-
ميّار مهنا…الجمهورية .نت
-
-
-
حتى وقت قريب، كان تمثال حافظ الأسد يقبع بين دار الأوبرا والمعهد العالي للفنون المسرحية، في موقع مكشوف يراه القاصي منه والداني، ويتمركز بين مؤسستين تشكّلان جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي في البلاد.
في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، احتشد الطلاب حول التمثال وأسقطوه، لم يكن الفعل موجّهاً إلى الحجر بقدر ما كان استهدافاً للمنظومة التي مثّلها في الاستبداد، والتهديد الأمني، ونظام المراقبة الذي تربص بالمارّين على المؤسسة من طلاب وكادر تعليمي وإداري، على مدى عقود.
لم تنتهِ محاولات استعادة الفضاء المشترك بأفعال شكليّة، فقد كان الطلاب والكوادر التدريسية على حد سواء، يتوسمون إعادة هندسة المكان والتخلّص مما كان يُحيلهم إلى عهد انقضى دون رجعة، فسرعان ما اعتصموا بعد أيام داخل المعهد، مطالبين بإقالة العميد ثامر العربيد.
ومع تصاعد الضغط، انتهى الاعتصام باستقالته، وتعيين عميد من الكادر التدريسي لتيسير أمور المعهد، بيدَ أن هذا المسار لم يدم طويلاً، سيما بعد تعيين غطفان غنوم مكلّفاً بتسيير شؤون المعهد في آب (أغسطس) 2025، والذي قوبل بإجراءات احتجاجية شملت مناشير في المعهد تحمل عبارات مثل: «ع المعهد ما إلك وصاية»، «كفاءات مش ولاءات»، و«العمادة إلها أصولها»، وما تبعها من استقالة معظم الكادر التدريسي.
منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، ما يجري في المعهد لا يمكن اختزاله في مجرد خلاف إداري، أو احتجاج على مسار مؤسساتي، بقدر ما يكشف عن استمرار آلية إدارة تقوم على تجاوز البنية الأكاديمية نفسها.
أُسس المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1977، وأسهمت في تأسيسه شخصيات مسرحية مرموقة مثل فواز الساجر، وسعد الله ونوس، ونبيل حفار، ونائلة الأطرش، ونديم محمد، ووليد القوتلي، وغسان المالح، ونُقل مقره من دمر إلى ساحة الأمويين في عام 1990، ليغدو جزءاً من المساحة التي تجمع كُبرى الصروح الثقافية في البلاد، والتي شكّلت سوراً يُحيط بواحدة من أشهر الساحات السورية، والتي لطالما كان لها شأنها الرمزي بالنسبة إلى السلطات السابقة والحالية.
استلهم المؤسسون أفكارهم من المدارس السوفييتية والفرنسية، ويتألف المعهد من أقسام: التمثيل، والسينوغرافيا، والفنون الصوتية والضوئية، والرقص، والدراسات المسرحية. وهو أحد المفاصل الثقافية الأساسية في البلاد، ما يؤهله ليكون، مع بقية المعاهد الأكاديمية العليا التابعة لوزارة الثقافة، ملفاً أساسياً من ملفات الوزارة وعلى قائمة أولوياتها، فمن نافل القول إن المؤسسات الثقافية لا تعمل في فراغ، وإنما تعكس إدارتها وسياساتها، طبيعة اللحظة السياسية ومسار التحول العام.
غير أن أول اختبار فعلي لاسترداد مكانة المعهد اصطدم سريعاً بجملة من العقبات، فمنذ المطالبة بإقالة العميد الأخير في عهد نظام الأسد، وعاصفة الاحتجاجات في المعهد العالي للفنون المسرحية لم تتوقف، لا سيما حين تجاهلت وزارة الثقافة مطالب الهيئة التدريسية والطلاب، وعينت الممثل غطفان غنوم عميداً للمعهد العالي للفنون المسرحية، وما تبع هذا التعيين من تجاوزات إدارية بالجملة طالت آليات العمل الداخلية والقانون الناظم للمؤسسة، والتي انسحب تأثيرها على الطلاب الذين يشهدون يوماً بعد يوم تهاوي مؤسّستهم التعليمية التي أسسها كبار المسرحيين السوريين. وبهذا لا تبدو أزمة المعهد الراهنة مجرد سجال إداري بين وزارة الثقافة والعميد المكلف من جهة والكادر التدريسي والطلاب من جهة أخرى، بقدر ما هي خروقات بحق المؤسسة عينها.
