ملخص
كلما بالغ النظام الإيراني في استخدام مناوشاته واعتداءاته فهو حتماً سيدفع الثمن، وسيحرك الدول والشركات إلى بناء ترتيبات وتحالفات أقوى وقادرة على وقف تهديداته البحرية وتحجيم قدرته على قرصنة السفن.
السؤال حول لماذا تضرب إيران السفن التي لا تحاربها؟ يبدو للوهلة الأولى عسكرياً لكنه في حقيقته سؤال عن طبيعة ونوع القوة التي تحاول طهران ممارستها في مضيق هرمز. فإصابة ناقلة نفط لا تمنح إيران انتصاراً عسكرياً يوازي حجم الخسائر المحتملة وردود الفعل لهذا التصعيد، فما هي مبررات طهران في اعتداءاتها البحرية المتكررة على سفن ليست حربية؟ هل نحن أمام قراصنة بحار من نوع مختلف يقوم فيه النظام الإيراني بممارسة القرصنة البحرية في المنطقة؟
حين يقف المحللون والمراقبون أمام مشهد استهداف سفن تجارية مدنية لا ترفع علماً معادياً ولا تنخرط في أي عمل عسكري فإن السقوط في فخ التفسيرات الميدانية التقليدية يعطل فهم الحقيقة، حقيقة أن طهران لا تهاجم هذه السفن بالخطأ ولا تفعل ذلك لتحقيق انتصار عسكري في عرض البحر. من هنا يجب قراءة السلوك الذي يكمن في المنطق الذي كما يبدو يتجاوز حسابات الضربات البحرية المباشرة، إلى صراع أعمق حول المحاولات الإيرانية لفرض قواعد مرور متطرفة في ممر دولي حيوي كمضيق هرمز. فما هي دوافع هذا السلوك؟ وهل تمتلك طهران أي مسوغ قانوني له؟ وكيف تفكر المؤسسة العسكرية الإيرانية وهي تدير هذا النوع من الصدام غير المتكافئ؟
إن المنطق الإيراني الذي يبرر اعتداءاته لا يستند بأية حال إلى شرعية قانونية دولية، فقانون البحار الدولي واتفاقات الأمم المتحدة تعتبر مضيق هرمز ممراً مائياً دولياً مفتوحاً لحرية الملاحة لجميع الدول من دون تمييز، لكن طهران وليس بجديد عليها لا تلتزم بالقوانين وتتعمد التوسيع عملياً لما يمكن تسميته (بالسيطرة الإجبارية)، فالفكرة البسيطة هنا هي أن موقع المضيق الجغرافي يمنح إيران الحق في فرض ترتيباتها الأمنية الخاصة بها واعتراض أو تفتيش أو حتى استهداف أية سفينة تعتبرها مخالفة لقواعدها في الوقت الذي تخالف هي القواعد الدولية، إنها تحاول فرض أمر واقع تتحول بموجبه القوانين الدولية إلى حبر على ورق أمام إرادة الحرس الثوري.
من هنا قد لا يكون الهدف الإيراني إغلاق هرمز بقدر ما هو فرض كسر الإرادة الدولية، فالإغلاق الكامل يحول المضيق إلى أزمة دولية، بل ويمنح خصوم إيران مبرراً مباشراً للتحرك، أما إبقاؤه مفتوحاً مع القدرة على تعطيل بعض السفن أو تهديدها أو فرض قوائم ومعايير خاصة بالمرور فيخلق وضعاً أكثر تعقيداً. لا يوجد حصار معلن لكن لا توجد ملاحة طبيعية أيضاً، وهذه هي المعادلة التي يريد خلقها النظام الإيراني. يمكن أن نطلق على هذه المعادلة “اقتصاد الرعب والإنكار المنضبط”، الذي يخدم أهدافها لجر المشكلات السياسية إلى مزيد من التمييع والتشتيت واللامعنى.
إن الهدف الاستراتيجي الذي تحاول طهران خلقه وتصعيده بالمنطقة ليس في تدمير حركة الملاحة بالكامل أو إغلاق المضيق كلياً، فذلك سيكون بمثابة انتحار اقتصادي لنظام يعتمد هو نفسه على الممرات ذاتها لتهريب نفطه والالتفاف على العقوبات الدولية. بل إن غاية طهران أخبث بكثير من كل هذا وإن كانت مكشوفة، وهي: إبقاء الممر البحري مفتوحاً ومتاحاً بصورة ما، لكنه محتقن بالتهديدات والإرهاب البحري والرعب ضمناً.
فعندما ترصد تقارير الملاحة البحرية مثل بيانات “رويترز” انخفاضاً حاداً ومفاجئاً في حركة عبور السفن عبر المضيق، فهذا يعني أن طهران نجحت في تحقيق هدفها الاستراتيجي من دون إطلاق رصاصة واحدة على سفينة حربية غربية. وتكون نفذت أجندة الهجمات المتقطعة والموجهة بدقة التي تعمل كصدمات مستمرة لأسواق التأمين البحري العالمية، متمثلة في تكاليف التأمين وشحن البضائع التي ترتفع بصورة جنونية، وبالتالي تتحول إلى ضريبة أمنية خفية يفرضها النظام الإيراني قهراً على حركة التصدير العالمية.
