مات والدمان باحث مشارك في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد. شغل سابقاً منصب مستشار خاص لمبعوثي الأمم المتحدة في أفغانستان وسوريا والصومال واليمن.
صامويل شاراب يشغل كرسي الدراسات المتميزة في السياسة الروسية والأوراسية وباحث سياسي أول في مؤسسة “راند”. عمل في فريق تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية خلال إدارة أوباما.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 13 أغسطس (آب) 2026… اندبندنت عربية
ملخص
إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية يتطلب أكثر من تكثيف اللقاءات الدبلوماسية، إذ إن نجاح الوساطة مرهون بمسار تفاوضي منظم ومتعدد الأطراف يمنح موسكو وكييف دوراً حقيقياً في صياغة العملية والتسوية مع مشاركة أوروبية فاعلة. بناء الثقة عبر حوار مستمر وسري، والتركيز على المصالح الأساسية بدلاً من المواقف المعلنة، وتوسيع مساحة المقايضات وصولاً إلى اتفاق إطاري لوقف القتال، تشكل مفاتيح أساسية لرفع فرص نجاح المفاوضات.
منذ أوائل عام 2025، بذلت الولايات المتحدة جهوداً دبلوماسية حثيثة لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. فقد اجتمع المفاوضون في أبوظبي وبرلين وجنيف وإسطنبول وباريس والرياض، وتنقل المبعوثون بين موسكو وميامي. وتستحق هذه الجهود الإشادة. لكن كثافة النشاط لا تعني وجود استراتيجية، وكما أظهرت الضربات المكثفة التي شهدتها أوكرانيا وروسيا في الأسابيع الأخيرة، فإن هذه الجهود لم تُفضِ حتى الآن إلى نتائج.
ومن أجل إحراز تقدم حقيقي نحو السلام، ينبغي لواشنطن أن تستخلص الدروس من عقود من الخبرة في الوساطة الدولية. ومع أن لكل صراع خصوصيته، تُظهر المفاوضات السابقة أن إدارة العملية التفاوضية على نحو سليم أمر بالغ الأهمية، كما أنها تقدم رؤى بشأن الأساليب التي تميل إلى النجاح وتلك التي لا تنجح. فعندما تكون المحادثات منظمة تنظيماً جيداً، وتشعر الأطراف بأن العملية تخصها وأن لها دوراً في توجيهها، وتتفق على مسارها، وتبني علاقات شخصية، يصبح احتمال نجاح المفاوضات أكبر. أما في غياب هذه الشروط، فمن المرجح أن تتعثر الجهود الرامية إلى إنهاء القتال، وستتفاقم الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية والبشرية في الارتفاع.
ولكي تبدأ أي عملية أصلاً، يجب أن تكون الأطراف، بطبيعة الحال، على استعداد للانخراط فيها. وبالرغم من إعلان كييف عن رغبتها في وقف إطلاق النار والتفاوض، فإن الخطاب الأخير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي وصف الحكومة الأوكرانية بـ”المجلس العسكري” في مايو (أيار)، إلى جانب تصاعد الهجمات على المدن الأوكرانية، يشيران إلى أنه ليس في مزاج يسمح بإجراء محادثات.
ومع ذلك، يواجه بوتين أشد ضغوط اقتصادية وعسكرية وسياسية منذ أن شن الغزو الشامل في فبراير (شباط) 2022. فقد تقدمت قواته بأقل من نصف ميل مربع يومياً في يونيو (حزيران) 2026، أي بانخفاض يزيد على 90 في المئة عن معدل التقدم المسجل في يونيو 2025. وفي الوقت نفسه، تؤدي الهجمات الأوكرانية المتزايدة الفعالية بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى إلى تعطيل قطاع الطاقة الروسي وتقليص إيرادات الدولة. كما تؤثر هجمات كييف على المصافي والبنية التحتية اللوجستية في الحياة اليومية في المدن الكبرى. ومع ظهور مؤشرات على تململ الرأي العام، يواجه الكرملين مهمةً أكثر صعوبةً في تحقيق أداء قوي للحزب الحاكم في انتخابات مجلس الدوما في سبتمبر (أيلول). ولا يعني أيٌّ من هذا أن بوتين سيختار المفاوضات بدلاً من القتال، لكن في ظل الضغوط التي يواجهها حالياً، ينبغي على الأقل اختبار هذا الاحتمال.
