
ملخص
أيد عدد من المراجع الشيعية الثأر والانتقام لمقتل المرشد خامنئي، فأصدر حسين نوري همداني، أحد مراجع التقليد في قم، خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً فتوى في هذا الخصوص، وعاد وأكدها مجدداً في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، رداً على رسالة من هيئة رئاسة مجمع ممثلي طلبة وفضلاء الحوزة العلمية في قم، جاء خلالها أن “الثأر لدم القائد واجب على جميع المسلمين، أينما كانوا في العالم”.
أقيمت مراسم الذكرى السنوية لوفاة مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية في إيران روح الله الخميني هذا العام وسط حفلات موسيقية في الشوارع وأجواء من الفرح والاحتفال، خلافاً لما درجت عليه إيران في السابق، حين كانت تسعى إلى إضفاء طابع الحزن والحداد على هذه المناسبة
لكن المقعد المخصص للمرشد الثاني للنظام الإيراني علي خامنئي الذي كان يتصدر المنصة المقابلة لموقع الاحتفال بقي شاغراً، في مشهد رمزي لزعيم قتل في اليوم الأول من الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، فيما لم يتمكن المرشد الجديد مجتبى خامنئي حتى الآن من الجلوس على مقعده.
قتل علي خامنئي في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي داخل مقر القيادة إثر القصف الذي شنته طائرات إسرائيلية وأميركية. إلا أن ملابسات وفاته لا تزال غير واضحة بالنسبة إلى كثير من مسؤولي البلاد. ويقول وزير العلوم الإيراني حسين سيمائي صراف إن “مقتل القائد جرح لم يندمل بعد، ولذلك ينبغي أن نتبادل التعازي في كل مناسبة”، ويرى مستشار المرشد الراحل محمد مخبر أن “مصاب القائد في قلوب الناس لن يبرد أبداً”.
وحتى الآن، لم يعلن أي من المسؤولين الحكوميين بصورة دقيقة كيف وقعت هذه الوفاة، أو ما العوامل التي تضافرت لحدوثها، أو ما كانت عليه حاله خلال لحظاته الأخيرة، بل إنهم سعوا إلى تقديمه بطلاً، وإضفاء طابع بطولي على طريقة مقتله، وتأكيد أنه قضى داخل مقر إقامته ومكتبه. لكن الكاتب الإيراني عطا محامد جمع ضمن تقرير نشره موقع “إيران واير” عدداً من الروايات المتفرقة التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي وسط سيل الأخبار المتدفقة من إيران، مقدماً تفاصيل أولية ومباشرة عن يوم مقتل خامنئي، من بينها رواية وزير الخارجية عباس عراقجي.
كيف قتل علي خامنئي؟
تطرق عراقجي خلال الأيام الأخيرة إلى الكيفية التي قتل بها المرشد علي خامنئي، مجيباً بذلك عن الإشاعات التي كانت أثيرت سابقاً في شأن وجوده داخل مقر القيادة لحظة الهجوم. وقال ضمن مقابلة مع شبكة “الميادين” اللبنانية، “كنت في مكتبه لحظة مقتله. فعندما وقع الهجوم، كنت موجوداً في ذلك المكتب نفسه، مكتب سماحة القائد. تتذكرون أننا أجرينا المفاوضات في جنيف الخميس، ثم عدت لطهران الجمعة، ووقعت هذه الحادثة السبت. كنت ذهبت إلى مكتبه عند الساعة التاسعة صباحاً، وكان لدي موعد مع أحد مسؤولي مكتب القائد لتقديم تقرير حول مفاوضات جنيف، وكذلك لمناقشة الأجواء التي تشكلت منذ الجمعة والتي كانت تزيد من احتمالات اندلاع الحرب. المبنى الذي كنا نجلس فيه تعرض للاستهداف، لكن الجزء الذي كنا موجودين فيه بقي سليماً، فيما تعرض جزء آخر من المبنى للدمار”.
