د. إحسان لامي… جريدة المدى
في عام 1949، عاد شاب عراقي من أمريكا يحمل معه ما يشبه اللقاح ضد أحد أخطر أمراضنا التعليمية: الحفظ بلا فهم. لم يكن اللقاح دواءً، بل كان فكرة، وهي “البراغماتية”. والفكرة، ببساطة، تقول إن قيمة الحقيقة لا تُقاس بما نردده عنها، بل بما تفعله في حياتنا. المعيار هنا ليس: كم حفظت؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل بما حفظته؟. كان ذلك الشاب هو نوري جعفر.
حاول جعفر أن يزرع هذه الفكرة في جسد التعليم العراقي، لكن الجسد لم يكن مستعداً لها. واليوم، بعد مرور أكثر من سبعين عاماً، ونحن نرى مدارسنا تخرج أجيالاً تحفظ ثم تنسى، نعود لنسأل من جديد: هل فشل نوري جعفر، أم فشلنا نحن في استيعاب فكرته؟
قبل أن نحكم على الأستاذ الدكتور نوري جعفر، يجب أن نفهم أولاً ما الذي حمله معه من هناك. في أمريكا، كان جون ديوي قد دفع بفكرة المدرسة بعيداً عن نموذج الثكنة التي يتكلم فيها المعلم ويصمت فيها الطالب، نحو نموذج أقرب إلى ورشة عمل يبني فيها الطفل عقله من خلال التجربة، والسؤال، والخطأ، والتصحيح.وفي هذا السياق، يمكننا النظر إلى فكرته من زاويتين أساسيتين.
الزاوية الأولى تتعلق بمفهوم البراغماتية، وهي ليست مجرد كلمة فلسفية معقدة، بل هي فلسفة عملية ترى أن العقل أداة. يشبه العقل هنا المطرقة: لا تُقاس المطرقة بجمال شكلها، بل بقدرتها على دق المسمار. وكذلك الفكرة لا تُقاس بفخامتها اللفظية، بل بقدرتها على حل مشكلة حقيقية في الحياة.
أما الزاوية الثانية فتتمثل في التعليم النشط، وهو ما يعني نهاية المعلم الخطيب وبداية الطالب الفاعل. في هذا النظام، لا يكون الطالب وعاءً ينتظر أن يُملأ، بل إنساناً يجرب، ويخطئ، ويصحح، ويتعلم. وشتان بين طالب يتعلم الرياضيات ببناء جسر صغير من الخشب، وطالب يحفظ قوانين فيزيائية عن جسور لم يرها في حياته أبداً.
لقد نجح ديوي في أمريكا لأن البيئة هناك كانت، بدرجات مختلفة، أكثر استعداداً لمجتمع يؤمن بالتجربة، وبسياسة تعليمية تفتح الباب أمام الابتكار. ولكن السؤال الصادم هو: هل كانت بغداد في منتصف القرن العشرين مستعدة فعلاً لمثل هذا الطرح؟
لم يكن نوري جعفر مجرد طالب متفوق حصل على الدكتوراه من جامعة أوهايو بتقدير ممتاز. كان رجلاً عاد من أمريكا وفي ذهنه سؤال خطير: لماذا تنتج بعض البيئات عقلاً فاعلاً، بينما تنتج بيئات أخرى ذاكرة ممتلئة وعقلاً معطلاً؟
لقد درس جعفر في المناخ الفكري الذي مثّله جون ديوي، وتأثر مباشرة بفلسفته العملية في التربية، لكنه لم يكن ناقلاً أعمى لأفكاره. لم يعد إلى العراق حاملاً وصفة أجنبية جاهزة، بل عاد بسؤال عملي: كيف يمكن أن يصبح التعليم في العراق تدريباً على الحياة، لا تدريباً على الامتحان فقط؟
وقد تجلى ذلك في ملمحين خطيرين: الملمح الأول هو الثورة على الحتمية الوراثية والاجتماعية. ففي زمن كانت فيه تفسيرات كثيرة تنسب التفوق أو التخلف إلى الوراثة، أو الأصل الاجتماعي، أو “الطبع” الثابت، جاء جعفر ليؤكد أن الذكاء لا يُفهم خارج البيئة، والتدريب، والخبرة، والتكوين الاجتماعي والثقافي. لم يقل ذلك كشعار سياسي عابر، بل ربطه بدراسات علمية في فسلجة الدماغ، وبالعلاقة بين الجهاز العصبي والبيئة والتعلم.
أما الملمح الثاني فكان الرسالة الأخطر: العراقي ليس عاجزاً بطبعه، بل قد يكون ضحية بيئة قتلت فيه روح السؤال. وهذه الرسالة، في بلد يخاف السؤال، أخطر من كثير من الخطب السياسية؛ لأن السلطة لا تخاف الطالب الذي يحفظ، بل تخاف الطالب الذي يسأل.
لماذا فشل المشروع؟ ليس بسبب الفكرة؟. هنا تكمن المأساة الحقيقية.
لم تكن مشكلة نوري جعفر أن فكرته مستحيلة. ربما كانت مشكلتها أنها كانت ممكنة أكثر مما ينبغي؛ ولذلك كانت مخيفة.
حاول الرجل أن يطبق مفهوم العقل العملي، والتعليم التجريبي، والمختبر التربوي، في وطن كان يتجه، شيئاً فشيئاً، نحو الثكنة: ثكنة في السياسة، وثكنة في المدرسة، وثكنة في طريقة التفكير.
