ليست قليلة عناصر الشبه بين العراق ولبنان في السنوات الماضية، ولا عجب أن معظمها سلبي. فبدل أن يقتصر الحديث عن الامتداد الديني بين شيعة جبل عامل جنوبي لبنان ومرجعيات النجف جنوبي العراق، وهو موغل في القدم وله موروث ثقافي ثري لم يثر متاعب للبلدين قبل أن توزع الثورة الإيرانية شظاياها على المنطقة، وقبل أن تقطف طهران مكاسبها من أحداث 2003 العراقية، فإنّ الحالتين العراقية واللبنانية صارتا تلتقيان في مصطلح “اللبننة” لدى شرح النظام الطائفي العراقي المولود من تقاسم أميركي ــ إيراني للنفوذ، وفي تشابه “دويلتي إيران” القويتين داخل البنيان الدولتي العراقي واللبناني المنهار. وبدل أن يبقى البلدان يُذكران معاً لدى استذكار الفرع اللبناني لحزب البعث العراقي والذي لم يعد موجوداً لحسن الحظ، والفظائع التي لاحقت أفراده من قبل شقيقه السوري العدوّ، أضيفت الحرب الأهلية إلى لائحة القواسم المشتركة، ثم صارت أسماء المليشيات تتشابه هنا وهناك إلى درجة أصبح ملحاً إضافة “كتائب” قبل “حزب الله” في العراق لتمييزه عن شقيقه اللبناني الأكبر.
تلاقي البلدين عرف أحد وجوهه خلال حرب 2023 ــ 2024 بين إسرائيل وحزب الله، ففُتحت أبواب عراقية عريضة لمواطنين لبنانيين هاربين من الجحيم، وقيل كلام كثير عن احتمال بقاء شيعة لبنانيين في كربلاء والنجف وضواحي بغداد، وربما نقلهم إلى مناطق عراقية أخرى في إطار ما يُحكى بلا سند بشأن نيات افتعال تغيير ديمغرافي مذهبي في العراق، وترجيح كفة طائفة على أخرى عددياً بعدما اكتملت مهمة الترجيح سياسياً وأمنياً منذ 2003. لكن العنوان الأبرز للشبه بين البلدين ظلّ الغلبة الطائفية فيهما، وانهيار الدولة الرسمية مقابل ازدهار دويلة إيران فيهما، وإن تمت مأسسة تلك الدويلة في العراق بشكل أوضح مع دمج هيئة الحشد الشعبي في الجيش العراقي وجعلها هي الدولة والدولة هي، بينما ظلّ حزب الله في لبنان دويلة موازية لتلك الرسمية المهترئة.
وبعدما ظلّ العراق ممراً إلزامياً لذخيرة حزب الله اللبناني وسلاحه وكل ما يجب أن يصل إليه من إيران برّاً قبل سقوط نظام بشار الأسد، فإنّ التقاء الحالتين اللبنانية والعراقية دخل بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 مساراً معاكساً لما كان جارياً في الزمن الإيراني منذ 2003. أما وحدة المسار والمصير بين تابعَين لطهران في لبنان والعراق، فإنها ظلّت وحدةً بمعادلات التغيير السياسي الكبير الذي طرأ على المنطقة إثر عملية حركة حماس وما نتج منها إقليمياً. ففي العراق ولبنان، صار واضحاً أن “دويلة إيران” قد لا يُكتب لها عمر طويل. وفي حين يهدد حزب الله بالحرب الأهلية في لبنان ويصوّر قرار الدولة اللبنانية لتصفية وجوده المسلح “مؤامرة على الطائفة” على قاعدة أن الرمزين الرئيسيين الرسميين للدولة غير شيعيين، ويجد من يصدّق هذه الترهات، فإن أزلام إيران في العراق لا يمكنهم المتاجرة بالأكذوبة نفسها حين يتعلق الأمر برئيس الوزراء علي الزيدي الذي أمهلت حكومته المليشيات حتّى 30 أيلول/سبتمبر لتسليم سلاحها. تاريخ لم يتم اختياره صدفة، بل هو موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، وقد ظلّ (أي التحالف) حجة لتمسك المليشيات بجيوشها من الموصل إلى البصرة. أما وأن المهلة مرتبطة بزيارة الزيدي واشنطن في منتصف يوليو/ تموز الحالي، وبضغوط أميركية لحل المليشيات ومكافحة الفساد والإرهاب، فإنّ هذا لا يقلل من أهمية تحقيق تلك الثلاثية من الأهداف، إلا إذا اخترعوا لنا غداً خرافة عن أرض عراقية تحتلها إسرائيل، ووجبت مقاومتها عبر مليشيات طائفية، تماماً مثلما اخترع العقل الإيراني ــ السوري بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، وديعة اسمها مزارع شبعا لكي يصبح لبنان من أقوى أوراق مفاوضات طهران مع واشنطن، ولكي يستطيع محمد باقر قاليباف التباهي هذه الأيام بأنّ أربعة آلاف لبناني قُتلوا في لبنان من أجل إيران، وأن ثمة من حارب هناك لأجل بلده 104 أيام ولا يزال.