والعملية التفاوضية المصممة على نحو جيد هي أفضل وسيلة لقياس نوايا بوتين وللتأثير فيها وتشكيلها. ذلك أن القادة لا يلجؤون إلى المفاوضات عندما يواجهون صعوبة في تحقيق أهدافهم العسكرية فحسب، بل أيضاً عندما يرون بديلاً ذا صدقية للحرب. ويمكن لعملية جادة أن تساعد الأطراف على تصور كيف يمكن لتسوية تفاوضية أن تعالج مصالحهم ومخاوفهم الأساسية. ومن دون مثل هذه العملية، سيظل السلام مجرد فكرة بعيدة المنال.
ليست مهمة فردية
تُعد الوساطة في حرب شاملة من أصعب المهام في الشؤون الدولية. فعندما تتصاعد الأعمال العدائية وتطول أمداً، يصبح الحقد والاستياء والرغبة في الانتقام عوامل تجعل الحربَ قادرة على تغذية نفسها بنفسها والاستمرار من دون توقف. وغالباً ما يبدأ القادة في النظر إلى أنفسهم باعتبارهم عالقين في صراع وجودي ضد عدو شرير لا يلين. ويميلون إلى اعتبار المفاوضات إلهاء عبثياً أو خطوة قد تقوض مكانتهم السياسية في الداخل.
ولكي تكون هناك فرصة أصلاً لتجاوز هذه العقبات، تتطلب الوساطة جهوداً دؤوبة ومتواصلة من فريق عالي الكفاءة. ويقتضي ذلك تشكيل فريق تكون مهمته الأساسية إنهاء الصراع، ويضم أشخاصاً ذوي خبرة مهنية ومعرفة عميقة بتاريخه ودينامياته. كما أن الوساطة لا تقتصر في الغالب على طرف ثالث واحد، إذ شهدت عمليات ناجحة وجود وسيط رئيس يعمل إلى جانب دول أو منظمات داعمة. ففي عام 1995، شكلت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والمملكة المتحدة مجموعة اتصال دعمت المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة وأنهت حرب البوسنة. كذلك أدت تشيلي وكوبا والنرويج وفنزويلا أدواراً في محادثات عام 2016 التي أنهت حرب الحكومة الكولومبية المستمرة منذ نصف قرن مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية، المعروفة اختصاراً بالإسبانية باسم “فارك” FARC. أما في أوكرانيا، فعلى العكس من ذلك، فقد تحركت واشنطن إلى حد بعيد بمفردها. وعلى رغم مشاركة الحلفاء الأوروبيين والشركاء الخليجيين وتركيا، فإن أدوارهم ظلت هامشية.
وعلى أقل تقدير، يتعين على الحكومات الأوروبية، بوصفها أطرافاً رئيسة معنية بمستقبل أوكرانيا وبأمن القارة، أن تشارك بصفتها أطرافاً في المحادثات. وبفضل خبرتها الواسعة في الوساطة، ينبغي للحكومات الأوروبية أن تشارك واشنطن في رعاية العملية. فأوروبا لا تفتقر إلى مسؤولين يتمتعون بالخبرة اللازمة. فجوناثان باول، كبير مفاوضي الحكومة البريطانية خلال محادثات “الجمعة العظيمة”، يشغل منصب مستشار الأمن القومي البريطاني حالياً. ويمكن لواشنطن أن تتيح مشاركة أوروبية من خلال إنشاء مجموعة اتصال، ربما على غرار الهيئة التي دعمت اتفاقية السلام في البوسنة، تتولى فيها الحكومات الأوروبية الرئيسة أدواراً ومسؤوليات محددة، بدلاً من أن تقتصر مشاركتها على صفة مراقب. ومن شأن هذا الهيكل أن يحقق قدراً أكبر من التماسك الدبلوماسي، وأن يساعد في حشد الموارد والخبرات والدعم السياسي عند الحاجة.
