل قلقاً في شأن روسيا، معتبرين أن مواردها من الطاقة تمثل فرصة اقتصادية. وقد صب هذا التباين في مصلحة بكين وموسكو. وعلى مدى عقود، سعت واشنطن جاهدة إلى توحيد التصورات عبر مختلف الساحات، ولكن من دون جدوى تذكر.
لكن هذا التقارب بدأ يتحقق أخيراً. فقد أسهم السلوك الصيني والروسي، أكثر من أي مبادرة غربية، في نسج روابط بين أوروبا وآسيا. وأدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تحطيم ما تبقى من أوهام في أوروبا، ليس في شأن موسكو فحسب، بل في شأن بكين أيضاً. فقد أصبحت الصين أهم داعم لروسيا، إذ توفر لها تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، بل ودعماً عسكرياً فتاكاً في ساحة المعركة، إلى جانب دعم مالي وصناعي ودبلوماسي حاسم. والصين هي التي تعمل على بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الروسية وتعزيز القدرات العسكرية التي تهدد أوروبا الآن. وتجسيداً لهذا الإدراك، تصف بيانات الناتو الصين الآن بأنها “عامل تمكين حاسم” للحرب الروسية، ويرى أمينه العام أنه يجب النظر إلى مسرحي المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا “كمسرح واحد”. أما الدول الآسيوية، فهي ترى في استخدام روسيا الصادم للقوة مؤشراً إلى الأخطار التي قد تواجهها إذا اختل التوازن العسكري مع الصين أكثر. وقد وقفت اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وحتى سنغافورة إلى جانب أوكرانيا، معتبرة أن هزيمة روسيا ضرورية لكبح الطموحات الصينية. وأصبح قادة شركاء الناتو الأربعة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، يحضرون بانتظام قمم الحلف. وفي الوقت نفسه تعمل بكين وموسكو أيضاً على توثيق علاقاتهما في آسيا، من خلال إجراء مناورات ودوريات للقاذفات الاستراتيجية قرب حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك خلال تجمعات كبرى متعددة الأطراف.
ولم تتغير تصورات الحلفاء للتهديد في البعد الأمني فحسب، بل أيضاً، وربما بصورة أكثر إثارة للدهشة، في البعدين الاقتصادي والتكنولوجي. فالحكومات الآسيوية والأوروبية على حد سواء بدأت تنظر إلى الصين بالطريقة نفسها التي كثيراً ما نظرت بها الولايات المتحدة إليها، باعتبارها قوة تجارية مركنتيلية تستهدف أسس قوتها الصناعية. ويتحدث القادة الأوروبيون الآن عن “صدمة صينية” ثانية، تتمثل في تدفق السلع المصنعة المدعومة حكومياً، وهو ما وصفه ماكرون بأنه “يقتل حرفياً جزءاً كبيراً من الصناعة الأوروبية”. وقد حذرت فون دير لاين من “الطاقات الإنتاجية الفائضة الصينية التي تضعف قاعدتنا التصنيعية”، ووصفت الوضع بأنه “ببساطة غير مستدام”. وقد طرح ميرتس فكرة “اتفاق بلازا” جديد لإجبار الصين على رفع قيمة عملتها.
لكن أياً من ذلك لا يرقى حتى الآن إلى مستوى سياسة موحدة بين الحلفاء. فالتقارب في شأن طبيعة التهديد لا يعني توافقاً كاملاً على كيفية الاستجابة له، سواء في البعد الأمني أو الاقتصادي، إذ توجد أيضاً انقسامات حول مدى الابتعاد عن الأخطار الناجمة عن الاعتماد على الصين، وكيفية تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والأمنية، وكيفية إدارة السياسة تجاه تايوان وأوكرانيا، لكن التشخيص المشترك للمشكلة يمثل شرطاً مسبقاً للعمل المشترك، وللمرة الأولى منذ جيل، بدأ هذا التشخيص يتطابق بين الحلفاء.
