
نخطئ حين نظن أن الوسائط الرقمية هي مجرد قنوات محايدة لنقل الأخبار أو بث وقائع الحروب. هي في جوهرها الأنثروبولوجي، أدوات لصناعة السلوك، وإعادة هندسة الجسد، وتحديد المعنى الأخير للتضحية والموت. وحين نتأمل نموذجين مفصليين من مقاتلي الشرق الأوسط المعاصر -مقاتل “حزب الله” ومقاتل “داعش”- نكتشف أن التباين لا يقع في العقائد السياسية والفقهية فحسب، بل يتعداه إلى استلاب تقني عميق لطبيعة الشاشة: الأول هو نتاج خالص لـ “شرنقة فيسبوك التفاعلية”، بينما الثاني تجسيد كابوسي لـِ “فرجة يوتيوب الكوكبية”.
داعش واستعراض الرعب: الفاعل الكلي على يوتيوب
تأسست صورة مقاتل داعش على منطق منصة “يوتيوب” بوصفها شاشة عرض كوكبية، تبث في اتجاه واحد من صانع المشهد إلى جمهور عالمي مشدوه. على هذه الشاشة، لم يكن المقاتل يبحث عن استجداء التعاطف، ولا عن بناء وشائج أليفة، بل كان يتصرف كفاعل كلي القدرة، متجهم، وبلا دموع.
فمقاتل داعش ظهر دائماً بوصفه كائناً “مفارقاً” يرتدي زياً شرعياً، ويطلق لحية غير مشذبة مستعارة من خيال قروسطي، ليحدث قطيعة بصرية مطلقة مع ضحاياه ومع العالم الحديث بأسره. لم يكن يطلب الإعجاب من أحد، ولا يقلد أحداً، لأنه يرى في طلب الإعجاب ضعفاً ودناءة دنيوية تخص “الكفار والمنافقين”. ظهوره البصري لم يكن رسالة تفاوض أو طلباً للاعتراف، بل كان أمراً بالإخضاع والترهيب. إنه يطالب العالم بالخوف والموت، لأن هذا العالم كائن مبتذل يلهث خلف اللذة، بينما يأتي هو من خارج التاريخ لينفذ حكماً سينمائياً كابوسياً يبلغ ذروته في لحظة الفتك بالآخر أمام كاميرات عالية الدقة.
مقاتل حزب الله: النجم الفيسبوكي ومحاكاة العدو
على النقيض الجذري من هذه الفرجة المعزولة المتمثلة بمنصة يوتيوب، ينتمي مقاتل حزب الله إلى بنية فيسبوك. فيسبوك بطبيعته ليس منصة للبث الإمبراطوري الأعمى، بل هو فضاء الحميمية، والقرابة، وصناعة الإجماع الأهلي، والبحث الدائم عن “الإعجاب” (Like) والاعتراف الفردي ضمن الجماعة.
مقاتل الحزب ليس كائناً هبط من كوكب آخر، بل هو ابن الحي، والمدرسة، والبيئة العائلية. ولأنه سليل هذه المنصة الشخصية، فهو يطلب إعجابنا، ويريد أن يكون نجمنا المحبوب الذي نُفتن بجماله ووسامته. يظهر ذلك بوضوح في هندامه وسلوكه البصري. فهو يرتدي ثيابه العسكرية على أحدث خطوط الموضة التكتيكية، ويشذب لحيته بعناية فائقة، ويرتدي نظارات شمسية حديثة، ويصر على الظهور بجسد رياضي مصقول، يحاكي تماماً هيئة قوات النخبة الغربية ونجوم السينما.
ما يبدو مفارقاً في هذا المجال يتلخص في أن مقاتل حزب الله يقلد عدوه طوال الوقت. هذه المحاكاة ليست مجرد اقتباس تقني، بل هي رسالة وجودية مضمرة يوجهها لخصومه وللعالم: “نحن لسنا كائنات بدائية، نحن وسيمون ومعاصرون ونملك كل مقومات النجومية والجمال التي تملكونها”. في بيئة الحزب، لا مكان لمن لا يستطيع أن يكون نجماً، حتى لو انحسرت نجوميته داخل دائرة عائلته الصغيرة أو ساحة حيه.
