عندما مرّر الرئيس أحمد الشرع بطاقته المصرفيّة الذهبيّة في جهاز الدفع الإلكترونيّ في أحد مقاهي العاصمة دمشق، مسدّداً فاتورة فنجانَي قهوة له ولضيفه، كان يمرّر، في اللحظة نفسها، سوريا واقتصادها من مرحلة الموت السريريّ والاعتقال إلى مرحلة الانفتاح والانضمام إلى النظام العالميّ الجديد.
بطاقة الرئيس الشرع المصرفيّة الذهبيّة ليست أرصدتها مخصّصة فقط لدفع ثمن الأغراض اليوميّة التي يحتاج إليها أيّ إنسان، بل تتضمّن أرصدة متعدّدة في السياسة والأمن والاقتصاد، وكلّها تحت عنوان واحد اسمه سوريا الجديدة.
تحقّق أمران في سوريا خلال 24 ساعة، يحتاجان، في الزمن السياسي التقليدي المعروف، إلى 24 سنة كي يتحقّقا:
1- إعلان زعيم تنظيم “قسد”، من قصر المهاجرين في دمشق، مظلوم عبدي، حلّ قوّات سوريا الديمقراطيّة والإدارة الذاتيّة وكلّ التشكيلات العسكريّة، والاندماج الكامل في مؤسّسات الدولة السوريّة.
2- إعلان رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبالتالي فتح الطريق أمام رفع آخر القيود والعقوبات الأميركيّة الأساسيّة عنها. بعد لقاء عمّان السوري – الإسرائيلي.
حدثان يبدوان، للوهلة الأولى، منفصلان: الأوّل يتعلّق بإسرائيل، والثاني بوحدة الأراضي السوريّة، والثالث بالعلاقة مع الولايات المتّحدة والاقتصاد العالميّ. لكنّ جمعها في مشهد واحد يكشف أنّ سوريا دخلت فعليّاً مرحلة مختلفة، وأنّ هناك إعادة رسم لموقعها ووظيفتها في المنطقة تقوم على إعادة بناء الدولة المركزيّة، ضبط حدودها، إنهاء تعدّد القوى العسكريّة، وإبعادها عن ساحات الصراع الإقليميّ، مقابل إعادة فتح أبواب العالم أمامها.
لقاء إعمّان
لم تنتقل دمشق إلى التطبيع، ولا يمكن اختصار ما يجري بأنّه مقدّمة حتميّة لاتّفاق سلام. لكنّها انتقلت من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التفاوض المباشر وغير المباشر على المصالح والأمن والحدود.
الأهمّ أنّ سوريا الجديدة تبدو حريصة على عدم السماح بتحويل أراضيها إلى ميدان للصراع الإسرائيليّ–التركيّ. وهذا بحدّ ذاته تحوّل استراتيجيّ لأنّ دمشق تحاول للمرّة الأولى منذ عقود أن تقول إنّ الأرض السوريّة ليست صندوق بريد للآخرين ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليميّة.
حلّ “قسد”… استعادة الدّولة لا الجغرافيا فقط
بعد ذلك جاء المشهد الأكثر دلالة من دمشق نفسها. مظلوم عبدي، الذي قاد لسنوات واحدة من أقوى التشكيلات العسكريّة خارج سلطة الدولة، وقف في القصر الرئاسيّ ليعلن انتهاء مهمّة “قسد” وحلّها كقوّة عسكريّة مستقلّة بعد استكمال دمج قوّاتها في الجيش السوريّ. وشملت العمليّة إنهاء الإدارة الذاتيّة ودمج هياكلها في مؤسّسات الدولة. هذا التطوّر أكبر من حلّ تنظيم مسلّح.
كان شمال شرقيّ سوريا طوال سنوات الحرب أشبه بدولة داخل الدولة: إدارة، قوّات عسكريّة وأمنيّة، نفوذ على مساحات واسعة وموارد نفطيّة، وعلاقة مباشرة مع الولايات المتّحدة. وبالتالي تعني عودة هذه المنطقة إلى المؤسّسات المركزيّة استعادة دمشق جزءاً أساسيّاً من عناصر السيادة.