ويمكن تلخيص هذا الفشل في ثلاثة أبعاد واضحة: البعد الأول هو الصدام المباشر مع السلطة، أو ما يمكن تسميته بجريمة الحقيقة. ففي عام 1954، لم يسكت جعفر عندما زورت حكومة نوري السعيد الانتخابات في مسقط رأسه، القرنة. رفض المساومة. وعندما طُلب منه التوقف عن الكتابة مقابل البقاء في وظيفته، اختار أن يواصل الكتابة. وكانت النتيجة فصله من العمل.
هنا لا نرى مجرد حادثة إدارية. نرى صداماً بين عقل يريد أن يقول الحقيقة، وسلطة تريد معرفة مطيعة. فالبراغماتية، في معناها النبيل، تعلمك أن تسأل: ما نتيجة هذه الفكرة في الحياة؟ لكن السلطة كانت تريد نوعاً آخر من “الفائدة”: كذباً مفيداً لاستمرارها.
البعد الثاني تمثل في الاغتيال المؤسسي عام 1963. فبعد الانقلاب، كان نوري جعفر ضمن قائمة أخطر الأساتذة الذين يجب إبعادهم عن الجامعة والحياة الأكاديمية. حُجزت أمواله، وطُرد من الجامعة، لا لأنه كان رجلاً كسولاً أو محدود الكفاءة، بل لأنه كان عقلاً حراً في زمن لا يحب العقول الحرة.
النظام السياسي في العراق، ملكياً كان أم جمهورياً، احتاج في لحظات كثيرة إلى موظف يوقع، لا إلى مفكر يسأل. وفلسفة ديوي، كما فهمها جعفر وطوّرها في سياقه، لا تنتج موظفاً مطيعاً فقط؛ إنها تنتج إنساناً قادراً على الحكم، والمراجعة، والاعتراض. وهذا النوع من البشر مزعج لكل سلطة تخاف الحرية.
أما البعد الثالث فيتجسد في الصراع مع المقدس الاجتماعي. فقد تعامل جعفر مع الحقيقة بوصفها مرتبطة بالتجربة والنتائج، لا بوصفها شيئاً جامداً لا يُمس. وهذا الطرح كان يصطدم بعقلية اجتماعية تبحث غالباً عن جواب نهائي، ونص مغلق، ويقين لا يُناقش. ولذلك بدا تعليم الطفل أن يسأل، ويشك، ويجرب، ثم يصل إلى قناعة، وكأنه تهديد للأخلاق، مع أنه في جوهره تدريب على العقل والمسؤولية.
رابعاً: الأشباح اليوم.. تعليم 2026 بين الحفظ والخراب
لو عاد نوري جعفر اليوم في عام 2026، ماذا سيرى؟. سيرى أن مشروعه لم يمت لأنه كان خاطئاً، بل لأن الواقع الذي رفضه ما زال قائماً بصور أكثر قسوة.
وسيشاهد هذا الانهيار في ثلاثة مظاهر رئيسية: المظهر الأول يكمن في أرقام الصدمة. فالعراق اليوم يواجه أزمة تعليمية عميقة، مع ملايين الأطفال خارج أسوار المدارس، وصفوف مزدحمة، ومدارس تعمل أحياناً بأكثر من دوام، وبنية تحتية لا تليق ببلد يريد أن يبني مستقبله. كيف يمكن أن نتحدث عن تعليم نشط، وعن مختبر، وعن سؤال، وعن تجربة، بينما ما زال بعض الأطفال يبحثون عن مقعد وكتاب ومدرسة آمنة؟
المظهر الثاني هو موت الإبداع. فخريج الجامعة العراقية اليوم، في حالات كثيرة، يستطيع أن يحفظ صفحات طويلة استعداداً للامتحان، لكنه يعجز عن كتابة بريد رسمي واضح، أو تحليل مشكلة في صلب تخصصه، أو تقديم حل عملي خارج النموذج المحفوظ. وهذه ليست إدانة للطالب بقدر ما هي إدانة للنظام الذي درّبه على النجاة في الامتحان، لا على التفكير في الحياة. الحفظ يصنع ذاكرة ممتلئة. أما السؤال فيصنع إنساناً حراً.
المظهر الثالث يعود إلى البنية التحتية. فتعليم ديوي وجعفر يحتاج إلى مختبرات، وورش، ومكتبات، ونشاط، ومساحة للحركة والخطأ. لكن مدارس كثيرة في العراق ما زالت تكافح من أجل الأساسيات: المقاعد، الأبنية، المختبرات، الكتب، والعدد الكافي من المعلمين. فكيف نطلب من طفل أن يجرب، وهو لا يملك أحياناً حتى شروط الجلوس الكريم؟
والمفارقة المؤلمة أن نوري جعفر نجح بالفعل في تخريج جيل مهم في دار المعلمين العالية، لكنه كان يصطدم دائماً بنظام أكبر منه، يعيد إنتاج الحفظ من خلال المناهج الرسمية، والامتحانات القسرية، والخوف من السؤال.
فشل نوري جعفر لم يكن فشلاً للفكرة، بل كان فشلاً ذريعاً للبيئة.
طالما أن المدرسة العراقية تُدار كأنها ثكنة لتخريج الطائعين، وطالما أن المعلم مجبر بقوة الوقت والمنهج والامتحان على التلقين بدلاً من بناء العقل، سيبقى نوري جعفر اسماً يذكره القليلون، بينما يستمر الواقع في إنتاج أجيال تحفظ كثيراً وتفهم قليلاً.
وهنا يطرح السؤال الصعب نفسه علينا جميعاً: هل نحن مستعدون اليوم لدفع الثمن الحقيقي لفكرة التفكير نفسها؟. أم أننا ما زلنا نفضل الخيار الأرخص، والأسهل، والأكثر راحة: الحفظ؟