حين يصبح صاحب فكرة احتجاز الأميركيّين مقابل المال أميناً للمجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيراني، لا يعود الكلام زلّة لسان أو موقفاً عابراً في سجلّ قائد عسكريّ سابق. محسن رضائي، الذي اقترح قبل سنوات أن تتحوّل أسر الجنود الأميركيّين إلى مصدر مليارات الدولارات، يجد نفسه اليوم في موقع يتيح له المشاركة في رسم السياسة الأمنيّة الإيرانيّة تجاه واشنطن. وبين الاقتصاد المنهك، والحرب، والنوويّ، ومضيق هرمز، يبدو أنّ الرجل الذي جمع في خطابه بين الأمن والاقتصاد والانتقام بات أمام اختبار مختلف: هل يمكن أن تتحوّل أفكاره القديمة إلى جزء من حسابات إيران الجديدة؟
حين قال محسن رضائي، القائد العامّ السابق للحرس الثوريّ الإيرانيّ، عام 2015، إنّ إيران يمكن أن تأسر ألف أميركيّ إذا هاجمتها الولايات المتّحدة، ثمّ تطالب بمليارات الدولارات مقابل الإفراج عنهم، بدا التصريح يومها واحداً من أكثر طروحاته إثارة للجدل. لكن بعد أكثر من عقد، تكتسب هذه الأقوال خطورة مختلفة، خصوصاً بعدما أصبح رضائي، في 9 آب من العام الجاري، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيرانيّ، وشريكاً مباشراً في صنع القرار المتعلّق بالولايات المتّحدة والقضايا الأمنيّة والعسكريّة.
يروي الكاتب الإيرانيّ عطا محمّد تبريز، في مقال نشره موقع “إيران واير”، مسار صعود رضائي إلى هذا الموقع، مستعرضاً مواقفه من الولايات المتّحدة وإسرائيل والبرنامج النوويّ ومضيق هرمز، وخطابه بشأن الانتقام والوحدة الداخليّة.
قاد رضائي الحرس الثوريّ منذ عام 1981. وحاول الوصول إلى الرئاسة مراراً، فترشّح عام 2005 قبل أن ينسحب، ثمّ خاض انتخابات 2009 و2013 و2021 من دون نجاح. لكنّ إخفاقاته لم تمنعه من البقاء داخل دوائر السلطة، إذ شغل مواقع في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وتولّى لاحقاً منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصاديّة في حكومة إبراهيم رئيسي.
نظريّة اقتصاديّة: مليار دولار مقابل كلّ أميركيّ
لا تقتصر شخصيّة رضائي على الأمن والعسكر، فهو حاصل على دكتوراه في الاقتصاد. لكنّ أكثر تصوّراته إثارة للجدل تمثّل في ربط المواجهة العسكريّة مع الولايات المتّحدة بأسر أميركيّين والحصول على أموال مقابل الإفراج عنهم. ففي عام 2015، قال إنّ القوّات الإيرانيّة ستتمكّن، إذا هاجمت واشنطن إيران، من أسر ألف أميركيّ خلال الأسبوع الأوّل، ثمّ مطالبة الولايات المتّحدة بدفع “عدّة مليارات من الدولارات” مقابل الإفراج عن كلّ واحد منهم، مضيفاً أنّ ذلك قد يحلّ المشكلات الاقتصاديّة الإيرانيّة.
لم تبقَ الفكرة تصريحاً قديماً. ففي نيسان الماضي، خلال الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران، عاد رضائي إلى الطرح نفسه، وقال إنّ دخول القوّات الأميركيّة الأراضي الإيرانيّة سيكون “رائعاً بالنسبة لنا”، متوقّعاً أسر آلاف العسكريّين الأميركيّين. وهذه المرّة حدّد المقابل الماليّ صراحة: “سنأخذ مليار دولار مقابل كلّ أسير”.
