ملخص
اثنان من كبار أصحاب الفكر في فرنسا، هما ديكارت أولاً ثم فولتير من بعده، لم يخفيا عداءهما للمنافس الألماني الفيلسوف غوتفريد فلهلم فون لايبنتسالذي يتطلع في رأيهما لغزو بلاط أمتهما، بينما يجدان نفسيهما من ناحيتهما يسعيان للحصول على الرزق وكل على طريقته، في بلاد الغربة
غريب أمر الفيلسوف الألماني غوتفريد لايبنتس الذي عاش بين عامي 1646 و1716 واهتم باكراً بالفلسفة والحقوق والرياضيات، وعُين وهو في الـ21 من عمره مستشاراً في المجلس الأعلى لولاية مايانس ليكلف وهو بعد في تلك السن بعدد من المهام الدبلوماسية منذ ذلك الحين، مما أتاح له تجوالات أوروبية كانت خيراً عليه حيناً وشراً في بعض الأحيان.
ونعرف أن ابن مدينة لايبزيغ هذا اعتبر وحتى مجيء جيل التنويريين الألمان، من كانط إلى هيغل وفيخته وشيلنغ وصولاً حتى فيورباخ، الفخر الفلسفي لألمانيا، ومع ذلك، وربما كمن هنا واحد من وجوه غرابته، كتب معظم مؤلفاته إما بالفرنسية وإما بالإنجليزية اللتين كان يتقنهما وعرف، بفضل دراساته أولاً ثم بفضل سفراته التي لم تكن تهدأ، كل ما يجب على مثقف من طراز رفيع في ذلك الزمن أن يعرفه عن أحوال الفكر في بلدانهما.
بل من اللافت أنه لم تكن لتفوته حتى المعارك الفكرية الفلسفية التي تحتدم لدى الفرنسيين والإنجليز، بل كان يشارك فيها وأحياناً من موقع صدامي بقدر ما خلق له في تلك المناطق من العالم، صداقات وحتى عداوات. بل كان يحدث له أحياناً أن يقيم علاقة صداقة ثم عداوة مع المفكر نفسه كما كانت حاله ذات مرة، مع سبينوزا الذي التقاه مراراً وبدأ حياته الفكرية معجباً به ثم عاداه لأسباب تساءل سبينوزا دائماً عن دوافعها فلم يجد!
المهم أن لايبنتس كان مغرداً وعلى الدوام خارج السرب ولا يكتفي من الممارسة الفلسفية بالتأمل أو بالتدريس بل كان من أصحاب المشاريع.
قناة السويس
ولقد وصل الأمر بهذا الفيلسوف الطموح ذات حين إلى أن يصمم مشروعاً فحواه شق قناة بحرية تصل بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وفي المكان ذاته الذي سيحدده السان سيمونيون لاحقاً لشق قناة السويس تحت إشراف المهندس المصري المنتمي إليهم محمد مظهر، أي الخط الذي عليه بنى دي ليسبس مشروعه لاحقاً.
غير أن مشروع شق القناة في الأراضي المصرية لم يكن سوى نقطة في بحر اهتمامات لايبنتس الفكرية والعملية. وكان تفصيلاً صغيراً في مجالات اهتمامه الكبير بشؤون بدت له ولزمنه أهم من ذلك بكثير، وبخاصة أن المشروع لم يقدم من جانب الفيلسوف الألماني إلى سلطات بلاده، بل إلى البلاط الفرنسي مما أثار عليه ثائرة مواطنيه وأغضب الفرنسيين الذين كانوا لا يريدون أن يروا ألمانيا يتدخل في شؤونهم المحلية، ولو كان فيلسوفاً.
ونعرف في هذا السياق أن اثنين من كبار أصحاب الفكر في فرنسا، هما ديكارت أولاً ثم فولتير من بعده، لم يخفيا عداءهما لذلك المنافس الألماني الذي يتطلع في رأيهما لغزو بلاط أمتهما، بينما يجدان نفسيهما من ناحيتهما يسعيان للحصول على الرزق وكل على طريقته، في بلاد الغربة.
ومن الواضح أن ما زاد من العدوانية “الفلسفية” الفرنسية ممثلة بأكبر فيلسوفين أنجبتهما تلك الأمة، هو أن لايبنتسأصدر أكثر من نصف مؤلفاته الفكرية الأساس وقد صاغها باللغة الفرنسية. كما فعل بربع ما تبقى من كتبه الأخرى إذ أصدرها بالإنجليزية مما أثار في وجهه نقمة في بلاد الإنجليز بدت أخف وطأة على أية حال.