المعادلة هنا شديدة الأهميّة: لا يعود الأكراد إلى الدولة بوصفهم مهزومين مطلوباً إلغاء خصوصيّتهم، بل ضمن تفاهمات تتضمّن حقوقاً ثقافيّة ولغويّة وضمانات للمشاركة. وهذا ما يمنح تجربة الدمج فرصة للتحوّل من تسوية عسكريّة إلى نموذج سياسيّ لإعادة توحيد البلاد.
واشنطن تفتح الباب الكبير
أمّا التطوّر الثالث فيمثّل المكافأة الدوليّة الأهمّ لدمشق.
في 24 آب، ألغت الولايات المتّحدة رسميّاً تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، بعد انتهاء مهلة المراجعة الإلزاميّة في الكونغرس. وصدر القرار رسميّاً عن وزير الخارجيّة ماركو روبيو، في سياق سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه سوريا الجديدة.
هنا من المهمّ التفريق بين رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وبين القول إنّ كلّ عقوبة أميركيّة اختفت تلقائيّاً. لكنّ القرار يزيل واحداً من أكبر العوائق القانونيّة والسياسيّة أمام الاستثمار وإعادة وصل سوريا بالنظام الماليّ العالميّ، خصوصاً بعدما سبقه مسار واسع لتخفيف العقوبات.
بالنسبة إلى دمشق، ليست المسألة معنويّة. تحتاج سوريا إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتيّة، وتحتاج قبل المال إلى ثقة المصارف والشركات والمستثمرين.
كان التصنيف الأميركّي يجعل الكثير من هؤلاء يخشون حتّى الاقتراب من السوق السوريّة. تعني إزالته أنّ دمشق تقدّمت خطوة كبيرة من مرحلة الاقتصاد المحاصَر إلى مرحلة البحث عن الاستثمار وإعادة الإعمار.
كيف يمكن الربط بين الحدثين؟
الجواب يبدأ من واشنطن.
توسّطت الولايات المتّحدة التي شارك ممثلها توم باراك عن بعد عبر “الزوم” في المحادثات السوريّة–الإسرائيليّة. وكانت الداعم الرئيس لـ”قسد” خلال الحرب على “داعش”، ثمّ تحوّلت علاقتها تدريجاً نحو الحكومة السوريّة الجديدة. وهي نفسها التي اتّخذت قرار إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
لذلك يمكن قراءة ما حدث كجزء من صفقة جيوسياسيّة أوسع، حتى وإن لم تكن هناك “وثيقة صفقة” واحدة معلنة.
المعادلة تبدو كالتالي: على دمشق أن تتحول إلى دولة قادرة على ضبط كامل أراضيها، وأن تنهي ظاهرة الجيوش الموازية، وتحاصر التنظيمات المتطرفة، وتمنع استخدام أراضيها في الصراعات الإقليمية، وتدخل في تفاهمات أمنيّة تمنع الحرب مع إسرائيل.
في المقابل، يفتح الغرب أمام سوريا أبواب الشرعيّة الدوليّة والاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار.
لكنّ سوريا لا تتحرّك في فراغ. تركيا لاعب أساسيّ في المعادلة الجديدة، سواء بسبب نفوذها في الشمال أو علاقتها بالسلطة السوريّة أو حساسيتها التاريخيّة تجاه “قسد”.
هنا تصبح دمشق داخل لعبة توازن دقيقة: تحتاج إلى تركيا، وتريد علاقة مستقرّة مع واشنطن، ولا تريد حرباً مع إسرائيل، وتحتاج في الوقت نفسه إلى حماية سيادتها ومنع أيّ دولة من فرض مناطق نفوذ دائمة داخل أراضيها. هذا هو الرابط الحقيقي بين الأحداث المستجدّة.
ما حدث خلال 24 ساعة كان يحتاج، بمنطق الشرق الأوسط القديم، إلى 24 عاماً. وربّما تكون الرسالة الأهمّ أن سوريا لا تغيّر تحالفاتها، بل تحاول تغيير وظيفتها نفسها: من ساحة يستخدمها الآخرون إلى دولة تفاوض الآخرين.
