
لوحة للرسامة المصرية علياء الجريدي (صفحة الرسامة – فيسبوك)
ملخص
في إطار من الكوميديا السوداء تدور أحداث رواية “مشوار مع فتاة ميتة” التي تنتمي إلى أدب الطريق. يقطع البطل رحلة عبثية بين مدينتين، ويتكشف عبر مواقف سوريالية، تآكل إنسانية الفرد تحت وطأة التهميش، وتحوله نتيجة القهر من ذات فاعلة إلى كائن مثقل بالعجز والهزيمة.
على الحافة، في تلك المساحة النائية عند أطراف الواقع، ينكفئ المهمشون على معاناتهم، يحجبهم الصمت عن مجتمع اعتاد ألا يراهم! وفي رواية “مشوار مع فتاة ميتة” الصادرة أخيراً عن بيت الحكمة – القاهرة، يكسر الكاتب محمد أبو النجا ذاك الاعتياد، موجهاً عدسته نحو تلك الأطراف، ليلتقط صوراً صادمة من واقع قاسٍ، يغرق الجميع في ظلمته.
فيرصد عبر رحلة عبثية يقطعها البطل “خفاجي” حاملاً جثمان ابنة سيده، حالاً من الزيف الاجتماعي ويشتبك مع عالم يتحول فيه البشر إلى مسوخ، مجردة من التعاطف والمشاعر، تحت وطأة الانسحاق الطبقي وسطوة المادة والنفعية المطلقة.
يحمل عنوان النص بعضاً من المراوغة، إذ يشي ببعد غرائبي ناجم عن المزج بين الحركة بوصفها سمة للحياة، والموت الذي يحتم السكون، غير أن السرد لا يلبث أن يؤكد المعنى المباشر لعتبة النص الأولى، فيتكشف أن المشوار على غرابته لم يحِد عن منطق الواقع ولم يتجاوزه.
تنطلق الأحداث التي يسردها راوٍ عليم، من رجل ستيني يحمل جثة فتاة خرج بها لتوه من بحيرة المنزلة، يقرر أن يسلك مسالك معقدة كي يسلمها إلى أبيها. أما الدافع فيحجبه الكاتب حتى مرحلة متأخرة من السرد، مما يورط القارئ في حال من الترقب والانتظار، ويعزز مشاركته في لعبة السرد. وهي الغاية التي تتجلى منذ الوهلة الأولى في الرحلة السردية التي يشرعها أبو النجا بضمير المخاطب.
ويستفيد مما تفرضه صيغ الأمر والاستفهام من حصار على القارئ الذي يزج به في دائرة الحدث، ويحثه على إيجابية التلقي “امسك طريق دمياط- بورسعيد. تكون بحيرة المنزلة على يمينك والبحر الأبيض على يسارك. والآن أترى ذلك الرجل الخارج من البحيرة، يحمل فتاة ميتة؟ من هنا سيبدأ المشوار” (صفحة 5).
فضاءات ودلالات
ينتمي النص إلى أدب الطريق، إذ تشكل الرحلة التي تستغرق يوماً واحداً مركز السرد، واللبنة الرئيسة التي ينهض عليها، ويتشارك كل من الزمن والمكان في إنتاج الدلالة. يحيل الكاتب عبر استدعائه حقبة التسعينيات إلى الانفجار الرأسمالي، والتحولات الاقتصادية الكبرى التي أسفرت عن توحش طبقي، تآكلت على إثره الطبقة الوسطى لمصلحة طبقة طفيلية جديدة من الأثرياء.
ثم يحول المسافة الواقعة بين مدينتي دمياط الصناعية – وبورسعيد التجارية في شمال مصر، إلى مساحة للتأمل تتكشف عبرها الحقائق والمفارقات، فيطرق على امتدادها قضايا الانهيار القيمي والنفعية الفردية. ويطرح إشكالية التفاوت الطبقي وتصاعد الانتهازية وشيوع ثقافة الاستهلاك. ويتطرق إلى ما يضرب في المجتمع من جهل وفساد وبيروقراطية وتطبيع مع القهر، وما يرتع فيه من لهاث خلف المادة وتسليع للجسد وتصاعد للعنف ونفاق اجتماعي ووصاية أخلاقية ودينية. “قالت: البنات من هذا النوع يدخلن النار دون حساب.
