
تصف مصادر سياسية كردية الضغوط التي تتعرض لها أربيل هذه الأيام بأنها “هائلة”؛ ضغوط إيرانية مباشرة، وأخرى تمارسها الفصائل العراقية الموالية لطهران. وفي مواجهتها لم يختر إقليم كردستان الاصطفاف ولا المواجهة، بل خياراً ثالثاً أكثر كلفة وأقل ضماناً: الحياد. موقف حازم يرفض أن تنطلق من أراضي الإقليم أي تحركات مسلحة ضد إيران، تسنده حركة دبلوماسية محمومة في اتجاهات ثلاثة. لكن السؤال الذي يظل معلقاً هو ما إذا كان الحياد موقفاً يكفي أن يُعلنه صاحبه، أم إنه عرضٌ لا قيمة له ما لم يجد من يقبله.
الاتجاه الأول كان طهران. شارك رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني في جنازة “المرشد” الإيراني خامنئي، على الرغم من سلسلة الهجمات الإيرانية التي أودت بحياة مدنيين، وعناصر من قوات البيشمركة، وأضرّت عميقاً بالنشاط الاقتصادي في الإقليم. وأجرى خلال الزيارة لقاءات مع الرئيس بيزشكيان وعدد من شخصيات الصف الأول، معبّراً عن “تعاطف عميق” مع الراحل والأمة الإيرانية، ومؤكداً أن “التفاهم والاحترام المتبادل والحوار البنّاء هي السبيل الأمثل للسلام والاستقرار في المنطقة”.
خلف لغة المجاملة، كان جوهر الزيارة سلسلة تطمينات. فقد أكد بارزاني أن الإقليم لن يكون منطلقاً لأي تحركات تستهدف إيران، لا من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد الأنباء التي أشارت إلى تأسيس قاعدة إسرائيلية ضمن الأراضي العراقية، ولا من قِبل الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة، حيث يقيم عشرات الآلاف من الأكراد الإيرانيين في مخيمات ومعسكرات منذ الثمانينات، جرى إبعادهم مؤخراً عن المناطق الحدودية تطبيقاً للاتفاقية الأمنية العراقية-الإيرانية. وقدّم هذا الرفض بوصفه موقفاً ثابتاً لا تبدّله ظروف الحرب. المضامين نفسها أوصلها الإقليم إلى أنقرة، التي سبق أن أبلغت واشنطن وتل أبيب استعدادها للتدخل العسكري المباشر إن جرى تسليح جماعات كردية إيرانية لخوض حرب برية، وهو ما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد لوّح به تكراراً.
الاتجاه الثاني كان بغداد. حيث أجرى قادة الإقليم سلسلة زيارات للقاء رئيس الوزراء علي الزيدي وقوى “تحالف إدارة الدولة”. وكان لافتاً استقبال الإقليم لرئيس حزب “تقدم” محمد الحلبوسي، زعيم أكبر كتلة برلمانية سُنية، بعد قطيعة سياسية حادة استمرت شهوراً. في هذه اللقاءات تبنّى الإقليم موقفاً مطابقاً لموقف الحكومة الاتحادية: العراق يجب أن لا يكون بؤرة تنازع بين القوى المتصارعة، لأن ذلك سيخلق ضغوطاً أمنية واقتصادية هائلة قد تتحول إلى نزاعات داخلية، وقد دفع العراق أثمانها الباهظة في سنوات مضت.
غير أن ملفا واحداً بقي خارج هذا التطابق: الفصائل المسلحة. فهي، وفق رؤية الإقليم، لا تلتزم بالتوجهات الاستراتيجية المعلنة للدولة، وتدفع العراق إلى مواجهات مع دول الجوار لا تخدم مصلحته، وتستدرج إجراءات أميركية عقابية قادرة على إيذائه اقتصادياً بشدة. والأهم أن عشرات الهجمات التي استهدفت مخيمات اللاجئين الأكراد الإيرانيين والمصالح الدبلوماسية والاقتصادية في الإقليم انطلقت من مناطق عراقية تسيطر عليها تلك الفصائل، دون أن تتخذ الحكومة الاتحادية بحقها أي إجراء حازم.
الاتجاه الثالث، وهو الأكثر مفاجأة، كان دمشق. حيث زار بارزاني سوريا في ذروة تصعيد فصائل “الحشد الشعبي” ضدها وانتشارها الكثيف على الحدود، وأكد أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي مع قيادتها الجديدة، معلناً تطلعه للعب دور إيجابي في التفاهمات بين السلطة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”. واحتفت القيادة السورية بالزيارة سياسيا ورمزياً، وأعلنت بدء إجراءات افتتاح قنصلية عامة في الإقليم.