ويمثل هذا التقارب حقيقة جيوسياسية لافتة. فحتى خلال الحرب الباردة، اختلف الحلفاء في تصوراتهم للتهديد، إذ انتهجت ألمانيا الغربية سياسة “أوستبوليتيك”، أي سياسة الانفتاح على تكتل الدول الاشتراكية في شرق أوروبا، في وقت ضغطت فيه دول الخطوط الأمامية من أجل الردع، وأدت عمليات نشر الصواريخ النووية المتوسطة المدى في أوروبا إلى انقسام الرأي العام والحكومات على حد سواء. وبحسب بعض المقاييس، هناك اليوم درجة أكبر من الوحدة والتوافق مقارنة بما كانت عليه الحال آنذاك، حتى في مواجهة تهديد أقل إلحاحاً. والأهم من ذلك أن المحيطين الأطلسي والهادئ لم يعودا يعملان باعتبارهما مجالين استراتيجيين منفصلين تماماً، مما يمهد الطريق أمام جهود تحالفية عالمية حقيقية، حتى لو كان من المستبعد أن تستفيد إدارة ترمب من هذا التقارب خلال العامين والنصف المقبلين.
الروابط التي توحد الحلفاء
لا شك في أن الحلفاء يسعون إلى تقليل أخطار الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات رئيسة من خلال تشكيل تحالفات جديدة تضم قوى متوسطة، لكن التحول نحو تقليل الأخطار يواجه قوى واتجاهات أكبر تخفف أثره وتتغلب عليه في نهاية المطاف: ارتفاع الصادرات الصينية في المجال الاقتصادي، وثورة الذكاء الاصطناعي في المجال التكنولوجي، وزيادة الإنفاق الدفاعي في المجال العسكري. وهذه الاتجاهات تخلق روابط جديدة مع واشنطن بوتيرة أسرع من القدرة على كسر الروابط القديمة.
ففي المجال الاقتصادي، تستوعب الولايات المتحدة حالياً ما بين 20 و30 في المئة من إجمال صادرات الحلفاء، وهي حصة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل خمسة أعوام حتى، في وقت تشتري فيه الصين كميات أقل. وفي العام الماضي، وحتى في خضم الحرب التجارية، صدرت أوروبا واليابان والهند إلى الولايات المتحدة كميات أكبر بكثير مما صدرت إلى الصين، وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، انخفضت صادرات أوروبا إلى الصين بنحو 15 في المئة، وصادرات كل من اليابان وكوريا الجنوبية والهند بنحو 20 في المئة، في حين ارتفعت صادرات كل من أوروبا وكوريا الجنوبية والهند إلى الولايات المتحدة بنحو 30 في المئة. وهذا الاعتماد على السوق الأميركية سينمو: إذ ستجعل الصدمة الصينية الثانية السوق الأميركية شريان حياة أكثر أهمية. كذلك فإن جهود إعادة التصنيع الأميركية تعتمد بصورة متزايدة على استثمارات الحلفاء وتبادل التكنولوجيا، بدءاً من بناء السفن ووصولاً إلى أشباه الموصلات والبطاريات، مما يعزز الترابط المتبادل.
وأصبح من الصعب بصورة متزايدة فك الروابط والاعتماد المتبادل في مجال التكنولوجيا بين الولايات المتحدة وحلفائها، ويرجع ذلك جزئياً إلى ثورة الذكاء الاصطناعي. وتتوالى التقارير عن توجيهات الحكومات الأوروبية لمسؤوليها بالتخلي عن “مايكروسوفت تيمز” Microsoft Teams و”زوم” وZoom، والانتقال بعيداً من أنظمة التشغيل الأميركية، وإنشاء بدائل “سيادية” في مجالي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. إلا أن الموجة الجديدة من الابتكار التكنولوجي تنشئ مجدداً أشكالاً جديدة من اعتماد الحلفاء على الولايات المتحدة. فالاعتماد الذي كان قائماً بالأمس على أنظمة تشغيل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الأميركية لم يتلاش، وأصبح حلفاء الولايات المتحدة يعتمدون الآن أيضاً على البنية التحتية الأميركية للحوسبة السحابية، والرقائق المتقدمة، ونماذج الذكاء الاصطناعي. وتستحوذ ثلاث شركات أميركية عملاقة في مجال الحوسبة السحابية، وهي “أمازون”، و”غوغل”، و”مايكروسوفت”، على نحو ثلثي سوق الحوسبة السحابية العالمية، بينما لا تستحوذ الشركات الأوروبية إلا على نحو 15 في المئة من سوقها المحلية.
