أين إيران من وحدة الساحات؟
في موازاة ذلك، يبرز سؤال لا يقل أهمية يتعلق بـ”الحزب”. فرغم ما يظهره مقاتلوه من إصرار، ورغم استمرار إطلاق الصواريخ بدرجات متفاوتة، فإن حجم التحولات الميدانية يفرض نقاشاً سياسياً يتجاوز منطق الصمود العسكري بحد ذاته. هل يملك الحزب رؤية سياسية للتعامل مع السيناريوهات المقبلة؟ هل تجري داخل مؤسساته مراجعة جدية لما آلت إليه الأمور وللخيارات الممكنة في المرحلة المقبلة؟ أم أن الحسابات لا تزال محكومة بمنطق المواجهة المفتوحة مهما بلغت الكلفة؟ كيف يفكر العقل السياسي في الحزب؟ هل من مواكبة واقعية لكل هذه التطورات ودراسة للاحتمالات وكيفية التعامل معها، أقله من باب التفكير بشأن من يمثلون ووجودهم وحضورهم السياسي والاقتصادي في النظام، أم أن الرهان الأول هو الأخير بالنسبة لهم: إما أن نربح مع إيران أو ننهزم معها؟
أين هي إيران من ذلك؟ إذ منذ اندلاع المواجهة، بُني جزء كبير من الخطاب السياسي على فكرة الترابط بين الساحات ووحدة المسارات. لكن الوقائع تطرح تساؤلات مشروعة. فإيران توصلت إلى وقف لإطلاق النار على أراضيها من دون أن ينسحب ذلك على لبنان، وتواصل مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن مصالحها الوطنية. فكيف يمكن تفسير هذا التباين بين الخطاب والممارسة؟ وكيف يستقيم الحديث عن وحدة المسار فيما تتوقف الصواريخ المتبادلة بين إيران وإسرائيل نتيجة تفاهمات معينة، بينما يستمر لبنان في دفع أثمان الحرب والدمار والاحتلال؟
وضوح وشجاعة
لكن هذه الأسئلة لا تعفي إسرائيل من مسؤوليتها الأساسية عما يجري. الدولة التي تواصل عمليات القتل والتدمير والتهجير، وتستهدف البنية المدنية والحياة اليومية لمئات آلاف اللبنانيين، لا يمكنها الادعاء بأنها تخوض حرباً دفاعية فحسب. فما تشهده مناطق واسعة من الجنوب يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة إلى إنتاج واقع من الخراب الجماعي ستكون له آثار إنسانية وسياسية تتجاوز حدود المعركة الحالية.
من حق اللبنانيين أن يتساءلوا. بل من الطبيعي للبنانيين أن يطلبوا معرفة موقع بلدهم ضمن المعادلات الإقليمية التي دفعوا أثمانها مراراً. فحين تُدمَّر القرى وتُهجَّر العائلات وتُرسم احتمالات جديدة لمستقبل الجنوب، يصبح من المشروع مساءلة الجميع: إسرائيل عن عدوانها ومشاريعها، وإيران عن حساباتها وأولوياتها، والحزب عن خياراته وقراءته للمرحلة المقبلة. ما يحتاجه لبنان اليوم هو وضوح سياسي وشجاعة في مواجهة الأسئلة التي فرضتها الحرب، مهما كانت الإجابات عنها صعبة ومؤلمة.
*أمين السر العام في الحزب “التقدمي الاشتراكي”