بين الإنجليز والفرنسيين
والحال أن الإنجليز كانوا في تلك الأحايين يرحبون بمن يتبنى لغتهم ويعدون ذلك تكريماً لهم، أما الفرنسيون فكانوا يفعلون عكس ذلك. ومن هنا يمكن القول إن المساجلات بين لايبنتس ومعاصريه الإنجليز ارتدت طابعاً فكرياً بينما ارتدت مساجلاته مع الفرنسيين طابعاً شخصياً.
وينطبق هذا الكلام بصورة خاصة على الحوار، إنما من طرف واحد تقريباً، الذي يمكننا تلمسه في كتاب “كانديد” الذي يعد من أشهر كتب فولتير، حتى وإن كان معظم قرائه – وهم دائماً بالملايين إذ إن الكتاب يُقرأ في فرنسا، منذ الصفوف الابتدائية، ويُشرح بالعمق منذ الصفوف الثانوية، ويناقش في الصفوف الجامعية. ومع ذلك جرب أن تسأل واحداً من القراء عما إذا كان سمع باسم الالماني لايبنتس، فيأتيك الرد سلبياً.
وذلك ببساطة لأن فولتير نفسه لا يأتي على ذكر زميله اللدود على الإطلاق، لكنه يسخف معظم أفكاره الأساس ومنها خاصة فكرة “أننا إنما نعيش في أفضل العوالم الممكنة”. وهي الفكرة الأساس التي طغت على نظريات لايبنتس منذ بداية اشتغاله بالفلسفة والعلوم الرياضية، وقد برهن عليها دون لف أو دوران، ثم ها هو فولتير يتنطح لينسف الفكرة التي تقوم على مبدأ تفاؤلي محولاً إياها إلى مادة للتسلية والسخرية من المعلم الذي لا يفتأ يسخر من هذه الفكرة وغيرها من أفكار لايبنتس دون أن “يمنحه شرف ذكر اسمه”.
إن فولتير يهتم بأن يرسخ في فكر قارئه ما يراه من سخافة في هذه الفكرة التي يعبر عنها لايبنتس، معتبراً أن من السماجة والسذاجة حقاً أن نرى الخير في المكان الذي يبدو فيه الشر طاغياً. والحال أن ما يهم فولتير هنا ليس السجال الفلسفي وإنما التشويه الكاريكاتيري لنظرية شديدة العمق بناها لايبنتس على أساس نظري إنساني عميق.
المونادا ووحدة الوجود
وهو نفس ما فعله ذلك المفكر من خلال ابتكاره مفهوم “المونادا” وهي منظومته الفلسفية المستقاة من مصطلح إغريقي يعني “وحدة”، ويريد أن يقول إن كل ما في الوجود يبدو نابعاً من موجودات واحدة هي ذرات تتشابه في ما بينها لتتكون في وحدات أكبر وأكبر، حتى تكون في نهاية الأمر هذا العالم الذي نعيش فيه.
ترى أفلا يذكرنا ذلك الابتكار اللغوي بالمصطلحات وبالمعلومات الحديثة المتعلق بالحمض النووي، والذي يقوم بدوره على فكرة أن السمات الخاصة التي تتسم بها كل كائنات الوجود تشكل ما يشبه البصمة الخاصة، وتعني في نهاية الأمر أن كل الصفات الخاصة تكون موجودة داخل ذلك الحمض؟
صحيح أن لايبنتس لم يكن يعني هذا في ابتكاره للمصطلح والفكرة الكامنة في خلفيته، لكن ثمة تقارباً بين التعبيرين يفترض أن هذا الفيلسوف الألماني كان من شأنه، لو عاش أكثر وحتى أيامنا هذه، أن يطور فكرته التي كانت لديه ذات بعد إلوهي، لتتخذ طابعها العلمي، تماماً كما حال مشروعه حول شق قناة السويس قبل أن يكون اسمها مرتبطاً بالسويس المصرية، أو فكرته حول أفضل العوالم الممكنة.
إن مشكلة لايبنتس الأساس تكمن على الأرجح في كونه ولد وعاش ورحل، واستثار ما استثاره من المعارك قبل الزمن الحقيقي الذي كان ينبغي أن يولد فيه. أي الزمن الذي كان من شأنه أن يتيح له من تقدم المعارف والأفكار والأدوات التحليلية واللغوية حتى، بحيث يكون مبدعاً في مجالات أكثر حضوراً وحداثة مما برع فيه حقاً.
