ملخص
تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا لا يخفف الأعباء عن واشنطن بقدر ما يضعف الردع التقليدي الذي تخشاه موسكو، ويمنح روسيا فرصة لاختبار تماسك الناتو عند درجات التصعيد الأولى. الاعتماد على المظلة النووية وحدها لا يكفي لحماية أوروبا، لأن غياب القوات الأميركية المتقدمة قد يحوّل أي هجوم روسي محدود إلى أزمة تضع الرئيس الأميركي أمام خيارين خطرين: التراجع أو التصعيد النووي.
يُقدم الرئيس دونالد ترمب على رهان خطير في أوروبا. فقد أعلنت الولايات المتحدة هذا الشهر إلغاء نشر كتيبة متخصصة في الضربات الدقيقة بعيدة المدى في ألمانيا، وسحب نحو 5000 جندي من البلاد. كذلك ألغت فجأة نشر فريق قتالي بالتناوب قوامه بين 4000 و5000 جندي كان مقرراً إرساله إلى بولندا، وذلك بعد إلغاء نشر مماثل في رومانيا عام 2025. وأشار البيت الأبيض إلى أن قوات جديدة قد تُرسل إلى بولندا، لكنه لم يوضح ما إذا كانت ستأتي من الولايات المتحدة أم سيُعاد توجيهها من ألمانيا. وقال حلفاء أوروبيون هذا الأسبوع لوسائل إعلام إن البنتاغون أبلغ الناتو بأنه سيقلص القوات التي كانت واشنطن ستدفع بها سريعاً إلى أوروبا في حال اندلاع أزمة، أي في حال وقوع هجوم روسي على أراضي الحلف.
وفي الوقت نفسه، سعت إدارة ترمب إلى طمأنة الحلفاء بأن التزامها الدفاع عن أوروبا لم يتراجع، متعهدة بالإبقاء على المظلة النووية فوق الناتو. وقد يروق هذا الحل الذي يبدو بسيطاً ومنظماً لتقاسم الأعباء، أي قوات أميركية أقل على الأرض مع ضمانة قصوى في الخلفية، لبعض الناخبين الأميركيين، لكنه خطير استراتيجياً لأنه يقوّض أسس الردع التي حمت التحالف عبر الأطلسي طوال عقود.
فبدلاً من تعزيز الاستقرار في أوروبا، يدفع نهج إدارة ترمب روسيا إلى اختبار هيمنة التصعيد لدى الناتو، أي قدرته على فرض كلفة غير مقبولة أو إحباط الخصم عند كل درجة من درجات سلّم التصعيد، بما يجبره على التراجع بدلاً من التصعيد. إن خفض القوات الأميركية يقلص هذه الهيمنة، ويضعف الردع في مواجهة العدوان الروسي في أوروبا. ومع مرور الوقت، قد تضع دورة من التصعيد الرئيس الأميركي أمام خيار لا يُحسد عليه: التراجع أو المجازفة بصراع نووي.
إن مفتاح ردع موسكو لا يكمن في أعلى درجات سلّم التصعيد، حيث تدخل الأسلحة النووية في الحسابات، بل في درجاته الدنيا، بحيث تكون الأسلحة التقليدية هي العامل الحاسم. ينبغي أن يكون الهدف هو ردع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إصدار أي أمر بالتحرك ضد الناتو. أما إذا نجحت روسيا في السيطرة على أراض محدودة في الجناح الشرقي للحلف، ثم تحدّت واشنطن بأن تدفعها إلى المجازفة بحرب نووية لاستعادة تلك الأراضي، فلن يبقى أمام الولايات المتحدة إلا أسوأ الخيارات.
ولتجنب هذا السيناريو، يتعين على واشنطن أن تُبقي في أوروبا القوات التي لا تستطيع إلا الولايات المتحدة توفيرها، والتي تخشاها موسكو أكثر من غيرها: قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى من الجو والبر والبحر. كذلك يجب أن تبعث برسالة واضحة إلى موسكو مفادها أن الولايات المتحدة لن تقف على الهامش في المرحلة الأولى من أي هجوم روسي في انتظار أن ترى ما إذا كانت القوات التقليدية الأوروبية قادرة على صده وحدها. إن إدارة ترمب محقة في الضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، لكنها لا تستطيع الاكتفاء بذلك. فالاكتفاء بهذا النهج سيمنح روسيا هيمنة التصعيد التي سعت إليها طويلاً، ويدفع الولايات المتحدة إلى حافة حرب نووية.
