لم تكن اللحظة التي رُفع فيها العلم السوري فوق مطار حميميم/اللاذقية، أو تلك التي انتقلت فيها إدارة مرفأ طرطوس إلى السلطات السورية، مجرد إجراء إداري أو تفصيل سياسي عابر. كانت لحظة تختصر نحو سبعة عقود من التاريخ، وتعلن نهاية أطول حضور عسكري وسياسي أجنبي عرفته سوريا الحديثة.
للمرة الأولى منذ منتصف القرن العشرين، تبدو سوريا دولة بلا وجود روسي أو سوفييتي على أراضيها، حدث يحمل أبعاداً تتجاوز الشأن العسكري، لأنه لا يتعلق بخروج قوات فقط، بل بانتهاء حقبة كاملة شكّلت جزءاً من هوية النظام السوري وتحالفاته وخياراته السياسية والأمنية.
منذ ستينات القرن الماضي، بدأت موسكو، حين كانت عاصمة الاتحاد السوفييتي، بناء نفوذها داخل سوريا عبر بوابات التسليح والتدريب والتعاون العسكري. وعلى مدى عقود، تحولت دمشق إلى أحد أهم حلفاء موسكو في الشرق الأوسط، بينما اكتسب السوفييت ما كانوا يبحثون عنه دائماً: موطئ قدم على شواطئ البحر المتوسط.
ولم تكن قاعدة طرطوس مجرد منشأة بحرية عادية، بالنسبة للكرملين مثّلت حلماً استراتيجياً قديماً. فمنذ عهد القياصرة، سعت روسيا للوصول إلى “المياه الدافئة” التي تمنح أساطيلها قدرة على الحركة بعيداً عن قيود البحار المتجمدة أو المحاصرة، لذلك كان الوجود في سوريا جزءاً من رؤية جيوسياسية روسية استمرت لعقود طويلة وتجاوزت الأنظمة والحكام.
لكن العلاقة الروسية السورية لم تقتصر على المصالح الاستراتيجية. فخلال عقود حكم الأسد الأب ثم الابن، كانت موسكو شريكاً أساسياً في بناء القدرات العسكرية والأمنية للنظام، ومصدراً رئيسياً للسلاح والدعم السياسي في المحافل الدولية.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انتقلت روسيا من موقع الداعم السياسي إلى الشريك المباشر في الحرب. واستخدمت حق النقض في مجلس الأمن مرات عديدة لمنع صدور قرارات دولية ضد نظام بشار الأسد، ثم ذهبت أبعد من ذلك عندما أطلقت تدخلها العسكري المباشر في 30 سبتمبر/أيلول 2015.
ذلك التدخل لم يكن مجرد عملية لمكافحة “الإرهاب” كما قدمته موسكو آنذاك، بل تحول إلى أحد أكثر التدخلات العسكرية تأثيراً في مسار الصراع السوري. فقد أسهم بشكل حاسم في منع انهيار النظام الذي كان يواجه ضغوطاً عسكرية وسياسية كبيرة، ومنحه سنوات إضافية من البقاء.
خلال تلك السنوات، ارتبط اسم روسيا بعشرات العمليات العسكرية التي استهدفت مدناً وبلدات سورية. حلب والغوطة الشرقية وإدلب وحمص وريف دمشق وغيرها من المناطق تحولت إلى ساحات للقصف الروسي المباشر أو للعمليات التي جرت تحت غطاء جوي روسي. ولذلك يصعب على كثير من السوريين النظر إلى انسحاب موسكو اليوم باعتباره مجرد تطور سياسي؛ فهو بالنسبة لهم نهاية مرحلة ارتبطت بذكريات ثقيلة من الحرب والدمار والنزوح.
المفارقة أن روسيا التي تدخلت عام 2015 لإنقاذ النظام السوري وإطالة عمره نحو عقد إضافي، تغادر اليوم بعد سقوط ذلك النظام نفسه. فالتدخل الذي أعاد تثبيت بشار الأسد في السلطة لم ينجح في معالجة الأسباب العميقة للأزمة السورية، ولا في بناء دولة قابلة للاستمرار. وعندما جاءت لحظة التغيير، لم تستطع القوة الروسية ولا قواعدها ولا أساطيلها منع حدوثه.