لا نثق بالولايات المتّحدة
يمثّل انعدام الثقة بواشنطن أحد ثوابت خطاب رضائي. ففي أيّار 2025، وقبل اندلاع حرب الأيّام الاثني عشر مع إسرائيل، وصف تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بشأن تفكيك المنشآت النوويّة الإيرانيّة بأنّها “مزيج من الوهم والخداع والهذيان والارتباك”، وربطها بتحالفه مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.
في مقابلة مع “روسيا اليوم” في 8 حزيران الماضي، قال إنّ مشكلة ترامب تتمثّل في “عدم الاستقرار والتصريحات المتناقضة… إنّه ليس رجل تفاوض”، ودعا المعارضين الإيرانيّين للمفاوضات إلى الصبر، معتبراً أنّ “الأميركيّين أنفسهم سيدمّرون هذه المفاوضات”. وفي مواقفه الأحدث، اتّهم واشنطن بانتهاك تفاهمات تتعلّق بمضيق هرمز، وشنّ ضربات على السواحل الإيرانيّة ومطار بندر عبّاس وجزيرة قشم ومنشآت تحلية المياه، وفرض شروط على الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانيّة المجمّدة.
مضيق هرمز والنّوويّ: خطّ أحمر
يحتلّ مضيق هرمز موقعاً محوريّاً في رؤية رضائي الأمنيّة. ويقول: “مضيق هرمز تحت إدارتنا، ولن نتراجع عن هذا الموقف تحت أيّ ظرف”، واصفاً الحصار البحريّ الأميركيّ بأنّه عمل من أعمال الحرب. وفي 7 آب من العام الجاري، حذّر من أنّ استمرار الحصار سيعرّض السفن والقوّات الأميركيّة لـ”مخاطر وخسائر جسيمة”، مؤكّداً: “لن نسمح أبداً بفتح ممرّ ثانٍ في مضيق هرمز”.
رأى رضائي أنّ السيطرة الإيرانيّة على المضيق تحمي الأمن القوميّ وتحافظ على الاستقرار الاقتصاديّ العالميّ، محذّراً من إدارة أميركيّة مشتركة للممرّ لأنّها ستمنح واشنطن سيطرة على أهمّ نقطة اختناق للطاقة في العالم وقدرة على التأثير في أسعار النفط.
أمّا نوويّاً فقال رضائي في حزيران الماضي: “سنواصل الامتناع عن السعي إلى قنبلة نوويّة”. لكنّه أصبح أكثر حزماً بشأن تخصيب اليورانيوم، معلناً: “لن نتراجع عن التخصيب، إنّه حقّنا بموجب القانون الدوليّ”.
الانتقام ضرورة استراتيجيّة
بالتوازي مع تشدّده تجاه الخارج، دعا رضائي إلى الحفاظ على الوحدة الداخليّة، معتبراً تشديد المرشد الأعلى الجديد (السيد مجتبى خامنئي) على سوء النيّة الأميركية “تحذيراً واضحاً للمشاركين في المفاوضات”، وداعياً إلى اليقظة وتجنّب الانقسامات الفئويّة.
حدّد ملفّين قابلين للتفاوض: “المطالب القانونيّة والتعويض الكامل عن الأضرار”، و”الملفّ الحاسم للانتقام لاستشهاد قائد الثورة”. واعتبر الانتقام “ضرورة عقلانيّة وقانونيّة واستراتيجيّة” لضمان أمن البلاد مستقبلاً، معتبراً قدرة إيران على إدارة شؤونها تسعة أيّام من دون قائد دليلاً على رسوخ مؤسّسة الدولة.
تقدّم بعض الروايات الإيرانيّة رضائي بوصفه قادراً على إدارة الاحتكاكات بين الحكومة والمؤسّسة العسكريّة والتيّار الأصوليّ. وقد أشاد مسؤولون، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومستشار المرشد محمد مخبر، بخبرته وفهمه للقضايا الاستراتيجيّة، فيما وصفه القائد السابق في الحرس غلام علي رشيد بأنّه “قائد عظيم”. لكنّ الصحافي الإصلاحيّ أحمد زيد آبادي رأى أنّ الصورة السابقة عنه باعتباره قائداً معتدلاً نسبيّاً لم تعد تنطبق عليه