طرحت هذه التطورات سلسلة أسئلة حول المعايير التي تحكم قرار الوزارة في تعيين العميد ومدى فهمها لهذا المنصب الإداري ومسؤولياته وصلاحياته وحدود دوره، ولا سيما مع غياب هيئات كانت شريكة في صناعة القرار داخل المعهد، مثل مجلس المعهد ومجالس الأقسام واللجان المختصة.
ينص قانون المعهد العالي للفنون المسرحية الصادر عام 1995، على أن عميد المعهد يجب أن يكون مؤهلاً علمياً، وقادراً على القيادة والتوجيه، وذا خبرة في العملين العلمي والإداري، كما يُحدد القانون مهام العميد في إدارة شؤون المعهد وتمثيله أمام الهيئات الأخرى، ورئاسة مجلس المعهد، ورئاسة مجالس الأقسام عند حضوره اجتماعاتها، كما أن مجلس المعهد، وفقاً للنظام الداخلي، هو الجهة المخولة بإدارة المعهد.
أجرت الجمهورية.نت مقابلات مع أربعة أساتذة توقفوا عن التدريس على خلفية التعيين بالإضافة إلى طلاب من أقسام مختلفة، واطلعت على مراسلات وكتب مرفوعة إلى وزارة الثقافة، فيما رفض العميد غنوم التعليق أو الرد أو شرح أي آلية من آليات اتخاذ القرار في المعهد.
بدأ هذا المسار ضمن سلسلة تغييرات إدارية أعقبت استقالة العميد السابق ثامر العربيد بعد وقفة احتجاجية من الطلاب نادت بإقالته، ما فتح الباب أمام ترتيبات انتقالية داخل المعهد وانتُخب عمار الحامض في شباط (فبراير) الماضي عميداً بتصويت الكادر التدريسي في المعهد، إذ جرت الانتخابات داخل المعهد، واعتمد الأساتذة معايير لاختيار عميد مشهود له بالكفاءة الأكاديمية والمهنية، على حد وصف أحد الأساتذة، وعلى ذلك حصل الحامض على أغلبية الأصوات (64 صوتاً من أصل 66).
عزز انتخاب الحامض لدى بعض الأساتذة شعوراً بإمكانية استعادة مساحة مستقلة وديمقراطية داخل المؤسسة، سيما وأنه أول عميد يجري تنصيبه بناء على انتخاب. إلا أن التوتر بين الكادر التدريسي في المعهد والوزارة بدأ يتراكم سريعاً، يقول أساتذة إن إدارة المعهد، خلال عمادة الحامض، رفعت إلى الوزارة كتباً ومراسلات تتضمن مطالب إدارية وأكاديمية ولوجستية، إلا أن هذه الكتب لم تلقَ أي رد، وجرى تجاهلها كما لو أن الجهة المرسلة لا صلة لها على الإطلاق بالمؤسسة التي ترأسها، وأسفر هذا التجاهل المستمر عن اعتذار العميد المنتخب عن الاستمرار بالمهام الموكلة إليه، ويعتقد أحد الأساتذة أن التجاهل كان ممنهجاً، ففي المقابل، أجابت الوزارة سريعاً، بالرد الوحيد الذي تلقاه المعهد منذ استلام العميد الحامض وهو موافقة وزير الثقافة محمد ياسين صالح على استقالة العميد ومعه نحو 65 أستاذاً كانوا مكلفين بالتدريس في المعهد، وذلك دون معالجة جوهرية للمطالب المرفوعة أو فتح مسار تفاوضي واضح حولها.
وتُشير إحدى المدرّسات في المعهد إلى أنّ ما حدث لم يكن استقالة بالمعنى القانوني التقليدي كونهم مُكلفين بالتدريس وليسوا موظفين وكان اعتذارهم عن التدريس موقفاً احتجاجياً. يستند هذا التفريق إلى واقع التوظيف في المعهد، فبحسب قولها، يوجد عدد محدود جداً من الأساتذة المثبتين (نحو سبعة)، مقابل كتلة كبيرة من الأساتذة المكلفين (نحو 95 أستاذاً-ة بنظام ساعات)، ما يعني أن الاحتجاج اتخذ شكل تعليق التدريس لا تقديم استقالات نظامية.