التصميم مهم
لا يوجد نموذج موحد لمفاوضات ناجحة. لكن جميع الحالات السابقة تقريباً تشترك في سمة واحدة: أن تكون الأطراف منخرطة فعلياً في العملية وملتزمة بها. فأي عملية سلام ستواجه انتكاسات حتمية ومحاولات تخريب، ولذلك يجب أن تكون الأطراف ملتزمة بالمحادثات حتى تتمكن من إيصالها إلى اتفاق. كما أن شعور الأطراف بأن هذه المحادثات تخصّهم ولهم دور أساسي فيها أمر بالغ الأهمية لكي يصمد الاتفاق النهائي. وتشير بعض التقديرات إلى أن ما يقرب من نصف اتفاقات السلام تفشل خلال خمس سنوات. وستكون فرص التوصل إلى تسوية روسية أوكرانية أقل حتى، في ظل المطالب الإقليمية المتعارضة، وإرث اتفاقيات مينسك الفاشلة (التي كانت تهدف إلى إنهاء مرحلة الصراع بين عامي 2014 و2021)، والتنافس الأوسع بين “الناتو” وروسيا. وعندما تساعد الأطراف في صياغة العملية، تصبح لديها مصلحة في نجاحها، وتكون أكثر استعداداً لحماية ما تحققه. أما الأطراف التي يدفعها الآخرون إلى الانخراط في العملية، فقد تشارك فيها شكلياً، لكنها على الأرجح ستفتقر إلى الالتزام المطلوب.
ولذلك، يعمل الوسطاء ذوو الخبرة على تعزيز قدرة الأطراف على إدارة العملية والتأثير فيها، إلى جانب ترسيخ شعورها بالمسؤولية عن نجاحها. كما يسعون إلى الحصول على موافقة هذه الأطراف على العملية نفسها. وقد واجهت محادثات أيرلندا الشمالية في تسعينيات القرن العشرين تحديات متعددة، منها انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار، والخلافات بشأن التنفيذ، والمحاولات المتكررة من جانب جماعات منشقة لإفشال المفاوضات. لكن الأطراف كانت ملتزمة بالعملية، ما مكنها من تجاوز تلك العقبات. في المقابل، لم يحدث أي من ذلك في الحالة الروسية الأوكرانية، باستثناء أجزاء متفرقة منه، وكانت النتيجة جهداً يفتقر إلى الالتزام والتماسك والزخم.
وينبغي للوسطاء أن يعملوا مع الأطراف من أجل التوصل إلى عملية تحظى بدعمها. ومن الناحية المثالية، ينبغي تثبيت هذه التفاهمات في وثيقة. ولنأخذ على سبيل المثال الاتفاق العام لعام 2012 في كولومبيا، الذي وضع مبادئ توجيهية للمفاوضات المستقبلية، وجدول أعمال، وقواعد أساسية منحت المحادثات هيكلاً واستقراراً. وقد أرست تلك الوثيقة الأولية الأساس لاتفاق السلام الذي أُبرم عام 2016.
ليكن الاتفاق مكتوباً
ينبغي لاتفاق ينظم العملية التفاوضية أن يحدد وتيرة المحادثات ومكان انعقادها. وتتمثل أفضل الممارسات في عقد الاجتماعات بانتظام في المكان نفسه، إذ إن ذلك يبسّط الجوانب اللوجستية. كما تميل المفاوضات إلى تحقيق أفضل النتائج عندما تجلس جميع الأطراف إلى طاولة واحدة، وتعمل انطلاقاً من نص واحد أو باتجاه التوصل إلى نص واحد. وتُعد محادثات الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 مثالاً واضحاً على ذلك؛ فقد تضمنت جولات متكررة في فيينا، ومفاوضات ماراثونية استمرت ثمانية أيام في لوزان، ثم جولة أخيرة مطولة في فيينا أسفرت عن الاتفاق.
وعلى النقيض من ذلك، عُقدت المحادثات بشأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا بصورة متقطعة، وفي مواقع متعددة، ولم تُعقد ولو مرة واحدة بحضور جميع الأطراف المعنية (كييف وموسكو وواشنطن والدول الأوروبية الرئيسة). كما أنها لم تتمحور قط حول نص واحد. وبدلاً من ذلك، ناقشت مجموعات مختلفة من الأطراف الأربعة مسودات منفصلة: مسودة بين أوكرانيا والولايات المتحدة، وأخرى بين أوروبا وأوكرانيا، وثالثة بين روسيا وأوكرانيا، ورابعة بين روسيا والولايات المتحدة.
ولا شك في أن نزاعاً متعدد الأطراف، يشمل هذا التنوع الكبير من العلاقات والقضايا، سيتطلب نصوصاً مختلفة. لكن إذا اتضح أن القضايا التي يغطيها الاتفاق الأميركي الأوكراني غير مقبولة بالنسبة إلى روسيا أو الأوروبيين، فقد يقوّض ذلك العملية برمتها. ومن حيث المبدأ، بالطبع، لا ينبغي لروسيا أن يكون لها رأي في ما تقدمه واشنطن وأوروبا إلى كييف، بما في ذلك طبيعة الضمانات الأمنية الغربية. لكن من دون موافقة موسكو في نهاية المطاف، ستستمر الحرب. وبالمثل، لن يكون أي اتفاق بشأن تخفيف العقوبات الأميركية فعالاً من دون دعم الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.