ما تخشاه موسكو أكثر من غيره
على مدى العقدين الماضيين، بات الكرملين يخشى قدرة الولايات المتحدة على مواصلة العمليات العسكرية التقليدية ليس لأشهر فحسب، بل لسنوات. فقد شاهد بوتين الولايات المتحدة وهي تضرب صربيا عام 1999 للضغط على قيادتها كي توقف عملياتها العسكرية ضد كوسوفو. ورأى القوات الأميركية تطيح “طالبان” وتطارد عناصر “القاعدة” في أفغانستان. كذلك تابع الولايات المتحدة وهي تغزو العراق، وتدمر أحد أكبر الجيوش في الشرق الأوسط، وتسقط النظام، ثم تواصل عملياتها هناك لأكثر من عقد. يتذكر الأميركيون هذه الحملات ويرون فيها إخفاقات وحروباً بلا نهاية. لكنها تبدو مختلفة من منظور موسكو. قد تبتسم القيادة الروسية إزاء الكلفة التي تكبدتها الولايات المتحدة، لكنها تخشى التفوق المذهل الذي حققته واشنطن في صراعات عبر العالم.
إن التحدي الذي تواجهه موسكو في أي مواجهة مع الناتو لا يتمحور فقط حول القوات التقليدية للحلف على امتداد جناحه الشرقي. فالعقبة الحقيقية أمام أي مخططات قد يضمرها الكرملين هي قدرة الولايات المتحدة على العمل عالمياً، أي قدرتها على توجيه ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية ضد شبكات الإمداد والنقل والعمليات والقيادة لإحباط أي تحرك ضد الناتو. هذا ما رأته موسكو في صربيا وأفغانستان والعراق.
ويتفاقم مأزق موسكو بفعل ما أثبتته الولايات المتحدة من قدرة على مواصلة عمليات عسكرية متقدمة متعددة المجالات عبر الجو والبر والبحر، مدعومة كلها بشبكات اتصالات واستخبارات عالمية واسعة، على مدى أشهر وسنوات، مع تزويد حلفائها وشركائها أيضاً بما يلزم لخوض حرب طويلة. وبعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014، ناقش محللون غربيون ما إذا كان الكرملين قد يحاول تكرار ذلك في دول البلطيق: افتعال احتجاجات في أوساط السكان من أصول روسية في واحدة أو أكثر من دول الناتو، ثم التحرك سريعاً للدفاع عنهم من خلال السيطرة على أراض. لكن الجيش الروسي كان يعلم آنذاك أن الامتداد العسكري واللوجيستي الأميركي على مستوى العالم سيحكم على الأرجح على أي محاولة كهذه بالفشل.
واليوم، ما زالت روسيا تحجم عن التحرك في مواجهة هيمنة التصعيد الأميركية. فما دامت الولايات المتحدة تحافظ على وجود قوي في أوروبا، فلن تحاول موسكو ضد دولة في الناتو ما حاولته ضد أوكرانيا عام 2022: هجمات برية وجوية وبحرية للسيطرة على مطارات وطرق وموانئ ومراكز قيادة. لكن إذا تراجعت واشنطن عن القارة، فستتغير حسابات موسكو.