ومن المتوقع أن تنفق شركات الحوسبة السحابية الأميركية العملاقة أكثر من 700 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عام 2026، مقابل نحو 13 مليار دولار تنفقها أوروبا على بنيتها السيادية. والفجوة آخذة في الاتساع. فجهود أوروبا لا تزال، في الوقت الراهن، متواضعة للغاية، ومقيدة للغاية بالتنظيمات، ومجزأة للغاية، وتركز بصورة مفرطة على تخفيف القيود الحكومية بدلاً من تشجيع الاستخدام التجاري، مما يحول دون إحداث تغيير جذري في التبعيات وعلاقات الاعتماد التي تراكمت على مدى عقود (وفي الوقت نفسه ستظل الولايات المتحدة تعتمد على آلات الطباعة الحجرية الهولندية، والبصريات وأجهزة الليزر الألمانية، والمواد الكيماوية اليابانية، ومصانع أشباه الموصلات في تايوان لتحقيق أجندتها في مجال الذكاء الاصطناعي).
أما المجال العسكري، فهو المجال الذي قد يكون فيه الترابط أشد إحكاماً. فجهود الحلفاء لتقليل أخطار الاعتماد على الولايات المتحدة يقابلها اتجاه أقوى وهو أن كل حليف يسعى في الوقت نفسه إلى أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي منذ جيل، في مواجهة التهديدات الصينية والروسية المتصاعدة، وبطرق تقربه من واشنطن. ويتضح هذا المنطق جلياً في آسيا. فحتى في ظل مهاجمة ترمب الحلفاء الآسيويين خطابياً بين الحين والآخر، سعت تايوان إلى الحصول على أسلحة أميركية جديدة بقيمة 25 مليار دولار، وسعت اليابان إلى شراء مزيد من طائرات “أف-35” المقاتلة وصواريخ “توماهوك” بالتوازي مع دمج هياكل القيادة مع الولايات المتحدة، في حين سعت كوريا الجنوبية إلى تعاون جديد في شأن الغواصات النووية، وعززت الهند اعتمادها على المحركات النفاثة الأميركية.
وعلى رغم أن أوروبا بذلت جهوداً أكبر لتقليل الأخطار، فإن الروابط هنا أيضاً قوية. فأكثر من 80 في المئة من جهود إعادة التسلح الأوروبية الجديدة البالغة قيمتها 860 مليار دولار مفتوحة بالكامل أمام الشركات الأميركية، في حين أن نسبة الـ20 في المئة المتبقية، والمخصصة حصرياً للشركات الأوروبية، تتضمن استثناءات عدة تسمح بالمشاركة الأميركية. كذلك فإن شركات التكنولوجيا الدفاعية الأوروبية الرائدة الجديدة، من “هيلسينغ” Helsing إلى “ستارك ديفنس” Stark Defense، تحصل على تمويل كبير من رؤوس الأموال الأميركية، من نيويورك إلى مينلو بارك. وخلال الأعوام القليلة الماضية، ارتفعت حصة الشركات الأميركية من مشتريات الدفاع الأوروبية، وفقاً لأحد المقاييس، من نحو 28 في المئة في الفترة الممتدة بين 2019 و2021 إلى 51 في المئة في الفترة الممتدة بين 2022 و2024، إذ أدى تصاعد حدة الحرب في أوكرانيا إلى زيادة الطلب الذي لم تستطع أي جهة تلبيته بالسرعة والحجم المطلوبين سوى الولايات المتحدة.
وحتى مع ابتعاد الكنديين والأوروبيين عن بعض المنصات الأميركية وشرائهم من بعضهم بعضاً، فإن تلك المنصات الجديدة، التي لن تصل قبل عقد آخر من الزمن، تعمق الاعتماد على الولايات المتحدة في البنية التحتية للحرب العالية الكثافة، مثل وصلات البيانات التكتيكية اللازمة لعمليات القيادة والسيطرة المشتركة بين الحلفاء. كذلك لا يملك الحلفاء الأوروبيون بديلاً عن الولايات المتحدة في مجال الإنذار المبكر الذي يكشف إطلاق الصواريخ والقائم على الأقمار الاصطناعية، أو في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الحيوية. وحتى ميرتس نفسه أقر بأن أوروبا “ستظل تعتمد على الولايات المتحدة الأميركية فترة طويلة مقبلة”.