هل خصخصت طهران الفوضى في الممرات البحرية؟ إلى حد كبير يمكننا أن نقول نعم فهي لا تخوض حرباً شاملة ولا حتى مواجهة مباشرة ليتم التعامل معها، بل تدير لعبة المراوغات، تتمثل في التباهي والإنكار من مبدأ “اضرب واهرب”، وهو مثل شعبي ينطبق عليها كثيراً ويمثل نشاطها في إجبار الشركات الكبرى والأسواق الدولية على ممارسة ضغط غير مباشر على حكوماتها الغربية، لدفعها نحو تقديم تنازلات سياسية ومالية ترفع طوق العقوبات عن طهران.
إن هذا المنطق الإيراني الذي تشرعنه طهران يفسر لنا بدقة ما جرى أخيراً مع ناقلة النفط السعودية “سدر”، والناقلة الأخرى التي تحمل علم ليبيريا، أثناء عبورهما مضيق هرمز من الممر الجنوبي وليس الشمالي الخاضع للجانب الإيراني وهما تحملان ملايين براميل الخام. فعندما تضرب ناقلة سعودية تحمل النفط في هذا التوقيت، فإن طهران لا تستهدف شحنة تجارية بذاتها، وهنا يصبح استهداف الرمز لا الشحنة هو الهدف للنظام الإيراني، فلم يكن استهداف السفينة “سدر” مجرد حادثة أمنية عرضية، وفي كل الأحوال هذا الاعتداء لم يمنح طهران أي مكسب مادي مباشر، لكنه حمل لها رسالة شديدة الأهمية: أن محاولاتها اليائسة لإرباك الحركة البحرية ستعزز عزلتها الاقتصادية والسياسية.
إن المعركة التي تدور رحاها في مياه الخليج العربي ليست مجرد نزاع عسكري عابر حول سلامة ناقلة نفط، وإذا استمر المجتمع الدولي في التعايش مع قرصنة النظام الإيراني الذي يلوح بقوة فرض “الترخيص الإيراني للعبور”، ثم الغموض المتعمد في تبني الهجمات فإن مضيق هرمز سيفقد مكانته الدولية بالكامل ليتحول إلى بحيرة ابتزاز تتحكم بها ميليشيات النظام الإيراني، ليكون العالم أمام حالة حركية لقراصنة بحار يرتدون بدلات عسكرية.
هذا ما يجعل ضرب السفن التي لا تحاربها إيران مفهوماً سياسياً أكثر منه عسكرياً، فالسفينة المستهدفة ليست بالضرورة الغاية. إنها الأداة التي يمكن أن تستخدمها طهران، وهنا سيراهن النظام الإيراني عبر قرصنة البحار كما يحدث في مضيق هرمز على عدد السفن التي ستغير قراراتها خوفاً من أن تكون التالية، وليس على عدد السفن التي تم الاعتداء عليها.
فما الذي يمكن أن يعنيه هذا السلوك إذا استمر؟ من المتوقع أن السيناريو سيكون كالتالي: أن يكتفي النظام الإيراني باستخدام الخطر البحري كأداة ضغط من دون أن يسعى إلى إغلاق المضيق، وقد يكون هذا السيناريو أكثر فائدة لها من الإغلاق الكامل. فالمضيق المغلق يخلق أزمة دولية صريحة ويمنح خصومها مبرراً مباشراً للتحرك، أما المضيق المفتوح تحت التهديد فيبقي التجارة قائمة، لكنه يضيف إلى كل رحلة ثمن ومخاطرة وحساباً سياسياً جديداً بالنسبة إليها، وبالمقابل سيكون السيناريو التالي الأكثر خطورة هو أن تنتقل هذه القرصنة من تهديد السفن إلى التأثير في قرار الإبحار نفسه.
عندما تكون شركات النقل أمام مواجهة تحديات من نوع هل أستطيع المرور؟ وهل ستعتبر إيران هذه الرحلة مقبولة؟ فإذا أصبح هذا السؤال جزءاً من قرارات شركات الشحن والتأمين والدول المصدرة والمستوردة فإن طهران تكون قد حصلت على نوع من حق الفيتو غير المعلن على حركة التجارة من دون أن تمتلك السيادة القانونية على المضيق، والمرجح أنه لن يحدث لوجود القوة الدولية والتحالفات في المنطقة. فكلما بالغ النظام الإيراني في استخدام مناوشاته واعتداءاته فهو حتماً سيدفع الثمن، وسيحرك الدول والشركات إلى بناء ترتيبات وتحالفات أقوى وقادرة على وقف تهديداته البحرية وتحجيم قدرته على قرصنة السفن.