ولمحت الطلاء على أظافر الفتاة الميتة، فأعرضت بوجهها قائلة: فاجرة. استنكر خفاجي: حرام عليك. لقد كان قلبها طيباً، لم تؤذ أحداً، لم تر جائعاً إلا وأطعمته.. تهكمت العربجية.. مثل هذه الفتاة لم تركعها قط. سخر خفاجي: لقد مر علينا العصر، ولم تركعيها أنت أيضاً” (صفحة 97). ويكشف عبر ثنائية الحياة والموت التي تجلت في رفقة البطل والفتاة الميتة على ذاك الطريق، عن حضور الموت بوصفه تفصيلة يومية، تلتصق بالحياة ولا تنفصل عنها.
بين التجهيل والتعريف
ما عدا الشخصية المحورية “خفاجي”، يعمد الكاتب الى تجهيل بقية الشخوص، ويجعل من مهنهم ألقاباً تميزهم. وتشي طبيعة تلك المهن التي تتنوع بين سائق وقهوجي وعربجية، بحرصه على نزع الطابع الفردي عن تلك الشخصيات، والتعاطي معها بوصفها نماذج ممثلة للطبقة المهمشة، تختزل همومها وتعبر عن معاناتها وتحولاتها وقضاياها. أما استثناء “خفاجي” من ذلك التجهيل، فيحيل إلى تصور ضمني للسقوط بوصفه خياراً فردياً، يتحمل البطل مسؤوليته وإن هيأ المجتمع بيئته الحاضنة.
ولا يكتفي أبو النجا بالإحالة إلى الهامش عبر استدعاء مهن الطبقة الدنيا، بل يؤكد تلك الإحالة من خلال رسم الأبعاد الجسدية والاجتماعية والنفسية للشخصيات على نحو يكسبها طابعاً واقعياً. ويحول النص إلى وثيقة اجتماعية تسجل تآكل الروح في عالم شديد القسوة، فعلى المستوى الجسدي، يصور شعر “خفاجي” الفضي، وجلسته المنكمشة على المقهى التي كانت تحجب طول قامته، وبدلته الصيفية التي لا يكاد يغيرها في فصلها. وعلى المستوى الاجتماعي يكشف عن أوضاعه المادية التي اضطرته إلى التضحية بحلمه بالزواج من أجل تزويج شقيقاته.
أما نفسياً، فيرصد ولاءه الشديد لسيد لا يكترث به، ورغبته الجارفة في انتزاع نظرة امتنان منه، وعبر تجسيد هذه الأبعاد يجعل الكاتب من سقوط البطل مأساة إنسانية، تحفز الوجع وتنقل عدوى الألم إلى القارئ. كذلك تظهر الأبعاد والسمات ذاتها لدى الشخصيات الثانوية، فتتجلى عبر الوصف الهيئة الخشنة للعربجية وعنفها وملابسها الرثة ومعاناتها مع حمار يفر منها دائماً عائداً لصاحبه القديم، وشقاؤها في طلب الرزق. وهكذا تراوحها ما بين تعاطف مع الفتاة الميتة وغيرة منها وحقد عليها، ليتكشف عبر تلك الملامح والسمات ما يعانيه الهامش من انسحاق طبقي، وما يترتب على ذلك الانسحاق من تشوه نفسي.
وهم البطولة والسردية الزائفة
يستدعي الكاتب أعمالاً درامية شهيرة راجت خلال تسعينيات القرن الماضي، ويكشف عن عمق تأثيرها في الوعي الجمعي، ولا سيما لدى المهمشين، إذ كانت تقدم لهم واقعاً بديلاً ومساحة آمنة للهروب الموقت من أزماتهم. ويستثمر نظرة الامتنان التي حصل عليها أحد أبطال مسلسل “العائلة” بعد إقدامه على فعل بطولي، ويوظفها في تحريك الأحداث، إذ يتحول افتتان “خفاجي” بتلك النظرة إلى وازع يدفعه لادعاء البطولة، واختلاق سردية زائفة حول موت الفتاة “ابنة سيده”، أملاً في الحصول على نظرة مماثلة “نظرة امتنان لم أرَ مثلها من قبل. لا أظن أنه نظرها لأحد في المسلسل غير لسيد زيان، هذا الرجل الذي تحمل مشاق الطريق حتى يسلمه ابنه. تنهد خفاجي ثم قال: كم تمنيت نظرة مثلها، من السيد. لم أكن لأفوز بها إلا في موقف مشابه” (صفحة 118).