ومع توقف هذا العدد الكبير من الأساتذة عن التدريس، يبدو كم المواد والساعات الذي يُغطيه كلّ من الأساتذة المستمرين والمستمرات بالتدريس كبيراً إلى حدٍّ غير واقعي.ويُشير أستاذ (رفض التصريح عن اسمه) إلى أن مجلس المعهد طلب في فترة الحامض لقاء الوزير إلا أن الأخير لم يتجاوب حتى مع طلبات اللقاء، غير أنه حضر فيما بعد في زيارة قصيرة إلى المؤسسات التي تتبع وزارته، وعُقد لقاء جمع الوزير بالأساتذة والطلاب داخل المعهد، يصفه الأستاذ بأنه كان مختصراً ولا يتناسب مع حجم أزمة المعهد.
وخلال اللقاء، وفق شهادة متقاطعة من الأساتذة، قال الوزير إنه لم تصله الكتب والمطالب أصلاً، وطلب من العميد شخصياً تسليمها باليد إليه بدل إرسالها عبر بريد الوزارة، وطلب منه أن يتراجع عن الاستقالة وأن يستمر بتسيير شؤون المعهد وطالب الأستاذة بالعودة عن قرار التوقف عن التدريس ووعد بأن تُلبّى المطالب، وخفف هذا اللقاء، بحسب بعض من الأساتذة الحاضرين، الاحتقان مؤقتاً وامتص غضب الأساتذة والطلاب، وخلق انطباعاً بأن هناك استعداداً لفتح مسار جديد، كما تقرر في الاجتماع أن يستمر الحامض في تسيير أعمال المعهد ريثما يُعيَّن عميد جديد، الأمر الذي دفع الحامض إلى التراجع عن قراره الاحتجاجي والعودة إلى إدارة المرحلة الانتقالية.
غير أن هذا المسار لم يلبث أن انقلب سريعاً – بعد يومين – مع صدور قرار وزارة الثقافة بتكليف غطفان غنوم بتسيير شؤون المعهد، وفق شهادات أساتذة، بدا تكليف غنوم مفاجئاً، إذ يروي أحدهم أن مستشاراً للوزير اجتمع بأساتذة داخل المعهد، وأبلغهم قبل إعلان الاسم أن قرار التكليف «قيد التوقيع»، ثم أعلن أن المكلف هو غطفان غنوم.
تطورات الأزمة بعد تعيين العميد الجديد
لاحقاً، انتقلت الاعتراضات إلى وزارة الثقافة عبر اجتماع طلبته مع ممثلين عن الأقسام. يقول أحد الأساتذة (وهو من بين من توقفوا عن التدريس في المعهد) إن وفداً من ستة أساتذة حضروا الاجتماع في الوزارة وهم ممثلون عن كافة الأقسام، اشترطوا عقد الاجتماع دون حضور غنوم «تجنباً للحساسيات»، إلا أن غنوم قاطع الاجتماع ودخل إليهم، ويصف الأستاذ هذا الدخول بأنه حوّل الاجتماع إلى ما يشبه فرض الأمر الواقع أكثر من كونه حواراً مع العميد الجديد.
وخلال الاجتماع، بحسب الرواية ذاتها، قدّم غنوم نفسه، وقال إن فترة بقائه قد لا تطول ولن تستمر أكثر من بضعة أسابيع، وربط ذلك بالتزامات عمل وسفر، وأضاف أنه لن يتدخل بالشأن التعليمي لأن «دوره سيكون مجرد دور إداري وصلة وصل بين الوزارة والمعهد» يُعقّب الأستاذ بأن هذا الطرح يصطدم بطبيعة منصب العميد الذي يترأس اللجان العلمية ومجلس المعهد، ما يجعل هذه القطيعة التي اقترحها غنوم غير ممكنة عملياً ولا قانونياً، وتُعيد إلى الواجهة مطلباً مركزياً لديهم، وهو أن يكون العميد من أعضاء الهيئة التدريسية وعلى تماس فعلي مع شؤون المعهد الأكاديمية واللوجستية والإدارية.