إن محاولات القوى المتوسطة التحوط وتنويع خياراتها الاستراتيجية لا تتراجع أمام اتجاهات وقوى أكبر فحسب، بل إن هذه المحاولات لا تعني في حد ذاتها أن منظومة التحالفات تواجه أزمة، خلافاً لما يعتقده كثر. فما زالت القوى المتوسطة تعمل مع واشنطن في وقت تسعى فيه إلى بناء علاقات جديدة في أماكن أخرى. وفي معظم الحالات، تكون تلك العلاقات الجديدة مع حلفاء وشركاء للولايات المتحدة، وكثير منها يمتد عبر مسارح مختلفة بطرق كثيراً ما شجعت عليها واشنطن، مع وجود لاعبين رئيسين مثل الهند واليابان في قلب شبكة العلاقات هذه. وما يبدو الآن وكأنه تقليل للأخطار سيصبح، على المدى الطويل، استثماراً في شبكة التحالفات وفي القدرات التي كثيراً ما سعت واشنطن إلى تعزيزها، مثل الإنتاج الدفاعي، ومرونة سلاسل الإمداد، وقابلية التشغيل البيني. وقد تكون سياسات إدارة ترمب هي المحفز لهذا التحول، لكن زيادة تماسك الحلفاء وقدراتهم ستستمر بعد رحيله.
الدولة العميقة الحقيقية
ليست القوى الخارجية هي وحدها التي تدفع التحالفات إلى التقارب، بل القوى الموجودة داخل هذه التحالفات أيضاً. فقد حاول ترمب وفريقه استئصال ما يسمى “الدولة العميقة” من نشطاء حركة “اليقظة” أو “ووك”، لكن الدولة العميقة الحقيقية أكثر واقعية وأشد تأثيراً. فالمتخصصون في شؤون التحالفات يواصلون إدارة شؤون التعاون اليومية بعيداً من صخب الاتهامات العلنية، ومن بينهم المخططون العسكريون وضباط الاستخبارات، ومتخصصو ضوابط التصدير والمتخصصون في العقوبات، ومحافظو البنوك المركزية والمفاوضون التجاريون، والمهندسون واضعو المعايير الذين يضمنون استمرار قدرة الأنظمة المتحالفة على التواصل والعمل معاً. وهم يشكلون شبكة كثيفة من العلاقات التي بنيت ورعيت على مدى عقود. ولأن هذا العمل تقني وليس سياسياً، ولأنه يجري وفق جداول زمنية تمتد أعواماً، بل عقوداً أحياناً، فإنه بطيء في التأسيس، لكنه بطيء أيضاً في التفكك. وهذه الرتابة تحديداً تمنح التحالفات ثباتاً واستقراراً في مواجهة دورة سياسية مضطربة.
ويتجلى هذا الزخم المطرد في أن كثيراً من أوجه التعاون استمرت، لا بل تعمقت، في عهد إدارة ترمب، على رغم التوترات على مستوى القيادة. فعلى رغم استياء الهند بسبب الرسوم الجمركية القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة، بقيت العلاقة الدفاعية بين البلدين بمنأى عن الخلاف التجاري: ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وقع البلدان إطاراً دفاعياً جديداً مدته 10 أعوام، يعزز قابلية التشغيل البيني في جميع المجالات. كذلك فإن تحالف “أوكوس”، الذي خضع لمراجعة متشككة من جانب البنتاغون تحت شعار “أميركا أولاً”، قد خرج سليماً، بعدما نجا بحلول ذلك الوقت من تغييرات الحكومات في الدول الأعضاء الثلاث. وفي الفيليبين، توسعت المناورات العسكرية السنوية المعروفة باسم “باليكاتان” (وتعني “كتفاً لكتف”) عام 2025 لتصبح الأكبر في تاريخها، بمشاركة 16 ألف جندي، وخطط طوارئ مشتركة بين الحلفاء، وقوات يابانية. كذلك فإن التوترات التجارية مع كوريا الجنوبية لم تمنع زيادة التعاون في شأن الغواصات النووية.