ويمكن لاتفاق بشأن العملية التفاوضية أن يضع أيضاً خارطة طريق للمحادثات وجدول أعمال يحدد تسلسل القضايا المطروحة. ومن شأن ذلك أن يوفر اتجاهاً واضحاً وتماسكاً، وأن يطمئن كل طرف إلى أن القضايا التي تهمه لن يتم تجاهلها. في كولومبيا، تناول جدول الأعمال الإصلاح السياسي والزراعي والاجتماعي والاقتصادي بالنسبة إلى “فارك”؛ أما بالنسبة إلى الحكومة، فقد رسم مساراً نحو إنهاء نهائي للنزاع، بما في ذلك آليات نزع السلاح والتحقق منه. في المحادثات الروسية الأوكرانية، لا يبدو أن هناك جدول أعمال متفقاً عليه بشكل متبادل. ولصياغة مثل هذا الجدول، سيتعين على الوسطاء إدراج ما يعتبره كل طرف جوهرياً. وبالنسبة إلى كييف، من المرجح أن تشمل هذه القائمة احترام حقوقها السيادية، وضمانات أمنية، وقدرات عسكرية كافية لردع روسيا، وتمويلاً لإعادة الإعمار. أما موسكو، فمن المرجح أن تصر، من بين أمور أخرى، على بقاء أوكرانيا خارج حلف الناتو، وفرض قيود على الوجود والدعم العسكريين الخارجيين، وتخفيف العقوبات.
كما أن للقواعد الأساسية والمبادئ التوجيهية أهمية أيضاً. ينبغي للأطراف أن تتفق، في الحد الأدنى، على شكل المحادثات وأهدافها، وأدوار الوسطاء، وصفة الممثلين، وكيفية تحديد جدول الأعمال، وكيفية اتخاذ القرارات، وكيفية التعامل مع السرية والاتصالات العامة. وقد أدت مثل هذه القواعد دوراً مهماً في كل من عمليتي أيرلندا الشمالية وكولومبيا. ففي الحالة الأولى، اعتمدت الأطراف قاعدة “التوافق الكافي” في اتخاذ القرارات، ما أتاح التصويت ضد جزء من المقترح من دون عرقلة إقراره بالكامل. وفي الحالة الثانية، التزمت الأطراف بمبدأ “لا شيء متفق عليه إلى حين الاتفاق على كل شيء”. ولكن لا يبدو أن كثيراً من هذه التفاهمات قائم في الحالة الروسية الأوكرانية. ويدقق الوسطاء المتمرسون في هذه التفاصيل، لأن الأخطاء في إعداد المحادثات أو جوانبها اللوجستية أو إجراءاتها يمكن أن تُفشل جوهر المفاوضات.
بناء الثقة بهدوء
تخدم العملية المدارة جيداً غرضين: فهي تنشئ علاقات تمكّن الأطراف من العمل معاً، وتتيح إحراز تقدم بشأن الخلافات التي تفرق بينها. ونادراً ما يؤدي التواصل بين الأطراف المتحاربة إلى تبديد انعدام الثقة. لكنه يمكن أن يخلق توقعات متبادلة بشأن السلوك، ما يعني قدرة أكبر على التنبؤ بكيفية تعامل الأطراف مع بعضها، والتعامل بجدية مع إمكان التوصل إلى نتائج تفاوضية.
إن أنجع وسيلة لترسيخ هذه التوقعات هي أيضاً أبسطها، وهي تتمثل في حوار مُستدام وسري بين الأطراف. من الصعب ذكر عملية سلام ناجحة لم تعتمد على السرية في مراحلها الأولى. ففي أيرلندا الشمالية، على سبيل المثال، مهدت سنوات من المحادثات عبر قنوات اتصال سرية وغير رسمية الطريق لتحقيق إنجازات لاحقة. ومع ذلك، فإن كل جهد دبلوماسي بُذل لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا خلال العام ونصف العام الماضيين تقريباً كان مصحوباً باستعراض إعلامي صاخب. وعلى النقيض من ذلك، ظلت القناة الثنائية المستخدمة لتبادل أسرى الحرب بعيدة عن الأنظار إلى حد كبير، وحققت نتائج ملموسة.