لم تُستخدم أكثر قوات روسيا تطوراً، بما في ذلك قوتها الجوية وصواريخها البحرية متعددة المنصات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية والفرط صوتية المنطلقة من البر، بشكل كامل ضد أوكرانيا، بل بقيت مخصصة لمواجهة محتملة مع الناتو. وستظل هذه القوات خارج المعركة ما دامت الولايات المتحدة تحافظ على تفوقها في قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وعلى قدرتها على نقل التعزيزات والعتاد عبر الأطلسي ثم دفعها إلى ميدان القتال. وبين عامي 2022 و2025، ساعدت الأسلحة الأميركية أوكرانيا على الدفاع عن نفسها ضد الغزو الروسي، وكانت الولايات المتحدة مجرد مورّد لا طرفاً مقاتلاً. أما في حال الدفاع عن الحلف وعن الأراضي الأميركية، فستكون الولايات المتحدة أكثر قوة بكثير، إذ ستواجه روسيا عدداً أكبر من الجنود والمعدات، وعمليات إمداد ساحقة.
فتح الباب أمام العدوان
لا تستطيع الولايات المتحدة أن تترك درجات التصعيد التقليدية للأوروبيين، فتقف جانباً مكتفية بالتعهد باللجوء إلى الخيارات النووية إذا فشل كل ما عداها. فحتى مع امتلاك الدول الأوروبية قوات تقليدية كبيرة، وسعيها إلى شراء مقاتلات “أف-35” ومدفعية دقيقة بعيدة المدى، فإنها تفتقر إلى القدرة العالمية والقدرة اللوجيستية على الاستمرار التي تضيفها الولايات المتحدة إلى الناتو. وحتى الآن، ظل عمق القوات الأميركية ونطاقها واستمراريتها الكابح لأي إغراء لدى موسكو بضرب الحلف وانتزاع مكاسب من أعضائه الشرقيين.
ولفهم مدى جدية الكرملين في التعامل مع مشكلة هيمنة التصعيد الأميركية، لا بد من فهم تطور العقيدة العسكرية الروسية. ففي عام 2020، أعلنت موسكو أنها ستسمح بالاستخدام المحدود للأسلحة النووية عندما يهدد هجوم تقليدي من العدو “وجود الدولة ذاته”. وقد استبعد محللون كثر هذا السيناريو في حرب تقليدية مع الناتو، ولذلك لم يأخذوه بالجدية الكافية. لكن هذا التغيير في السياسة عكس في الواقع تقدير موسكو أن الولايات المتحدة ستستخدم، في مرحلة مبكرة من أي صراع، ضربات تقليدية دقيقة بعيدة المدى للقضاء على القيادة الروسية وتدمير الأصول الاستراتيجية اللازمة لتنفيذ ضربة ثانية. وكان تهديد موسكو بالاستخدام النووي المحدود، أي الصعود على سلّم التصعيد، محاولة علنية لإرساء هيمنة على التصعيد. فقد أدرك الكرملين أن واشنطن قادرة على شن حملة تقليدية مستدامة، تستخدم فيها قدرات ضرب متقدمة لا تضاهى وعلى نطاق واسع، ضد القيادة والسيطرة الروسية والأصول العسكرية العميقة. ولا يمكن لأي عملية خاطفة للاستيلاء على أراض في الجناح الشرقي للناتو أن تنجح في مواجهة ذلك.
لكن ثقة موسكو تتزايد. فإلغاء الفرق القتالية المتجهة إلى بولندا ورومانيا يزيل الوجود الدوري المستمر والتدريب المشترك مع الحلفاء في الأراضي التي قد تحاول موسكو السيطرة عليها والاحتفاظ بها. وهذا لا يقلص العمق الجغرافي للوجود العسكري الأميركي فحسب، بل يبعث أيضاً برسالة واضحة جداً بأن واشنطن تتبع نهجاً يرفع يدها عن الدفاع الأمامي، بما يحدث انقطاعاً في سلّم هيمنة التصعيد. وعندما ألغت إدارة ترمب نشر كتيبة الضربات الدقيقة بعيدة المدى في ألمانيا، منحت روسيا عمقاً استراتيجياً لعمليات الإمداد والتعزيز والقيادة خلف خطوط الجبهة.
