وضع الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم في توقيت واحد وسلّة واحدة “قبول” حزبه اللقاء مع القيادة السوريّة من جهة، وشنّ حملة على القيادة اللبنانيّة من جهة أخرى. طاب لـ”الحزب” استعداد الرئيس الأميركيّ للحديث معه، وطاب له ما صدر عن الرئيس السوريّ من استعداد لتجاوز الجرح والحوار معه “إذا ما اقتضت المصلحة ذلك”. لكن لماذا تقبل دمشق تجاوز بيروت والحوار الخلفيّ مع حزب قراره في عاصمة أخرى؟
قال قاسم إنّه “لا مانع من اللقاء بين “الحزب” والقيادة السوريّة، في الوقت المناسب وبتقدير الطرفين”. رفع زعيم الحزب الممانع، على الرغم من التقويم التكفيريّ الذي استقبل به تحوُّل النظام بزعامة “الجولانيّ” على أنقاض نظام سابق دفع “الحزب” من أجل حمايته والدفاع عن جرائمه دماءً من شيعة البلد ودماراً ونكبات لسوريا والسوريّين. ولا نعرف ما الذي دفع قاسم إلى “التبشير” بالأمر بصفته تضحية تُحسب له، مكتشفاً أنّ سوريا سند لبنان كما لبنان سند سوريا، وأنّ “زينب لن تسبى مرّتين”.
يقدّم قاسم “الحزب” بصفته طرفاً ندّاً للدولة السوريّة، وهو ما يحتاج إلى تقدير الطرفين والوقت المناسب لهما لعقد تلك “القمّة” المأمولة. حتّى إنّ في ثنايا الكلام محاضرة يُشتمّ منها ما يشبه الشروط التي توفّر لذلك اللقاء العتيد مشروعيّة ومبرّراً:
لائحة “واجبات” سوريا
المطلوب من الدولة السوريّة “واجبات”، منها أن تبسط العدل (وهو ما يعني أنّه غير موجود حاليّاً)، وضرورة التعاون ونسج علاقة إيجابيّة مع الدولة اللبنانيّة. يوحي الأمر بالحاجة إلى “خدمات” الحزب في هذا المجال وبقدراته على تعطيل أيّ علاقات سويّة بين البلدين. وينتهي “الشيخ” بمطالبة سوريا أن تبقى دولة واحدة وموحّدة، وأن تتمكّن من إخراج القوّات الإسرائيليّة من أراضيها. ولا شكّ أنّ للائحة المطالب بقيّةً يكشفها في إطلالات لاحقة.
لم يتغيّر “الحزب”. ما يزال يعيش زمن السطوة والغرور. قيل سابقاً إنّ له علاقات مع روسيا حتّى علمنا أنّ وفوده إلى موسكو يستقبلها موظّف منخفض المستوى. قيل كلامٌ أيضاً عن علاقات مع فرنسا، وإنّ دبلوماسيّي باريس كانوا يزورون الضاحية الجنوبيّة. لا يضير “الحزب” وضعه على لوائح الإرهاب في بلدان أوروبيّة، ولا يهمّه أن يكون تنظيماً إرهابيّاً وفق القوانين الأميركيّة ما دام الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قال إنّه تواصل معه وردّد أمام ضيفه الرئيس جوزف عون استعداده للتواصل من جديد إذا ما طلب عون منه ذلك.
لا غرابة أن يمنّ قاسم على سوريا برفع المانع للقاء قيادتها الجديدة. لا مانع عند ترامب للحديث إلى “الحزب”، لكن أيضاً لا مانع عند الرئيس السوريّ أحمد الشرع للحوار معه، وفق تصريحات في حزيران الماضي، “إذا كان ذلك يصبّ في مصلحة لبنان وسوريا”. وإذا ما وضع الشرع الاحتمال في سياق سياسة سوريا الجديدة حيال لبنان، بما في ذلك عدم التدخّل في شؤونه واحترام دولته وسيادته واستقلاله، يجدر البحث طويلاً عن مصلحة لبنان وسوريا (أي شرط الحوار) في تجاوز دمشق لحكومة بيروت، والحوار العتيد بشكل موازٍ مع حزب سبّب لسوريا والسوريّين “جرحاً كبيراً”، وفق تصريحات الشرع نفسها عن ذلك الحوار.