ويتعمّد الوسطاء تنمية العلاقات بين الشخصيات الرئيسة من جميع الأطراف. ففي عام 2005، على سبيل المثال، جمع الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيساري مسؤولين إندونيسيين مع قادة انفصاليين من آتشيه يعيشون في المنفى، لإنهاء تمرد استمر عقوداً في آتشيه، وهي مقاطعة في جزيرة سومطرة. وقد عمل على تنمية الروابط بين المفاوضين الرئيسين من خلال تشجيع الحوار المباشر وإتاحة الوقت للمحادثات غير الرسمية في المقر الحكومي خارج هلسنكي حيث عُقدت المحادثات. وتجعل مثل هذه الروابط التوصل إلى اتفاق ممكناً، كما أنها تزوّد الأطراف بالقدرة على إدارة النزاعات المستقبلية من خلال الحوار، ويمكن القول إنها تشكل حصناً أقوى في وجه تجدد الأعمال العدائية من أي شيء يمكن تدوينه على الورق. ويمكن لواشنطن وشركائها أن يبذلوا جهداً أكبر بكثير لتعزيز الروابط الشخصية بين المفاوضين الروس والأوكرانيين. ولتحقيق هذه الغاية، يمكن للوسطاء تهيئة إطار المناقشات بعناية وضبط وتيرتها. كما يمكنهم خلق فرص للتواصل غير الرسمي.
أدوات الوساطة
بمجرد أن تجلس الأطراف إلى طاولة المفاوضات، تشير أدبيات الوساطة إلى عدة أساليب يمكن أن تساعد المحادثات الروسية الأوكرانية على النجاح. فقد حاولت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، التوفيق بين المواقف والمطالب المعلنة للطرفين، من خلال اقتراح ترتيبات محددة بشأن الأراضي وتقديمها كحزم على قاعدة “إما القبول بها أو رفضها”. لكن عليها بدلاً من ذلك أن تشجع الطرفين على معالجة المصالح والمخاوف الأساسية الكامنة وراء تلك المواقف. ومن شأن ذلك أن يخفف من تأطير المفاوضات باعتبارها لعبة ذات حصيلة صفرية، وأن يمنح كل طرف أسباباً للبقاء على طاولة المفاوضات. والأهم من ذلك، أنه يزيد أيضاً من احتمالات الامتثال، إذ إن الجانبين سيكونان أكثر استعداداً بكثير للالتزام باتفاق يريان أنه يخدم مصالحهما الأساسية.
وكان المثال الكلاسيكي على هذا النهج هو وساطة وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر بين إسرائيل ومصر بشأن شبه جزيرة سيناء بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول). فقد وصل الطرفان إلى طريق مسدود بشأن الجهة التي ستسيطر على شبه الجزيرة، إلى أن أدرك كيسنجر أن المصلحة الأساسية لمصر كانت السيادة والكبرياء الوطني، في حين كانت مصلحة إسرائيل هي الأمن. وأتاحت هذه الرؤية التوصل إلى صفقة ناجحة، تمثّلت في انسحاب إسرائيلي مقابل نزع الطابع العسكري عن المنطقة والمراقبة وضمانات أمنية أميركية. أما بالنسبة إلى روسيا وأوكرانيا، فإن المأزق المماثل يتعلق بالسيطرة على دونباس. وينبغي للوسطاء أن يحاولوا معالجة المصالح الكامنة وراء مواقف الطرفين، لا المواقف نفسها.
وينبغي أن تسهم الأطراف في صياغة مضمون الاتفاق بقدر إسهامها في صياغة العملية نفسها. وحتى الآن، كانت واشنطن تضع حلولاً مقترحة ثم تعرضها على كييف وموسكو. وفي الواقع، إن خطة النقاط الثماني والعشرين التي سُربت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، والمحاولات اللاحقة لحمل كييف على التنازل عن السيطرة على دونباس، تُجسد هذا النهج. لكن الأطراف تميل إلى مقاومة الترتيبات التي يضعها الآخرون، وعندما تُجبر على قبولها، لا يدوم التزامها بها إلا ما دام الضغط مستمراً. والضغط بدوره رهين باستمرار اهتمام الوسطاء، وهو اهتمام لا يدوم طويلاً في الغالب. وبدلاً من ذلك، ينبغي للوسطاء أن يساعدوا الأطراف على صياغة مقترحاتها الخاصة.
