ملخص
بالنسبة إلى التجربة المتعلقة بثلاثية كوكتو – غلاس، فلقد طواها الزمن، ولم يبقَ منها سوى ذكراها بوصفها من تلك التجارب الفنية التي تنمو من فرادة المبدعين وتجربتهم، ثم تندر قبل أن تطلع لديهم أو لدى غيرهم تجارب أخرى توسم بالجنون، لكنها تتمكن في نهاية المطاف من أن تعبّر عن فوَّاحة الفن وقدرة المبدعين على الابتكار والتجديد انطلاقاً من أحلامهم.
منذ زمن بعيد ربما يعود إلى السنوات الأولى بعد ولادة فن السينما، وإلى عالم الأحلام الذي كثيراً ما داعب مخيلة السينمائي الفرنسي جورج ميلييس، حلم كثر من السينمائيين بأن يصار يوماً إلى الدمج المطلق بين فنين شاملين يمكنها يوماً أن يكمل بعضهما بعضاً: السينما والأوبرا. وهو الحلم نفسه الذي استعاد قوته وحضوره بعدما نطقت السينما أواخر العقد الثالث من عصر السينما، أي القرن الـ20، وراح ينتشر بين هواة السينما وموسيقييها. ولسوف يكون من بين هؤلاء الموسيقي الأميركي فيليب غلاس الذي سيقول لاحقاً إن حلمه الدائم في هذا المجال كان يقتصر بالأحرى على النهل من عمل جان كوكتو. وهو عاد ليقول إنه “الآن قد أكملت حلمي سأتجه بعده إلى دروب أخرى”. وهو قال هذا عام 2004 بعد عام من تقديمه الجزء الثالث من تلك الثلاثية، والذي أتى تلخيصاً لذلك الحلم وخاتمة له. وكان ذلك في أوبراه التي سماها “سينما – أوبرا”، وكانت عبارة عن تجربة احتشد جمهور عريض لمتابعها في القاعة الرئيسة بمدينة الموسيقى في الشمال الباريسي. لكنه، أي الجمهور الذي تابع العمل ورحَّب به، لم يكن كافياً لضمان انتشار ذلك النوع من الفن وتحوله إلى “فن للقرن الـ21” كما كان عدد من النقاد تنبأوا.
غير أن تلك التجربة، كما حال التجربتين الأولى والثانية اللتين سبقتاها، كانت كافية لتعتبر حدثاً فنياً ضخماً، وتجربة رائعة في المزاوجة الخلاقة بين فن الشاشة وفن الغناء الأوبرالي.
كوكتو في ثلاثة أعمال. لقد أسفر الأمر يومها عن عمل مدهش، كان من شأنه أن يثير حماسة كوكتو نفسه لولا أنه كان قد رحل عن عالمنا قبل 30 عاماً من إنجاز غلاس الجزء الأول من الثلاثية، وكان عبارة عن استعراض يمزج بين فيلم كوكتو نفسه “أورفيه”، وموسيقى المؤلف الشاب، 1994. علماً بأن الجزء الثالث من الثلاثية، وهو اقتباس على شكل باليه لمسرحية وفيلم كوكتو “الأبناء الأشقياء” ظهر عام 1966، أي بعد عام من التقديم الأول لفيلم – أوبرا “الحسناء والوحش” عام 1995 (وهو تقديم لم يؤخذ في الاعتبار يومها لأن المؤلف قدمه على عجل لمجرد ان تكتمل الثلاثية، بحيث اعتبر تقديم عام 2012 التقديم الأول الحقيقي، للجزء، ومن ثم التقديم النهائي للثلاثية).