يبشّر قاسم دمشق باستعداد حزبه للقاء القيادة السوريّة “في الوقت المناسب وبتقدير الطرفين” في الخطاب نفسه الذي يشنّ فيه هجوماً على القيادة اللبنانيّة. يرى أنّ “السلطة السياسيّة في لبنان كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً لسيادة لبنان”. ويشير إلى أنّ “الرئيس لم يعمل حكماً وجامعاً بل أصبح طرفاً ومفرّقاً، وهذا ما لا ينسجم أبداً مع دوره ومع قوّة لبنان”. وفيما يرمي قاسم أبواب السلطة في لبنان بسهام تخوين وتحريض، يرمي أبواب السلطة في دمشق بالورود مقترحاً تحديد موعد مناسب للطرفين.
من دولة إلى دولة
وعد الرئيس الشرع بتعامل سوريا مع لبنان من دولة إلى دولة. وعد ووفى. بقي التواصل محصوراً بالشخصيّات الرسميّة في الدولتين ما عدا استثناءات عرضيّة قليلة لها ظروفها جمعته بشخصيّات سياسيّة ودينيّة. نعرف أنّ دمشق لم تعطِ مواعيد لكثير من القيادات اللبنانيّة التي طلبت لقاء الرئيس السوريّ، وبعضها تضامنيّ صادق وبعضها انتهازيّ منافق. يؤكّد قاسم في خطابه الأخير أفضال طهران على لبنان في فرض وقف إطلاق النار (الذي لم ينفّذ) وفق مذكّرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة، وكأنّه بذلك يبلغ سوريا أنّه منسجم مع كونه زعيم حزب يفتخر بموالاة إيران ومرشدها.
إذا ما ارتأت دمشق مصلحة في الحوار مع “الحزب” فعنوانه في طهران بصفته جزءاً من ممتلكات الجمهوريّة الإسلاميّة في المنطقة. ولا مصلحة لسوريا ولبنان بحصول لقاء بين الدولة السوريّة وحزب تابع لدولة أجنبيّة يرى الدولة اللبنانيّة عوناً لإسرائيل. ردَّ رئيس الحكومة نوّاف سلام على “الشيخ” وربّما على فكرة حوار “الحزب” مع دمشق بأنّ “العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب إسناد عبثيّة”. فإذا كان “الحزب” يهرب باتّجاه تقديم تنازلات “بقبول” اللقاء مع القيادة في سوريا، فأيّ مصلحة لدمشق في ذلك؟
حصريّة السّلاح
مشروع حكومة لبنان هو حصريّة السلاح بيد الدولة وحدها. وإذا ما فسّر الرئيس الشرع شكل تدخُّل سوريا المحتمل بأنّه دعم دولة لبنان وتمكينها، فلا بندَ على جدول أعمال أيّ لقاء بين “الحزب” والدولة السوريّة إلّا واحد هو حلّ الميليشيا وجعل السلاح بيد الدولة كما يسعى الرئيس الشرع نفسه لجعل سلاح سوريا حصريّاً بيد دمشق… وقد عبّر وزير خارجيّة سوريا أسعد الشيباني عن هذا التوجّه من خلال تأكيده في مؤتمر صحافيّ مشترك مع نظيره التركيّ هاكان فيدان دعم “المساعي والخطوات التي يقودها العراق ولبنان لتعزيز استقرار المنطقة”، معتبراً أنّ “حصر السلاح في العراق ولبنان ينهي أيّ اضطراب في المنطقة”.