وقد أدى الكونغرس دوراً في الحفاظ على قوة هذه العلاقات أيضاً. فعلى رغم الاستقطاب السياسي، لا تزال غالبية من الحزبين تدعم الناتو، والشراكات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مثل “أوكوس” و”كواد”، والتكامل بين الصناعات الدفاعية. وبغض النظر عن الخلافات في شأن تقاسم الأعباء والتجارة، فإن قلة من الأعضاء الجادين في كلا الحزبين تؤيد التخلي التام أو حتى الجزئي عن هياكل التحالفات. وحتى القيادة الجمهورية أكثر اعتدالاً في هذا الصدد. فقد صرح ثون، على سبيل المثال أن “لدينا عدداً كبيراً من الناس الذين يعتقدون أن الناتو تحالف بالغ الأهمية وناجح للغاية بعد الحرب العالمية الثانية. وأعتقد أنه في عالم اليوم، تحتاج إلى حلفاء”. وبالفعل، منع الكونغرس الانسحاب من الناتو من دون موافقة صريحة منه.
يبدو أن حلفاء الولايات المتحدة، من جانبهم، يميلون أحياناً إلى التشبث بصورة مثالية عن الولايات المتحدة، في محاولة للحفاظ على نظرتهم الإيجابية الراسخة إليها رغم الأدلة المتزايدة التي تناقضها. فاليابان، على رغم استيائها الشديد من الرسوم الجمركية الأميركية وانفتاح ترمب على سياسة الانفراج مع بكين، فضلاً عن فشل واشنطن الصارخ في دعم رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مواجهة الضغوط الصينية الشديدة، مصممة على التصرف وكأن التحالف لا يزال قوياً كما كان دائماً. وقد تمسكت المملكة المتحدة، بعزم مماثل، بفكرة “العلاقة الخاصة”، كما رحب الأمين العام للناتو بالإدارة الأميركية وأبدى ثقة في العلاقة يجد كثر صعوبة في تفسيرها. ويمثل بعض ذلك إيماناً حقيقياً بنظام التحالف، فيما يمثل بعضه الآخر نوعاً من البراغماتية القائمة على مبدأ “تظاهر بأن كل شيء على ما يرام إلى أن تنجح في تخطي فترة ترمب”. على أي حال، تحمل هذه الخطابات فوائد استقرارية ويمكنها فعلياً أن تشتري للتحالفات مزيداً من الوقت.
ما بعد الطوفان
إن تشبث الحلفاء بموقفهم في مواجهة العداء الترمبي لا تحركه الضرورات الأمنية والاقتصادية الراهنة فحسب، بل إنه يدل أيضاً على إدراك فطري بأن البدائل المحتملة لعالم يسهم نظام التحالفات في ضمان أمنه، ستكون أسوأ بكثير بالنسبة إلى الحلفاء. وحتى مع الضرر الحقيقي الذي ألحقه ترمب بالثقة وبالقدرة على التنبؤ، تظل منظومة التحالفات الخيار الأفضل.
إن البديل الأول المحتمل أمام الحلفاء هو التعددية القطبية العالمية، أي عالم بلا قواعد، وبلا اصطفافات ثابتة، تسعى كل دولة فيه إلى تحقيق مصلحتها الخاصة. وقد يؤدي هذا السيناريو الهوبيزي (نسبة إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز) إلى حرب كارثية، مثلما حدث قبل الحرب العالمية الأولى. ومن شأنه أن يؤدي إلى فقدان الدول الصغيرة سيادتها، ودفع القوى المتوسطة إلى امتلاك أسلحة نووية، وإقدام القوى العظمى على خوض سباقات تسلح.
أما البديل الثاني، وهو مناطق النفوذ، فيضيف قدراً ضئيلاً من البنية المستقرة، بحيث تدير كل قوة عظمى المناطق المجاورة لها وتتراجع الولايات المتحدة إلى نصف الكرة الغربي، لكن القوى العظمى تتنافس باستمرار على مناطق نفوذ بعضها بعضاً، مثلما فعلت بعد الحروب النابليونية ومرة أخرى بعد مؤتمر يالطا، كذلك فإن مناطق النفوذ لا تستطيع وقف حروب سلاسل الإمداد أو مواجهة التحديات العابرة للحدود، بدءاً من الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى ارتفاع منسوب مياه البحار. وثمة احتمال ثالث يوفر درجة أكبر من النظام مقارنة بالاحتمالين السابقين، ويتمثل في تعاون بين القوى العظمى يفضي إلى سلام تديره العواصم الكبرى، لكن هذا السناريو يبدو غير واقعي اليوم، في ظل عجز القوى العظمى حتى عن التعاون في معالجة تغير المناخ، ناهيك بتحديد الشكل الكامل للنظام العالمي. وحتى لو تبين أن هذين السيناريوهين الأخيرين قابلان للتطبيق، فإنهما سيكونان أقل ملاءمة بكثير للمصالح الاقتصادية والأمنية لحلفاء الولايات المتحدة الحاليين.