ومهما يكن من الأمر هنا، يبقى أن “الحسناء والوحش” كما أنجزه فيليب غلاس، يبقى الأهم في الثلاثية، والعمل التجريبي الأكثر إثارة للنقاش في عالم المزاوجة بين الصورة المتحركة والموسيقى غير التزيينية، كما سوف نرى في السطور التالية، ولو من الناحية التقنية البحت. ولقد نتج النقاش عما اعتبره غلاس نفسه تجديداً لا يمكن المجاراة فيه، إذ هنا، وهو بدلاً من أن يلجأ إلى أسلوب تقليدي ما في موسقة الحكاية المعروفة نفسها، والتي اقتبسها كوكتو في فيلمه، معطياً إياها أبعاداً فلسفية وجمالية تخرج عن المألوف، وأسهم في جعل الفيلم واحدة من تحف السينما الفلسفية على أية حال، اشتغل على المشروع بطريقة اعتبرها مبتكرة، لكنها سوف تتسم بصعوبات تقنية بالكاد يمكن التغلب عليها وبوقوف العرض في كل لحظة من لحظاته على حافة الهاوية. لماذا؟
بين الصوت والصورة ببساطة لأن غلاس آثر ركوب أصعب درجات المغامرة الفنية. فهو أتى بنسخة مرممة وكاملة، من فيلم كوكتو القديم بالأبيض والأسود طبعاً ليجعله يعرض طوال ما يقرب من ساعتين على شاشة ضخمة تتصدر خشبة المسرح. أما على هذه الخشبة فأتى بممثلين حقيقيين وبمغنِّي أوبرا معروفين ليؤدوا الحكاية أوبرالياً أمام الجمهور، عبر غناء حقيقي لكنه مضطر إلى أن يتبع حركات شفاه ممثلي الفيلم الذين لا يسمع صوتهم بالنظر إلى أن ما يسمع ليس سوى صوت الممثلين والمغنين الحقيقيين المتحركين على الخشبة.
هنا قد يتساءل القارئ عن وجه الصعوبة والخطر في ذلك الأداء. والجواب واضح: إن على الممثلين والمغنِّين أن يحافظوا على غنائهم وحواراتهم، ليس فقط على وقع إيقاعات موسيقى غلاس الموضوعة لحوارات كوكتو نفسه فحسب، بل بالتطابق مع حركات شفاه ونظرات ممثلي الفيلم ومغنيه، ويقيناً أن العمل يبدو من هذا المنظور أشبه بالأعجوبة الفنية التي لئن كان من المنطقي لها أن تنفذ بجلدها وتحقق نجاحاً في عرض افتتاحي يعد له طويلاً ويساهم فيه عشرات المساعدين وضابطي الإيقاع، فإن ثمة نوعاً من الاستحالة يرسم تقديمها لأيام متتالية. في اختصار هو عرض يقرب من نوع “الهابننغ” الذي لا يقدم عادة سوى مرة واحدة.
حلم ليلة عابرة إزاء ذلك كله كان على فيليب غلاس أن يعترف في نهاية الأمر بأن الحكاية كلها بالنسبة إليه إنما هي حكاية تحقيقه، وعلى نطاق عريض، واحداً من أحلام صباه، غير أنه وهو يحقق ذلك الفيلم كان لا مفرّ له من أن يتساءل عن إمكانية أن تنجح التجربة خارج إطار بعدها المتسم بفردية بينة.
بالنسبة إليه كان النجاح يتمثل، من ناحية، في إمكانية العودة إلى تقديم العمل نفسه، داخل إطار الثلاثية أو خارجه، باعتبار أن الجزء المتعلق بموسقة “الحسناء والوحش” وتقديمه عبر ذلك العرض الفريد، اعتبر من قبل نخبة النقاد والمعنيين الجزء الأكثر كمالاً ووعداً بين أجزاء الثلاثية، ناهيك بأنه الجزء الأكثر قرباً من روح كوكتو نفسه على أية حال، ومن ناحية ثانية، تحول المشروع كله إلى سابقة فنية يسير على هديها فنانون آخرون، مما يؤدي إلى خلق صنف فني جديد يستجيب لحلم السينمائيين المبكرين، وتحديداً لواحد من أحلام جورج ميلييس.
غير أن أي شيء من هذا القبيل لم يتحقق، حتى وإن كنا نعرف أن السينما والأوبرا قد وجدا منذ عقود وبدءاً من الزمن الذي قدم فيه فيليب غلاس ثلاثيته أواسط تسعينيات القرن الماضي، غير طريقة للحضور معاً، في الصالات ولكن طبعاً عبر عروض لأوبرات تنقل من أكبر المسارح العالمية لتبث على شاشات تلك الصالات (ويقيناً أن هذا يختلف اختلافاً كبيراً عما حلم به فيليب غلاس منطلقاً من عشقه لفن جان كوكتو).
أما بالنسبة إلى التجربة المتعلقة بثلاثية كوكتو – غلاس، فلقد طواها الزمن، ولم يبقَ منها سوى ذكراها بوصفها من تلك التجارب الفنية التي تنمو من فرادة المبدعين وتجربيتهم، ثم تندر قبل أن تطلع لديهم أو لدى غيرهم تجارب أخرى توسم بالجنون، لكنها تتمكن في نهاية المطاف من أن تعبِّر عن فوَّاحة الفن وقدرة المبدعين على الابتكار والتجديد انطلاقاً من أحلامهم.