ضمن هذا التسلسل، يرى الأساتذة أن تكليف غنوم كان النقطة التي نقلت الأزمة من خلاف داخلي حول إدارة مرحلة انتقالية إلى صراع مفتوح على شرعية المنصب وآليات اتخاذ القرار، ويطرح سؤالاً: هل تُدار العمادة عبر مؤسسات المعهد (مجلس المعهد، مجالس الأقسام، اللجان) أم عبر قرارات فوقية لا تمر بمسارات التشاور؟ وبموازاة ذلك، ترتب على التكليف نتائج مباشرة وهي توقف التدريس، واحتجاجات طلابية، وتصاعد شكاوى حول غياب الأطر المؤسسية التي كانت تنظّم العلاقة بين الإدارة والطلاب والأساتذة.
تجاوزات قانونية وقرارات فردية
صدر مؤخراً عن وزارة الثقافة القرار رقم /19/ الذي يقضي بإقامة «دورات تدريبية» في المعهد العالي للفنون المسرحية لمدة سنة دراسية واحدة، مُخصصة لمن هم في عمر 26 عاماً وما فوق، وذلك بهدف «اكتشاف ورعاية المواهب وتعويض الفجوات التعليمية والفنية التي خلّفتها السنوات الاستثنائية التي شهدتها البلاد» وفق نص القرار، وعلى الورق يبدو القرار أقرب إلى مبادرة اجتماعية-ثقافية، إلا أن إدخاله في لحظة تراجع البنية الأكاديمية والإدارية للمعهد حوّله، بحسب أحد الأساتذة، إلى مثال إضافي على إدارة المؤسسة بمنطق الأمر الواقع لا بمنطق الحوكمة.
ويُضيف بالقول إن المشكلة ليست في الفئة العمرية المستهدفة بقدر ما هي في شرعية القرار ومساره وتوقيته داخل مؤسسة منهكة أساساً: «فالمعهد في الأصل لا يتسع لأكثر من ثمانية إلى اثني عشر طالباً في الدفعة، واليوم هو عاجز عن استيعاب طلابه وتلبية احتياجاتهم الأساسية».
ويُحذّر من أثر آخر لا يقل خطورة، يتمثل في ضرب قيمة شهادات الخريجين عبر خلط عملي بين من درس أربع سنوات كاملة وبين من خضع لدورة مدتها سنة: «خصوصاً في قطاع مهني لا يُميّز عادة بين المسارات الأكاديمية» على حد تعبيره. ثم يُضيف: «الأمر يُعيدنا إلى الخرق الأكاديمي الرئيسي فليس قانونياً أن يُتخذ قرار كهذا من دون العودة إلى مجلس المعهد، حتى لو وقّع عليه الوزير».
من جهة أخرى، تُشير أستاذة إلى أن القرار الأخير: «يُعدُّ تجاوزاً للأكاديمية العليا، فورشات صقل المواهب ليست من اختصاص المعهد العالي للفنون المسرحية، وإنما الجهة المخولة بمثل هذه التدريبات هي نقابة الفنانين أو مديرية المسارح، وهذا يُعتبر تشكيكاً بمصداقية الأساتذة وشهادة خريجي المعهد، وكل هذا يُعدّ ثانوياً أمام تغييب مجلس المعهد والهيئات الرديفة عن اتخاذ القرار».
وتُضيف: «بأن نص القرار نفسه يذكر أنه صدر ‘بناءً على اقتراح عميد المعهد’، في حين تُفيد شهادات متعددة بأن القرارات الجوهرية يجب أن تمر عبر مجلس المعهد ومجالس الأقسام كما تنص اللائحة الداخلية، وهذا ما يُعيدنا إلى المشكلة الأساسية وهي تعطّل القنوات المؤسساتية التي تنظم عملية اتخاذ القرار وتحول دون مركزيتها».
ولا تقف الاعتراضات عند القرار رقم /19/ وحده، بل تمتد إلى: «تجاوزات في إدارة المؤسسة نفسها، عبر تعطيل أو تغييب الهيئات التي يُفترض أن تُشارك في صناعة القرار، مثل: مجلس المعهد، ومجالس الأقسام، واللجان العلمية والانضباطية، إضافة إلى غياب اللجان التي تُمثّل الطلاب، ووكيل المعهد. ما أفسح المجال أمام احتكار آليات اتخاذ القرار وحصرها بيد العميد وحده، وهذا العميد أصلاً لم يُسمَّ كعميد، فهو مُكلّف بتسيير شؤون العمادة، لذا فإن توقيعه على كل القرارات غير قانوني».