كما أنّ المحادثات تعاملت مع القضايا الرئيسة بصورة منفصلة: الأراضي في مسار تفاوضي، والترتيبات الأمنية في مسار آخر، وهكذا. وعلى الرغم من أن التعمق في قضايا محددة قد يكون مفيداً، فإن المفاوضات تستفيد غالباً من توسيع جدول الأعمال والنظر في القضايا جنباً إلى جنب. فطرح جميع القضايا على الطاولة يتيح مجالاً أكبر للمساومات والمقايضات، بحيث يستطيع كل طرف تقديم تنازلات بشأن القضايا الأقل أولوية بالنسبة إليه مقابل الحصول على مكاسب يقدّرها بدرجة أكبر. ويجعل هذا النهج التوصل إلى نتيجة تفاوضية أكثر جاذبية، ويقلل من خطر الوصول إلى طريق مسدود بشأن أي قضية منفردة، كما أنه، من خلال زيادة ما يكسبه كل طرف من الاتفاق، يعزز حوافز الالتزام به.
أخيراً، يبحث الوسطاء عن سبل للحد من الأعمال العدائية أو إنهائها حتى في الوقت الذي تستمر فيه الخلافات السياسية. وهم يفعلون ذلك ليس لأسباب إنسانية فحسب، بل أيضاً لأن وقف إطلاق النار الفعال يهيئ ظروفاً أكثر ملاءمة للدبلوماسية. وفي الوقت الراهن، تؤيّد أوكرانيا وداعموها الغربيون وقفاً فورياً لإطلاق النار يعقبه إجراء محادثات سلام، في حين ترى موسكو أن الضغط العسكري على كييف هو أكثر أوراق الضغط فاعلية لديها، ولذلك تريد التوصل إلى تسوية سياسية قبل أي وقف لإطلاق النار.
ومن أجل سد هذه الفجوة، يمكن للطرفين أن يسعيا إلى مجموعة أكثر محدودية من الالتزامات السياسية، تتناول اصطفاف أوكرانيا وقضايا أمنية رئيسة أخرى تهم الجانبين، على نحو يكفي للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. وينبغي إدراج هذه الالتزامات في اتفاق إطاري، توقعه جميع الأطراف، يحدد العناصر الأساسية للسلام النهائي المرتقب، ويمهد لوقف الأعمال العدائية. كما سيحدد الاتفاق الإطاري هيكل المفاوضات المستقبلية. وبعد ذلك، يمكن أن تستمر المفاوضات المضنية بشأن التسوية النهائية في غياب القتال.
الرؤية بعيدة المدى
إن التكاليف المتزايدة للحرب، من دمار وخسائر في الأرواح ومخاطر التصعيد، تبرر تماماً مواصلة الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى سلام دائم. وسيعتمد إنهاء الحرب عن طريق التفاوض على عوامل متعددة، لكن الجهود الرامية إلى تحقيق ذلك ينبغي أن تستفيد من الدروس المستخلصة من عقود من الوساطة الدولية.
ويعني ذلك عملياً تشكيل فريق وساطة فعال، واتباع نهج متعدد الأطراف يشمل الحكومات الأوروبية، والحصول على موافقة الأطراف على هيكل المحادثات وقواعدها الأساسية وجدول أعمالها قبل الدخول في جوهر القضايا. ويتطلب الأمر تحولاً نحو مساعدة الأطراف على وضع مقترحاتها الخاصة، وبناء علاقات بين المفاوضين من خلال حوار منتظم ومستمر وسري. وينبغي للوسطاء تشجيعهم على التركيز على المصالح الأساسية الكامنة وراء مواقفهم، وتوسيع نطاق جدول الأعمال لإتاحة المقايضات، والسعي إلى وضع إطار موقت لوقف القتال.
حتى عمليات السلام التي تدار على أفضل وجه قد تفشل، وقد يبقى التوصل إلى نهاية للحرب تكون مقبولة من الطرفين أمراً بعيد المنال. وسيكون جمع الأطراف إلى طاولة واحدة في ظل التصعيد الحالي أمراً صعباً، ومن السذاجة توقع نتائج سريعة. لكن مع تراكم الخسائر والتكاليف والمخاطر، ستزداد الحوافز إلى اللجوء إلى بدائل للقتال. وقد اضطلعت الولايات المتحدة بدور الوسيط، وعليها أن تستفيد من الدروس التي تراكمت عبر عقود من الخبرة بشأن ما يساعد المفاوضات على النجاح.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 13 أغسطس (آب) 2026