وأضاف عراقجي في وصفه لما جرى “كنت هناك لحظة الانفجار. وكان أول سؤال خطر في ذهني، وأول ما أقلقني، هو ’ما وضع سماحة القائد؟‘ كنت آمل ألا يكون موجوداً في مكتبه في تلك اللحظة، لكنني كنت أرجح، بحكم روتين عمله، أنه كان في المكتب”.
وتابع “على رغم أن الأميركيين كانوا نشروا خلال تلك الأيام ترتيبات عسكرية واسعة النطاق حولنا، وكانت احتمالات الحرب مرتفعة، فإن معنويات القائد كانت على هذا النحو، إذ لم يكُن ينزل إلى الملاجئ، بل كان يواصل عمله من مكتبه”، موضحاً “خلال اليومين الأولين كنت قلقاً للغاية حول ما جرى له، إلى أن تأكد نبأ اغتياله”.
وقبل تصريحات عراقجي، كانت فرق الإغاثة قدمت روايات مقتضبة عن الحادثة، فأوضح نائب رئيس منظمة متطوعي الهلال الأحمر لشؤون الاستقطاب والتنظيم أمير حسين مير محمد صادقي في أوائل مايو (أيار) الماضي أنه “أثناء القصف كنا نجلس خارج مقر القيادة، ولم تكُن في حوزتنا هواتف محمولة بسبب الإجراءات الأمنية”. وعن الأشخاص الذين كانوا موجودين هناك، قال “في اليوم الأول للهجوم رأيت علي لاريجاني وصالحي. وقال الأصدقاء إنهم شاهدوا السيد عراقجي أيضاً، لكنني شخصياً لم أرَه. وكان هناك آخرون خرجوا من المكان مغطين بالغبار والتراب”.
أما الذين عثروا على المرشد الإيراني، فكانوا مجموعة من رجال الإطفاء. ويقول المتحدث باسم جهاز الإطفاء جلال ملكي إنه كان ضمن الفريق الذي انتشل جثمان المرشد الإيراني من تحت الأنقاض، مضيفاً أنه لم يكُن يصدق أن المرشد موجود في ذلك المكان، لأنه كان يسمع دائماً أنه يمتلك قصراً ومكاناً آمناً، غير أن ما أثار الانتباه في روايته هو إضافته تفصيلاً جديداً إلى الروايات المتداولة حول قصف مقر القيادة، إذ قال إن “الغرفة المجاورة لمنزل القائد كانت المكان حيث قتل حفيده، وإن جثمانه كان متفحماً”.
وحتى الآن، لم تنشر سوى روايتين حول الحال الجسدية لعلي خامنئي بعد مقتله، إذ أوضح المتحدث باسم وزارة الصحة حسين كرمان بور خلال مؤتمر صحافي أن الهجوم لم يحدث أمراً استثنائياً لمجتبى خامنئي، المرشد الجديد النظام الإيراني، وأن الجروح لم تشوه الوجه أو المظهر، لكنه أضاف أن مجتبى لم يتعرض لبتر أحد أعضائه “كما حدث للإمام الشهيد”، في إشارة ضمنية إلى أن المرشد السابق للنظام الإيراني فارق الحياة إثر إصابات تضمنت بتر أحد أطرافه.
وفي أول رسالة نسبت إلى نجله مجتبى خامنئي، ورد وصف آخر للحال بعد الوفاة، إذ كتب “حظيت بشرف رؤية جثمانه، فما رأيته كان جبلاً من الصلابة، وسمعت أن يده السليمة كانت مضمومة في قبضة مشدودة”.
لكن هذه الرواية المتناقضة التي تمزج بين ما قيل إنه شوهد وما سمع، لا تقدم صورة دقيقة عن لحظة الوفاة. ومع ذلك، تحولت صورة القبضة المشدودة إلى رمز بالنسبة إلى النظام الإيراني، لدرجة أن هناك خططاً لإقامة تمثال لـ”قبضة القائد” في ساحة الثورة.
وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن عشرات المقاتلات التابعة لسلاح الجو استهدفت مقر القيادة، وقصفت مباني حكومية وأمنية. وفي تأكيد ضمني لهذه الرواية، نشرت وسائل إعلام مقربة من السلطة مقطعاً مصوراً أوردت فيه أن “العدو لم يكتفِ بإطلاق صواريخ كروز، بل نفذ أيضاً غارات جوية على هذه المنطقة”.
من جهته قال عضو البرلمان الإيراني علي نيكزاد في معرض حديثه عن نوعية الذخائر المستخدمة “أبلغت بأن الصواريخ التي أصابت مقر القيادة لم تكُن من النوع الخارق للتحصينات، بل كانت صواريخ كروز. وعلى العالم أن يعلم أن قائدنا لم يكُن في قبو أو ملجأ، بل كان يتابع شؤون البلاد اليومية والمعتادة”. وأضاف أنه كان موجوداً في مكتبه صباح السبت، وسمع من هناك دوي الانفجار الذي استهدف مقر القيادة، قبل أن يتأكد لديهم، بعد نحو ساعة، نبأ مقتل المرشد.
كيف أعلن نبأ وفاته؟
في صباح الـ28 من فبراير الماضي، نشرت صورة التقطت عبر الأقمار الاصطناعية لمقر القيادة، أظهرت تعرضه لقصف عنيف. وبعد ذلك بوقت قصير، جرى تداول مقطع مصور من موقع الانفجار، بدت فيه سحب الدخان والغبار تتصاعد من محيط المقر.
وروى أحد سكان الحي ما شاهده عقب الهجوم، قائلاً “رأينا السيد مسعود خامنئي يخرج من مكتبه، وبدا وكأنه أدرك ما حل بأفراد عائلته. كان في حال ارتباك شديد. خرج من مكتبه ولم يكُن قادراً حتى على المشي. جلس قليلاً على درجات المبنى الإداري، وكانت زوجتي قد ذهبت للمساعدة. أمسكوا به من ذراعيه لمساندته، ثم ساعدوه في الصعود إلى سيارة كانت متوقفة عند الجهة المقابلة”.
وعلى رغم هذه المشاهد، وعلى رغم أن عباس عراقجي كان حاضراً أثناء الحادثة، فإنه قال بعد ساعات قليلة خلال مقابلة صحافية “فقدنا قائداً أو قائدين، وهذا لا يشكل مشكلة كبيرة”. وفي حديثه إلى شبكة “أن بي سي”، شدد على أنه “بحسب ما أعلم، فإن قائد الثورة ورئيس الجمهورية وجميع كبار المسؤولين أحياء وبخير ويتمتعون بصحة جيدة، وكل شيء على ما يرام”.
واعتمد عدد من أعضاء البرلمان النهج نفسه خلال تلك اللحظات، مؤكدين أن المرشد لا يزال على قيد الحياة. ومن بينهم حميد رسائي الذي كتب على منصة “ويراستي”، “أكتب عن علم بأن الإمام خامنئي يتمتع بصحة وسلامة كاملتين، وهو، كما كان خلال حرب الأيام الـ12، يقود الحرب ضد الاستكبار العالمي ويدافع عن الشعب الإيراني الشريف”.
وفي الساعات نفسها، أصدر الحرس الثوري بياناً جاء فيه “لدى ترمب سجل طويل في نشر الأخبار الكاذبة والمفبركة. ومن الأمثلة السابقة على هذا السلوك ادعاؤه سقوط مدينة مشهد، قبل أن يتضح لاحقاً أن هذا الادعاء لا أساس له، وأنه لم يكُن سوى إثارة إعلامية”.
لكن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية أعلنت بعد ساعات قليلة، نبأ وفاته، موضحة أن “قائد الثورة كان، لحظة مقتله، يؤدي واجباته المكلف بها، وكان موجوداً في مقر عمله”.