ويورد المعترضون أمثلة تتصل بآليات القبول والتكليفات والتدريس وتوزيع المواد، إضافة إلى إجراءات تأديبية طالت طلاباً دون تفعيل واضح لمسار التظلّم أو عمل لجان الانضباط، ويرى هؤلاء أن هذه الممارسات تمس «مؤسساتية» المعهد واستقلاله الأكاديمي، وتُضعف الضمانات الداخلية التي تحمي حقوق الأساتذة والطلاب وتضبط صلاحيات العميد.
وفي إطار الترويج لجملة من الإصلاحات في المعهد، يُعلق أحد الأساتذة على الأمر ويقول: «ما طُرح بوصفه إصلاحات بقي في حدود خطوات شكلية لا تمس جوهر الأزمة ولا احتياجات التعليم داخل المعهد. فبدل معالجة النقص في التجهيزات والمواد العملية، ورفع أجور الأساتذة، وتأمين أدوات التدريب الأساسية، ما أُنجز على الأرض اقتصر على أعمال من قبيل طلاء بهو المعهد وتزيينه وشراء إنارة للحديقة، معتبرين أن الأولويات كان يجب أن تتجه إلى مستلزمات أقسام السينوغرافيا والفنون الصوتية والضوئية، وتأمين التدفئة للقاعات والمسارح، وتعويض معدات مسروقة أو متوقفة عن العمل» ويُضيف: «هذه الإصلاحات تُحيلنا إلى أن الإصلاحات ما هي إلا إجراءات شكلية».
تتقاطع شهادات أساتذة وطلاب على أن الحلقة الأضعف في أزمة المعهد هم الطلاب، وأن تدهور العملية التعليمية هو السبب الذي دفع كثيرين إلى كسر الصمت واللجوء إلى الإعلام.
وفق إفادات أعضاء في الهيئة التدريسية، يُعاني المعهد نقصاً حاداً في الكوادر، إذ يعتمد كل قسم على عدد محدود من الأساتذة الاختصاصيين (بين اثنين وأربعة)، ويُضيف أحدهم أن الأزمة ليست في العدد بقدر ما هي في النوع، إذ يُشكل المعتذرون عن التدريس قرابة 80 بالمئة من المدرّسين والمدرّسات.
يروي أحد الأساتذة، على سبيل شرح العلاقة الحالية بين الوزارة والمعهد، أنه أثناء القصف الإسرائيلي على مبنى الأركان كان في المعهد قرابة 200 طالب وطالبة، وامتد الدمار إلى المبنى وأُصيب بعض الطلاب بحالات هلع بعد تكسر الزجاج وسقوط أجزاء من الأسقف المستعارة، ومع فرض منع التجول بقي الجميع داخل المعهد لساعات من دون أي تواصل رسمي للاطمئنان، فيما شوهد وزير الثقافة لاحقاً قرب باب المعهد بعد خروج الطلاب بوقت قصير «يهتم بعمل عمال النظافة»، بينما لم يُسجَّل اتصال للاطمئنان على الطلاب أو الكادر خلال لحظة الخطر نفسها.
على مستوى التعليم اليومي، تُقدِّم شهادة طلاب قسم الفنون الصوتية والضوئية صورة أكثر تفصيلاً عن تراجع المعايير داخل بعض الأقسام. يُصرّ الطلاب على تسمية قسمهم «فنوناً» لا «تقنيات»، ويعتبرون العودة إلى المصطلح الثاني تراجعاً عن الاعتراف بطبيعة اختصاصهم الإبداعية.
ويربطون اعتراضهم بضعف الكادر التدريسي علمياً وعملياً، وبإسناد مواد إلى مدرّسين حديثي التخرج أو محدودي الخبرة، إضافة إلى ادعاءات عن سلوكيات مسيئة، وعنف لفظي وجسدي.وتبلغ الأزمة ذروتها، بحسب روايات الطلاب، في ملف العقوبات؛ إذ يتحدثون عن فصل طلاب من السنة الرابعة على خلفية منشور في حساباتهم الشخصية، رغم تقديم اعتذار خطي وشفهي، وما تبع ذلك من حرمان من مواد وامتحانات أدى عملياً إلى ضياع سنة دراسية، هذا عدا عن أن إدارة المعهد لم تراعِ استثنائية الظرف واضطرار بعض الطلاب إلى إيقاف دوامهم في المعهد.