الأكثر أهمية أن هذا التحول تم من دون مواجهة عسكرية مفتوحة بين السوريين وروسيا. فلم تشهد البلاد حرب تحرير ضد القواعد الروسية، ولم تُستنزف المدن والقرى في معارك جديدة، ولم يُدفع ثمن بشري إضافي لإنهاء هذا الوجود. إنها سابقة في تاريخ المنطقة، أن يخرج لاعب دولي كبير من موقع استراتيجي بهذه الأهمية عبر التفاوض والترتيبات السياسية لا عبر الحروب.
ولهذا فإن المشهد الرمزي لاستلام السوريين مطار حميميم أو إدارة مرفأ طرطوس يحمل دلالات تتجاوز الصورة نفسها. فهذه ليست مجرد منشآت عسكرية أو اقتصادية؛ إنها الأماكن التي كانت تمثل النفوذ الروسي المباشر في سوريا والشرق الأوسط. وعندما تنتقل إلى السيادة السورية الكاملة، فإن الرسالة الأساسية هي استعادة القرار الوطني بعد عقود طويلة من الارتهان لمحاور خارجية مختلفة.
كما أن الحدث يكتسب أهمية إضافية لأنه يأتي بعد انتهاء أشكال أخرى من الوجود العسكري الأجنبي. فخلال سنوات الحرب، تحولت سوريا إلى ساحة تتقاطع فوقها جيوش وقواعد ونفوذ قوى دولية وإقليمية متعددة. أما اليوم، فإن خروج آخر قوة عظمى امتلكت قواعد استراتيجية دائمة على الأراضي السورية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها استعادة السيادة الكاملة للدولة.
بالنسبة لروسيا، فإن خسارة طرطوس وحميميم ليست مجرد خسارة قواعد. إنها خسارة آخر موقع متقدم لها على شرق المتوسط، وتراجع ملموس في قدرتها على التأثير في ملفات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما أنها تمثل نهاية مشروع استراتيجي استثمرت فيه موسكو موارد سياسية وعسكرية ومالية ضخمة لعقود طويلة.
أما بالنسبة للسوريين، فإن القيمة الحقيقية للحدث لا تكمن في خروج روسيا وحده، بل فيما ينبغي أن يأتي بعده. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغ الذي تتركه قوة خارجية قد يملؤه لاعب آخر إذا لم تنجح الدولة في بناء مؤسساتها واستقلال قرارها.
لهذا فإن المعنى الأعمق لرحيل روسيا ليس نهاية نفوذ دولة بعينها، بل ولادة فرصة تاريخية نادرة: أن تكون سوريا، للمرة الأولى منذ نحو سبعين عاماً، ملكاً للسوريين وحدهم.
ولا بد من خاتمة..
عندما دخلت الطائرات الروسية الأجواء السورية في خريف 2015 بدا لكثيرين أن موسكو جاءت لتبقى لعقود طويلة.. كانت تملك القواعد والبحر والسماء وحليفاً يحكم دمشق.. لكن بعد سنوات قليلة تبدلت الخريطة كلها.. رحل الأسد، وعادت القواعد إلى السوريين، وانسحبت روسيا من دون معركة.
قد يختلف السوريون حول ملفات كثيرة، لكنهم يستطيعون الاتفاق على حقيقة واحدة: أن اليوم الذي استعادت فيه سوريا حميميم وطرطوس ليس مجرد يوم في السجل العسكري، بل محطة تاريخية انتهى فيها فصل بدأ قبل نحو سبعين عاماً. ومن بين ركام الحرب الطويلة، يبرز مشهد نادر في الشرق الأوسط: قوة عظمى تغادر، وسيادة وطن تعود، من دون أن تُسفك قطرة دم جديدة.
