خوشناف حمو
للبطولة مكانتها الخاصة في ذاكرة الشعوب التي عاشت القهر والصراع. هي لحظة كسر الخوف، وإعلان الرفض، وحماية الكرامة حين كانت مهددة. لا يمكن إنكار هذه الحقيقة، ولا التقليل من أثمانها الباهظة. لكن الإشكال لا يبدأ من البطولة نفسها، بل من تحويلها إلى حالة دائمة، وكأن الزمن يجب أن يتوقف عند لحظة التضحية القصوى.
في مراحل الصراع، تكون البطولة ضرورة أخلاقية ونفسية. فهي تمنح الناس معنى، وتوحّدهم في وجه الخطر، وتخلق شعورًا بالكرامة الجماعية. لكن حين يتغير الزمن وتبقى الأدوات نفسها، يبدأ الخلل. فما يحمي الجماعة في لحظة الانفجار، قد يعرّضها لخسائر أكبر في لحظة البناء.
هنا تبرز المسؤولية لا بوصفها نقيضًا للبطولة، بل بوصفها امتدادها الطبيعي. المسؤولية هي الانتقال من منطق التضحية غير المحدودة إلى منطق الحفاظ على ما تبقّى وتنميته. هي أن نسأل ببرود العقل لا بحرارة العاطفة: ما الذي يمكن حمايته اليوم؟ ما الذي يمكن بناؤه؟ وما الذي لا يجوز المجازفة به لأنه غير قابل للتعويض؟
كثير من المجتمعات التي نجحت أدركت هذه النقلة في الوقت المناسب. لم تتنكر لأبطالها، ولم تمحُ ذاكرتها، لكنها توقفت عن مطالبة الأجيال الجديدة بإعادة إنتاج الألم نفسه. أعادت تعريف الشجاعة بوصفها قدرة على التنظيم، والانضباط، وضبط الإيقاع، لا الاندفاع وحده.
في الحياة اليومية، تبدو المسؤولية أقل بريقًا من البطولة. لا تُكتب عنها القصص الكبرى، ولا تُرفع لها الصور. لكنها حاضرة في تفاصيل صامتة: في أب يختار الاستقرار بدل المغامرة غير المحسوبة، في شابة تستثمر في تعليمها بدل انتظار حدث خارق، في موظف يتقن عمله لأنه يعرف أن الإهمال كلفة جماعية.
الانتقال من البطولة إلى المسؤولية لا يعني الخضوع للأمر الواقع، بل فهمه وإدارته. هو انتقال من ردّ الفعل إلى الفعل طويل الأمد، ومن منطق اللحظة إلى منطق الزمن. ففي عالم معقّد، قد تكون القدرة على الاستمرار أصعب وأشجع من القدرة على التضحية.
ربما نحتاج اليوم إلى نوع جديد من الشجاعة:
شجاعة أن نعيش بوعي،
أن نراكم القوة بصمت،
وأن نحمل مسؤولية المستقبل بدل الاكتفاء بتقديس الماضي.