وأصدر الحرس الثوري لاحقاً بياناً آخر قال فيه إن “اغتياله على أيدي أكثر الإرهابيين وجلادي البشرية والإنسانية شقاء، دليل على حقانية هذا القائد العظيم وقبول خدماته المخلصة”.
وفي معرض شرحه لكيفية اتخاذ قرار إعلان خبر الوفاة، قال علي نيكزاد “كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، وخلال اجتماع تقرر أن يعلن هذا النبأ للشعب الإيراني عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون، قبيل أذان الفجر من الـ28 من فبراير، الموافق للـ11 من شهر رمضان المبارك”. وأضاف “لقد شعر الناس بأنهم أصبحوا أيتاماً، وكان اغتيال قائدنا أمراً مس غيرتنا الدينية”.
وعلى رغم أن جميع الروايات التي نشرت حتى اليوم ركزت على الجوانب البطولية للمرشد الراحل، فإن مهدي خراطيان، أحد المحللين السياسيين، قدم قراءة مختلفة خلال إحدى المقابلات المصورة، قائلاً “كان قائد الثورة ينتقل باستمرار وفق بروتوكولات أمنية معقدة، وكان يتردد على مكتبه لعقد الاجتماعات، كما كان يغير محل إقامته بصورة متواصلة. ولذلك، لا أستطيع تفسير مقتله إلا في إطار وجود اختراق أمني”.
الثأر والانتقام لمقتل المرشد خامنئي
منذ الإعلان عن وفاة المرشد علي خامنئي، كرر مسؤولون في النظام الإيراني دعواتهم إلى الانتقام من خصومهم، فدعا رجل الدين علي رضا بناهيان خلال أحد التجمعات الشعبية، المسؤولين إلى عدم التريث، قائلاً “لا تنتظروا، أقضوا عليهم”. وأضاف أنه “إذا لم يؤخذ بثأر القائد من العدو الذليل، فإن أمن قادتنا في المستقبل سيكون عرضة للخطر، والله على ما أقول شهيد”، وشدد كذلك على أنه إذا طرحت مسألة وقف إطلاق النار، فلا ينبغي القبول بها، مؤكداً أن الموقف الموحد للمسؤولين يجب أن يكون “الانتقام، الانتقام”.
وأيد عدد من المراجع الشيعية هذا التوجه، إذ سبق لحسين نوري همداني، أحد مراجع التقليد في قم، أن أصدر خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً فتوى أكدها مجدداً في الـ28 من فبراير الماضي، رداً على رسالة من هيئة رئاسة مجمع ممثلي طلبة وفضلاء الحوزة العلمية في قم، جاء خلالها أن “الثأر لدم القائد واجب على جميع المسلمين، أينما كانوا في العالم”، وأوضح مدير مكتبه أن الاقتصاص لهذا الدم واجب شرعي يقع على عاتق المسلمين.
في المقابل، طرح مسؤولون آخرون مسألة الانتقام في إطار مفهوم القصاص، وقال رئيس منظمة العقيدة السياسية في قوى الأمن الداخلي علي شيرازي “نحن ماضون في الوفاء بعهدنا والمطالبة بانتقام قاسٍ من المسؤولين عن اغتيال قائدنا”، مضيفاً “ينبغي للجهات المعنية أن تضع الملاحقة القانونية والدولية لهذه الجريمة في مقدمة أولوياتها، وأن ينفذ الحكم الإلهي بحق قتلة الإمام على الملأ”.
لكن جانباً من الخطاب الرسمي تجاوز مفهوم الانتقام إلى فكرة الثأر، إذ قال إمام جمعة مدينة كرج إن “الدم المظلوم للإمام أيقظ الناس، ولم يقتصر أثره على المجتمع الموالي، بل لفت أنظار شعوب أخرى إلى معاني الحقيقة والعدالة”. وشدد على ضرورة الأخذ بثأر القائد، معتبراً أن “تحقيق هذا الثأر لن يكون ممكناً إلا باجتثاث جذور الظلم والطاغوت”.