ومن خلال سحب هذه الوحدة والإشارة إلى أن الولايات المتحدة ستلتزم بدرجة أقل بتعزيز الحلف في حال وقوع أزمة، تكون إدارة ترمب قد أوكلت فعلياً الدفاع التقليدي إلى أوروبا، وأضعفت عناصر الردع التي تخشاها موسكو أكثر من غيرها. والآن، قد تميل روسيا إلى الاستيلاء على أراض في دول البلطيق أو بولندا عبر بيلاروس، الدولة الحليفة الخاضعة لنفوذ موسكو، ثم تحدي الناتو كي يصعّد، وهي تعلم أن عقيدتها تتيح ضربات نووية محدودة حتى ضد قوات تقليدية تهدد أراضي جرى الاستيلاء عليها حديثاً. والنتيجة هي ارتفاع خطر المواجهة النووية.
وإذا سعت موسكو إلى استغلال خفض القوات الأميركية في أوروبا والتوغل في أراضي الناتو، فقد تضطر واشنطن إلى أن تقرر ما إذا كانت ستهدد باستخدام السلاح النووي لإجبار روسيا على التراجع. وبالنظر إلى الترسانة النووية الروسية الواسعة، وإلى عقيدتها الراسخة منذ زمن في الرد على الاستخدام النووي الأميركي بضربات ضد الأراضي الأميركية، فليس مؤكداً أن انهيار الردع التقليدي في أوروبا سيتوقف عند هذا الحد.
الصدقية على امتداد سلّم التصعيد
في بدايات الحرب الباردة، وبعد أن نشر الاتحاد السوفياتي قاذفات استراتيجية وصواريخ باليستية عابرة للقارات، واجه صناع القرار الأميركيون سؤالاً صعباً: هل ينبغي لواشنطن، كي تردع هجوماً على أوروبا، أن تهدد روسيا بحرب نووية وتخاطر بتعرض الأراضي الأميركية لضربة؟ وكان الجواب هو تعزيز الصدقية على امتداد سلّم التصعيد. فقد استثمرت واشنطن في قدرات تقليدية قوية متعددة المجالات، ونشرت طائرات مقاتلة مزودة بأسلحة نووية في قواعد جوية تابعة للناتو في أوروبا. وكان دمج الالتزامات الأميركية التقليدية والنووية تجاه الحلف محورياً في تحقيق هيمنة التصعيد والردع ذي الصدقية، وفي النهاية السلمية للحرب الباردة في نهاية المطاف.
لقد تغيرت القدرات التقليدية والنووية لدى الولايات المتحدة وروسيا تغيراً جذرياً منذ الحرب الباردة، لكن المنطق الأساسي للردع ذي الصدقية وهيمنة التصعيد في أوروبا لا يزال قائماً. ولكي تقنع واشنطن موسكو بأن أي هجوم على الناتو لا يمكن أن ينجح، عليها أن تواصل توفير ما تخشاه روسيا أكثر من غيره: قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والتعزيز السريع بقوات تقليدية متقدمة، والقدرات اللوجيستية الجوية والبحرية اللازمة للقتال على مدى أشهر أو سنوات.
وقد أدرك حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيون الحاجة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي. فهم يضعون مزيداً من أنظمة الأسلحة المتقدمة قيد الإنتاج، واتفقوا في قمة الناتو عام 2025 على إنفاق ما لا يقل عن خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. لكن ما لم تبقَ الولايات المتحدة طرفاً محورياً في إحباط خطط الحرب الروسية منذ الساعات الأولى لأي هجوم، فسترى موسكو مواطن الضعف في سلّم التصعيد لدى الناتو، وقد تُغرى باستغلالها، مؤكدة هيمنتها على التصعيد ومتحدية واشنطن أن تختبرها.
لن تُردع موسكو إلا باستراتيجية متكاملة تعد بفشل روسيا. فإذا أشارت واشنطن إلى عدم استعدادها للانخراط في عمل عسكري تقليدي دفاعاً عن أوروبا، فسيستنتج بوتين أن روسيا تتمتع بهيمنة التصعيد في القارة، وقد يصعد على درجات السلّم التقليدي. وسيترك ذلك الرئيس الأميركي أمام خيار صارم: القبول بالمكاسب الروسية أو القفز إلى الدرجة النووية. عندها ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية تاريخية لن تكون إلا من صنعها هي.
ترجمة عن “فورين أفيرز” 28 مايو (أيار) 2026