وثمة بديل رابع أكثر ترجيحاً من البدائل الثلاثة جميعاً، وهو الهيمنة الصينية الجزئية. فالتعددية القطبية، ومناطق النفوذ، وتوافقات القوى العظمى، تفترض جميعها قدراً من المساواة العامة بين القوى العظمى، وهو أمر يبدو غير مرجح بالنظر إلى حجم الصين الهائل: إذ تمتلك الصين ضعف القدرة التصنيعية للولايات المتحدة، واقتصاداً أكبر بنسبة 30 في المئة من حيث القوة الشرائية، وأكبر بحرية في العالم، وفائضاً عالمياً غير مسبوق في السلع يبلغ 1.2 تريليون دولار، وتفوقاً ساحقاً في تقنيات تمتد من السيارات الكهربائية إلى الروبوتات. وستنشئ الهيمنة الصينية الجزئية عالماً منظماً حول الخضوع لبكين، ومدعوماً بثقل الصين، تاركة الولايات المتحدة وشركاءها وقد تآكلت قواعدهم الصناعية، وتجاوزتهم الصين تكنولوجياً، وأزاحتهم تجارياً، وربما هزمتهم عسكرياً، وجردتهم من الوظائف ذات الأجور المجزية. وسيؤدي هذا الاعتماد على الصين إلى انزلاق الولايات المتحدة وشركائها إلى أسفل سلسلة القيمة العالمية، بحيث تصبح اقتصاداتهم معتمدة على العقارات والسياحة والسلع الأولية والتمويل، وربما التهرب الضريبي العابر للحدود.
وبات واضحاً بصورة متزايدة لصانعي السياسات في عواصم الحلفاء، كذلك ينبغي أن يصبح واضحاً للقادة الأميركيين في مرحلة ما بعد ترمب، أن “القدرة الجماعية للحلفاء” هي السبيل الوحيد لتحقيق التوازن مع الصين، وهي بديل خامس للنظام العالمي في المستقبل. وسيتطلب ذلك من الحلفاء تجميع الأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا والقدرات العسكرية، بحيث تعمل التحالفات كمنصات لبناء القدرات، وليس فقط للردع العسكري. ومن شأن التكاتف بهذه الطريقة أن ينتج تحالفاً يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي ضعف الناتج المحلي الإجمالي للصين، محسوباً وفق تعادل القوة الشرائية، ويتجاوز إنفاقه العسكري ضعف الإنفاق العسكري الصيني أيضاً، وسيكون هذا التحالف هو المنتج الأكبر لبراءات الاختراع النشطة وللمنشورات التي تحظى بأكبر قدر من الاستشهادات في الأوساط العلمية، والشريك التجاري الأكبر لمعظم دول العالم، وسيستأثر بنصف التصنيع العالمي مقابل الثلث للصين. وهذه الحقائق الهيكلية لا تجعل بناء هذه “القدرة الجماعية للحلفاء” أمراً مستحيلاً، بل تزيد من احتمالات تحقيقها، وتؤكد ضرورتها، في وقت تؤدي فيه ردود الفعل على سياسات ترمب إلى تعزيز قدرة حلفاء الولايات المتحدة على تقديم مزيد من المساهمات والدعم لواشنطن.
ومن أهم المؤشرات إلى أن هذا المسار ممكن هو حجم الجهد الذي تبذله بكين لإحباطه. فقد توصل علماء السياسة، مثل ويليام وولفورث وفيكتوريا تين-بور هوي، إلى أن الدول المهيمنة سعت على مر التاريخ إلى تفكيك الائتلافات التي تتشكل ضدها بصورة نشطة، قبل أن تتمكن تلك الائتلافات من التماسك. وحتى تحالف الحرب الباردة في القرن الـ20، الذي كان في نهاية المطاف قصة نجاح باهرة، واجه تحديات جمة، إذ تدخلت موسكو علناً في سياسات أوروبا الغربية بهدف إبعاد أوروبا عن الولايات المتحدة. ولتحقيق هذه الغاية، تنتهج بكين استراتيجيتها الخاصة لتفكيك الائتلافات والتحالفات، مستغلة سيطرتها على سلاسل التوريد العالمية لتهديد الحكومات الأخرى أو معاقبتها. ويعوق ذلك العمل الجماعي، لأن كل دولة، عندما تعرض عليها تسهيلات أو إعفاءات انتقائية في بعض الحالات، تجد سبباً يدفعها إلى عقد صفقة خاصة بها بدلاً من التمسك بالموقف المشترك مع الآخرين، لكن اللافت للنظر اليوم هو ضآلة ما حققته هذه الجهود الصينية حتى الآن، على رغم كل ما فعله ترمب لمساعدة بكين في هذه المسألة.