ويقول زين (اسم مستعار) إن مسار التظلّم لم يُفعّل على نحو واضح، وإن ردوداً صدرت عن الإدارة اعتُبرت مهينة للقانون الداخلي. يُضيف: «أن عدد الطلاب المتسربين والمفصولين من المعهد، بالإضافة إلى الاعتماد على معيدين من خريجي عامي 2024 و2025 ضاعف أزمة المعهد، فالكادر التدريسي الذي استُعين به لسدِّ الفراغ معظمه من الخريجين الجدد الذين وجدوا أنفسهم وقد تحولوا من طلاب إلى مدرسين، وهذا الأمر يُضاف إلى سلسلة التجاوزات الإدارية، فلا يحق لمعيد أن يُدرس في المعهد إلا بعد انقضاء عامين على الأقل على تخرجه».
ويتفق طلاب من مختلف الأقسام على تراجع جودة التدريس، ولا سيما في المواد الاختصاصية التي باتت تُسند، وفق قولهم، إلى مدرّسين محدودي الخبرة العملية، ما انعكس على التدريب التطبيقي الذي يقوم عليه المعهد أساساً.
كما يُشير طلاب من قسم الفنون الصوتية والضوئية إلى أن القنوات التي كانت تُتيح الحوار داخل المؤسسة ضعفت أو اختفت مع غياب مجلس المعهد ومجالس الأقسام، فصار الاعتراض يواجه بردود عقابية بدل أن يمر بمسار تظلم واضح.
ويتحدث طالب من بين الطلاب المفصولين عن إن إجراءات الفصل والحرمان التي طالت طلاباً، واتُّخذت خارج تسلسل العقوبات المنصوص عليه، ودون تفعيل لجنة انضباط، مما أدى إلى خسارة فصل أو عام دراسي لبعضهم.
وتذهب إحدى الشهادات إلى توصيف المشكلة بوصفها ليست أكاديمية فحسب، بل سلوكية أيضاً، يقول طالب من قسم الفنون الصوتية والضوئية إن أحد أساتذة القسم هدّد أحد الطلاب بالضرب، كما استخدم أوصافاً جارحة ومهينة بحق طلاب السنة الرابعة من قسم الفنون الصوتية أمام زملائهم من الأقسام الأخرى.
تبدو أزمة المعهد العالي للفنون المسرحية نموذجاً مكثفاً لكيفية إدارة المؤسسات الثقافية في سوريا اليوم، فما يجري داخل المعهد يتجاوز مسألة تعيين العميد ويكشف عن خلل بنيوي في فهم دور المؤسسة الأكاديمية نفسها، بوصفها فضاءً مستقلاً نسبياً، تحكمه قواعد مهنية واضحة وفقاً لهيكلية تنظيمية وضعها المؤسسون، مع العلم أنّ تحديات إدارة المعهد لم تبدأ بكل ما يحدث منذ قرابة العام، وإنما تشكّلت أيضاً إثر صراعات مع السلطة السابقة وخياراتها، ومغادرة قسم من الأساتذة في سنوات الثورة البلاد، مما خلق فراغاً في الكادر التدريسي.
في ظلِّ تغييب مجلس المعهد ومجالس الأقسام، وتراجع المعايير الأكاديمية، وتوسع القرارات الفردية، يُصبح السؤال المطروح أبعد من شخص العميد أو شرعية تعيينه: هل ما يزال المعهد مؤسسة تعليمية قائمة بذاتها، أم أنه يتحول تدريجياً إلى كيان يُدار بمنطق الأمر الواقع؟
تتضاعف خطورة هذا المسار حين ينعكس مباشرة على الطلاب، سواء عبر تدهور جودة التعليم، أو تضييق مساحات التعبير، أو فرض عقوبات خارج الأطر القانونية، أو حتى من خلال إهمال شؤون لوجستية. عند هذه النقطة، لا يعود الأمر خلافاً إدارياً، وإنما أزمة تمس جوهر العملية التعليمية ومعايير المؤسسة نفسها، وهي نقاط تستحق التوقف عندها ونحن على بعد شهرٍ من انتهاء عام دراسي.
-