ويحيل ذلك الهوس والرغبة الجارفة في الشعور بالاعتراف، إلى أثر التهميش والانسحاق، وما يترتب عليهما من تشوهات نفسية واعتلال قيمي، ولا سيما أن تلك التشوهات ليست مقصورة على البطل وحده، وإنما تتشاركها الشخوص الثانوية المهمشة كافة. وتتجلى في البلادة النفسية التي تغلف تعاملهم مع جثمان الفتاة، وتتواصل على امتداد خط السرد، فتبرز عبر مارة يتعاطفون مع جرو صغير، في حين لا يكترثون بالجثة المزجاة على الطريق، وفي رواد المقهى الذين لا يكترثون بالجسد الميت ذاته، بينما يبدون استياءهم من حمل “خفاجي” للجثة فوق ساقيه. وتتجلى أيضاً في سلوك النساء اللاتي يقدمن على ضرب الجثة ولكمها، انتصاراً للعروس المهانة، وكذلك في موقف مفتش الجمارك الذي لا يعنيه من أمر المتوفاة سوى تطبيق القانون، وفرض الرسوم على ملابسها المستوردة!
السخرية والرمز
يضفي تعرض الجسد الميت لصور متنوعة من الاستباحة والانتهاك تبلغ أحياناً حد الاعتداء بالضرب والاغتصاب ثقلاً وقتامة على النص، بما يجعل من السخرية آلية حتمية لخلخلة ذلك المناخ الكابوسي والتخفيف من وطأته. وتتوزع لمحات السخرية في مواضع متفرقة من السرد، وتتجلى في عدد من المواقف، ولا سيما في تباهي أهل العروس بحضور الفتاة الميتة ذات الحسب والنسب عرس ابنتهم. وفي صراع العربجية مع حمارها، وفي صراعها مع البطل “أول مرة أشوف فيها عربجية، ولكنه شغل يليق بلسانك الطويل.. لتأخذينا في طريقك. – يليق بك أن تجر العربة، لا أن تركبها” (صفحة 39).
وفضلاً عن دورها في تخفيف حدة التوتر الناجم عن الأحداث الصادمة، تقوم السخرية بدور في الكشف عن عطب المجتمع واختلال منظومة القيم. كذلك، يحظى الرمز بحضور كثيف لتحقيق الغاية ذاتها، فيحيل “المسدس” إلى تصاعد موجات العنف. ويحمل تحول “خفاجي” من صانع ماهر للنسيج إلى سائق لدى أحد الأثرياء، دلالة رمزية حول الانتقال من فعل الإنتاج إلى ثقافة الاستهلاك، ومن قوة الاستقلال إلى موقع التبعية.
أما قيادة الفتاة الميتة للعربة الكارو في عكس اتجاه السير، فتحمل دلالات رمزية تحيل إلى الخراب والتراجع وتقهقر المجتمع إلى الوراء، في حين يحيل اغتصاب “خفاجي” للجسد الميت إلى هول التشوه النفسي ويعكس نوعاً من الاحتجاج العدمي واليأس المطلق والرغبة في الانتقام من واقع التهم العمر والأحلام والفرص “اختلطت أنفاسه العذارى برائحة الجيفة.. ارتجف على صفحة الموت.. دفعته الرائحة الكريهة عنها وأحس فجأة بحاجة إلى القيء” (صفحة 123). كذلك يحيل انصراف البطل عن غاية قطع لأجل تحقيقها رحلة عبثية معقدة، إلى ضياع المعنى واستحالة الخلاص!