من الصمود إلى التحالف الواسع
في أعقاب ترمب، لن تنشأ “القدرة الجماعية للحلفاء” تلقائياً. وكأي مشروع بناء طموح، سيتطلب الأمر مهندسين وخطة، لكن هذا الأمر أكثر قابلية للتحقق مما قد يبدو عليه. فكل عملية تجديد ناجحة لنظام التحالفات كانت مدفوعة بأجندة تتطلع إلى المستقبل، لا بمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بدافع الحنين إلى الأيام الذهبية، كذلك فإن صدمة ولاية ترمب الثانية تدفن الحنين إلى الماضي وتدفع واشنطن والعواصم الحليفة على حد سواء إلى إعادة تقييم ضرورية للواقع.
وينبغي أن تحل براغماتية أكبر محل التشاؤم السائد حالياً في واشنطن، جزئياً حتى لا يتحول هذا التشاؤم من دون داع إلى نبوءة تحقق ذاتها، فتجعل المضي قدماً أكثر صعوبة. لقد آن الأوان للانتقال من توثيق التحديات إلى البحث في الحلول. ويجب أن تصبح مسألة كيفية إعادة بناء هيكل التحالفات الأميركية وإصلاحه محوراً أساساً في النقاش حول “ما بعد ذلك”، الذي سيحتدم مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2028.
ويشكك كثر في أن أياً من هذه الخيارات لا يزال ممكناً. ومع ذلك، فإن النموذج المقترح موجود بالفعل وقد استخدمته الإدارات المتعاقبة، ويجري تطبيقه حتى الآن. وقد ظلت سماته الأساسية ثابتة على مدى أعوام طويلة، فهو مدعوم من البيت الأبيض، ومبني على مشاريع ملموسة، ومنظم من خلال ائتلافات موقتة تضم الحلفاء الراغبين في المشاركة. وقد عملت إدارة بايدن بهذه الطريقة لإطلاق تحالف “أوكوس” والحفاظ على التحالف الداعم لأوكرانيا. وفي بعض الأحيان، اتبعت إدارة ترمب النهج نفسه، إذ زودت مبادرات ورثتها عن الإدارة السابقة، مثل الركيزة الثانية من اتفاقية “أوكوس”، بموارد جديدة وكبيرة، وسعت في الوقت نفسه إلى إطلاق مبادرات جديدة مثل شراكة في مجال المعادن الحيوية تضم أكثر من 50 دولة، وصفها نائب الرئيس جي دي فانس بأنها “كتلة تجارية بين الحلفاء والشركاء”. إن ظهور النموذج نفسه في ظل إدارتين مختلفتين إلى هذا الحد يمثل أقوى دليل على إمكان تحقيق “القدرة الجماعية للحلفاء” بعد ترمب.
والخطوة الأولى هي تقييم مشترك للتحدي، وكما يشير التقارب المذكور أعلاه، فإن تصورات الحلفاء في شأن الصين وروسيا تتجه نحو التوافق للمرة الأولى منذ جيل. والانطلاق من هذا التصور المشترك سيتطلب طي صفحة الحقبة الحالية وبذل جهود استباقية لإعادة بناء الثقة. وسيتعين على واشنطن إقناع حلفائها بأن تحركاتها الأكثر عدوانية كانت نتاج شخصية بعينها، وليست تحولاً دائماً في النظام السياسي. ومن شأن رفض واضح ومشترك بين الحزبين للتهديدات العسكرية ضد غرينلاند أن يساعد في ذلك. وسيكون من المفيد أيضاً إعطاء أولوية متعمدة للالتزامات التي تستمر بعد ولاية أي رئيس: فأوامر السلطة التنفيذية يمكن إلغاؤها بتوقيع واحد، بينما يصعب إلغاء القوانين، وهي التي تمنح الحلفاء الثقة اللازمة للقيام باستثمارات تمتد آثارها عقوداً.