“الموقع البولندي”
وراء هذه التحركات عقيدة سياسية لا ارتجال. يشرح مصدر سياسي كردي رفيع لـ”المجلة” أن الإقليم، بحكم حجمه السياسي وقدراته العسكرية وحدوده الدستورية، لا يمكن أن يُستقطب إلى صراعات إقليمية كبرى قد تطيح بكل ما راكمه في العقود الماضية.
ويضيف: “أياً كانت تشعبات المسألة الكردية في المنطقة، فالأساس بالنسبة للقيادة الكردية هو الحفاظ على ما تحقق. وهذا خيار الأكراد العراقيين منذ ستينات القرن الماضي بقيادة الملا مصطفى بارزاني، الذي كان يؤكد أن القضية الكردية في كل دولة يجب أن تراعي شروطها الداخلية، وأن يكون التأثير المتبادل إيجابياً ومسالماً. سلوك الإقليم طوال ربع قرن تطابق مع ذلك تماماً؛ فقد كان عاملاً إيجابياً في التفاهمات التركية مع (حزب العمال الكردستاني) حين طُلب منه ذلك، والأمر نفسه مع أكراد سوريا. ولا يمكن أن يكون غير ذلك مع إيران وأكرادها؛ فالمقيمون الأكراد الإيرانيون هنا لاجئون سياسيون منذ الثمانينات بإشراف أممي واضح، وإيران تعرف ذلك وتقرّ به في اللقاءات الثنائية. ومع ذلك تمارس نوعين من الضغط: ضربات استباقية لشلّ قدرات الأكراد الإيرانيين، حتى السياسية منها، تحسباً لأي تطورات داخلية مقبلة؛ وإبقاء كردستان ضمن لوحة الأهداف، بوصفها طرفاً قريباً من الولايات المتحدة. إنها حرب من طرف واحد، رغم كل مساعينا لتبديد المخاوف”.
ويستعير المصدر صورة تاريخية لتوصيف الموقع: “نحن نشبه فعلياً وضع الدولة البولندية أثناء الحروب الكبرى، التي تتوسط في التصدعات بين قوى إقليمية ذات عمق إمبراطوري. والمسألة الكردية تضاعف مستويات سوء الفهم المتبادل. الإقليم يريد أن يقدّم نموذجاً، فهو حصيلة تفاهم الأكراد العراقيين مع دولتهم، لكن حسابات دول الجوار لا تتطابق بالضرورة مع ذلك”.
البؤرة الأضعف
هنا تحديداً يكمن الخلل في الرهان. يرى الباحث في الشؤون الإقليمية دلشاد شيرزاد أن الحياد لا يعالج السبب الذي يجعل الإقليم هدفاً أصلاً. ويقول لـ”المجلة”: “ليست هذه هي المرة الأولى التي تضغط فيها إيران بكثافة على الإقليم حين ترتفع مخاوف نظامها. فأكثر من مرة، مع اندلاع الاحتجاجات الداخلية، نفذت ضربات جوية لأسباب لم تتمكن من إثباتها، فيما لا تتوقف دعايتها الرسمية عن التشكيك والابتزاز. إيران تستبطن رؤية مفادها أن كردستان هي الطرف الأضعف في المشهد الإقليمي، وأن الضغط عليها شبه مجاني. فذلك يوحي بقوة النظام في الداخل، ويصدّر أزماته إلى الخارج، ويخلق أرضية تطابق استراتيجي مع تركيا، ويرضي أطرافاً عراقية غير ودّية مع التجربة الكردية. لكن الأهم هو إيصال رسائل إلى الولايات المتحدة، التي تعتبرها إيران الجهة الراعية لوجود الإقليم واحتمال تكراره في المنطقة. وستستمر في ذلك أياً كانت التطمينات، ومهما كان سلوك الإقليم حيادياً”.
في هذا التناقض تتلخص مفارقة الحياد الكردي. الإقليم يقرأ موقعه جغرافياً، فيتصرف على أساس أن تقليص الاحتكاك يقلّص الخطر. أما طهران فتقرأه وظيفياً، بوصفه موطئ قدم أميركياً في الجوار، وهي قراءة لا تغيّرها التطمينات لأنها لا تتعلق بسلوك الإقليم بل بوجوده. الحياد سياسة يستطيع الإقليم أن يعتمدها، لكنه لا يستطيع أن يُلزم بها خصومه؛ فهو يشتري بها الوقت، لا الأمان.