والحق أن كلا الجماعتين استخدمتا كل وسائط التواصل. لكن بنية كل جماعة ورسالتها التي تريد بثها للآخر، غلّبت منصة يوتيوب على نشاط داعش، فيما بدت منصة فيسبوك أنسب لجماعة حزب الله لبث خطابها، الذي، بخلاف خطاب داعش الكوني، هو خطاب أهلي بامتياز.
فاستراتيجية داعش كانت تقوم على الصدمة العالمية وجذب المقاتلين من كل أنحاء العالم، وهذا النشاط الداعشي الاستراتيجي سبق المنصة، لكنه وجد فيها ضالته المفيدة لإيصال خطابه في غلاف يناسبه. أما حزب الله، فهو حركة ذات امتداد اجتماعي وشعبي في لبنان، لذلك كانت وسائل التواصل التفاعلية (كفيسبوك) أقرب لطبيعته التنظيمية.
بين مجد المظلومية وبطولة الفناء
هذا التباين في البنية التقنية والبصرية يقود إلى اختلاف جذري في مفهوم الموت وتوقيت اكتمال النجومية:
في نموذج فيسبوك (حزب الله): تصنع المنصة وعياً يحصر الأمان داخل الجماعة المغلقة، ويجعل من كل ما هو خارجها “مشروع جلاد” يتربص بالهوية. هنا تصبح المظلومية رأسمالاً رمزياً. مقاتل الحزب يرى في استهدافه مؤامرة تحرمه من استغلال نجوميته وجماله إلى أقصى حد. لذلكَ، ورغم مفاخرته بالبطولة والقوة، فإن نجوميته القصوى لا تتحقق في حياته، بل تنفجر في لحظة الموت.
لحظة “الشهادة” هي لحظة اكتمال “البروفايل الأبدي”. حيث تتحول التضحية إلى استدرار هائل للإعجاب، ورثاء شجي تتبادله العائلة والأقران والأصدقاء والمعارف، عبر المنصات، ببوستات خالدة تبتز عاطفة الجماعة وتؤكد نقاء الضحية التي قتلتها مؤامرة الخارج ظلماً.
في نموذج يوتيوب (داعش): لا وجود للبكائية ولا للمظلومية. فالنجومية هناك لا تبحث عن تصفيق الأهل ولا عن مراثي الشجن في الأزقة، بل تتحقق بالكامل في لحظة إخضاع الخصم وإلغائه. القاتل الداعشي لا يرى نفسه ضحية، بل يرى نفسه أداة عقاب كوني تتسيد المشهد البصري الممتد على اتساع الشاشة العالمية.
فخاخ الشاشات
يكشف هذا التشريح أن مقاتلي كلا التنظيمين قد سقطوا في فخاخ التقنية، لأنها وافقت هواهم. فمقاتل داعش قتله وهمه بأنه “إله معاقب” على مسرح يوتيوب الاستعراضي، بينما مقاتل حزب الله أسره بريق “البروفايل الفيسبوكي”. حيث دفعته الرغبة العارمة في نيل الإعجاب والمحبة إلى أن يرتدي أجمل حلله، لا ليعيش بها نجوميته في العالم، بل ليموت بها، ويتحول إلى ملصق وسيم على جدار فيسبوكي، يخلّد المظلومية ويؤبد عزلة الجماعة عن العالم.
تجربة الجماعتين العنيفة في مسارها ومآلاتها، استخدمت هذه التقنيات بوصفها ساحات قتال رمزية يتنافس على الهيمنة على محتواها الجميع. وأغلب الظن أن هذا الاستخدام لم يلحظ في مبتدأه واقع أن المنصات تبنى في الأصل على استقطاب الانتباه، والتطرف هو أسهل الطرق لجذب المتابعين. يبقى أن مساهمة هذه المنصات في تفعيل هذا التطرف مسألة تحتاج لبحث دقيق. لكن الثابت أن سياستها الهادفة لجذب الانتباه بصرف النظر عن مضمونه، ضخمت من وهم هاتين الجماعتين لقدراتها، وقد تكون ساهمت في انهياراتها على النحو التراجيدي الذي شهدناه.