وسيكون من الحكمة أيضاً البدء بمشاريع صغيرة وملموسة تثبت قيمة “القدرة الجماعية للحلفاء” في حالات محددة، وتخلق احتياطات من الثقة. فالمكاسب السريعة تبني الثقة، وهناك فرصة لإطلاق تجارب مبتكرة في مجالات مثل سلاسل إمداد الأدوية والإنتاج المشترك للذخائر. وينبغي أن يكون التواضع هو المبدأ الحاكم. وقد يكون الميل الطبيعي هو السعي إلى اتفاقات تحالفية شاملة، لكن ينبغي مقاومة هذا الميل. فإذا استهدفت الجهود المنفصلة المجالات التي تحظى بأكبر قدر من التوافق، مثل نقطة اختناق تسيطر عليها الصين بصورة حادة بصورة خاصة على سبيل المثال، فإن تحقيق عائد كبير من شأنه أن يعزز الزخم. ويمكن أن يساعد ذلك في تجاوز العقبات الموجودة في البيئة السياسية الداخلية.
ومن شأن ذلك أن يمهد الطريق للانتقال من المشاريع الصغيرة إلى جهود أوسع وأكثر طموحاً تشمل عدداً أكبر من الشركاء. ويجب أن يكون المبدأ المنظم لهذه المشاريع هو المنفعة المتبادلة، التي تتجسد في تدفقات متبادلة من القدرات. فقد كان نموذج التحالفات التقليدي يتعامل مع الشركاء باعتبارهم تابعين، ومتلقين للحماية والأسواق الأميركية. أما التحالف القائم على تنازلات أحادية الجانب فهو هش. وعلى النقيض من ذلك، فإن الاعتماد المتبادل من شأنه أن ينشئ قواعد شعبية داعمة للعلاقة في كل عاصمة، ولهذا السبب ينبغي تصميم المشاريع الأولى بحيث تحقق مكاسب سياسية واضحة في مختلف الدول الحليفة. ومن شأن القدرات الجديدة للحلفاء، والفهم الواضح لدى الناخبين الأميركيين لكلف تبديد هذه القدرات، أن تجعل هذا النوع من المعاملة المتبادلة الحقيقية ممكناً بطرق لم تكن متاحة ببساطة قبل بضعة أعوام.
وفي نهاية المطاف، سيتطلب تجديد التحالفات غاية إيجابية واضحة. فلا يمكن أن يكون التحالف مجرد تجمع دفاعي في مواجهة الصين، تتحدد هويته من خلال ما يعارضه. بل يجب أن يدافع هذا النظام عن شيء ما: نظام منفتح ومزدهر وديناميكي من الناحية التكنولوجية، يرغب أعضاؤه بشدة في العيش في ظله، ويرغب الآخرون في الانضمام إليه. وينبغي أن تكون بداية صياغة مثل هذه الرؤية مهمة أساسية للسياسة الخارجية الأميركية في الأعوام المقبلة.
وقد تبدو هذه الآفاق متفائلة في الوقت الراهن، لكن ذلك يجعل من الضروري أكثر من أي وقت مضى استذكار مدى خطورة أزمات الماضي ومدى قوة العوامل الهيكلية المحركة للأحداث اليوم. فما زالت مصالح الولايات المتحدة وشركائها تسير في الاتجاه نفسه، بل إن هذا المنطق ازداد قوة مع تنامي قوة الصين واصطفاف القوى التعديلية الأخرى إلى جانبها. وسيكون من الحكمة أن يتذكر حلفاء الولايات المتحدة أنه على رغم كل غضبهم وقلقهم المشروعين، فإن الأميركيين الموجودين اليوم هم الأميركيون الوحيدون الذين لديهم، لكن من الحكمة أيضاً أن يأخذ الأميركيون نصيحة كارينغتون ويطبقوها في الاتجاه المعاكس. ففي وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى حلفائها أكثر من أي وقت مضى، يصبح الصبر أمراً بالغ الأهمية. فهم، في نهاية المطاف، الحلفاء الوحيدون الذين يمتلكهم الأميركيون.