ما إن يُذكر ألبرتو مانغويل حتى يحضر الكتاب قرينًا له، وهو ما جعل البعض يطلق عليه تسمية “الكاتب الذي لا يكتب إلا عن الكتب”. تضم مكتبة ألبرتو مانغويل اليوم ما يزيد على الأربعين ألف كتاب وهي تنمو باستمرار، حسب قوله، وقد تبرّع بها لمدينة لشبونة عاصمة البرتغال وأكبر مدنها، حيث تتواصل حاليًا أعمال ترميم أحد القصور التاريخية في المدينة لاستقبال المكتبة التي من المقرر افتتاحها عام 2028.
وبهذه المناسبة كان هذا الحوار، الغني والمتعدّد المحاور، مع الكاتب في لشبونة، حيث يقيم.
(المترجم)
“لستُ وحدي”- هذا ما كتبه ألبرتو مانغويل في كتابه الأشهر والأكثر ترجمةً “تاريخ القراءة”، وهو بعبارته هذه يشير إلى إدراكه أنه يتقاسم سلطة القراءة ومسؤوليتها مع غرباء عبر مختلف الأزمنة. ولطالما كان مانغويل مرجعًا عالميًا رائدًا في تاريخ القراءة والكتب والمكتبات، وبسبب من نشأته وحياته ذات الطابع الكوزموبوليتي، فقد أُتيح له التنقل بحرية عبر مختلف الحدود اللغوية والثقافية، مع ذلك فإن معظم كتبه مكتوبة بالإنكليزية، اللغة التي يفضل التحدث بها. ومانغويل المولود في الأرجنتين، يحمل الجنسية الكندية ويعيش في البرتغال منذ عام 2020، التقيته في مبنى عالٍ في أحد أحياء العاصمة لشبونة السكنية، وقد عرفت لاحقًا أن الأجزاء السفلى من المبنى تحتوي على أرشيف كبير تابع للبلدية، حيث يقوم فريق من أمناء المكتبات بفهرسة مجموعات كتب مانغويل الضخمة، بانتظار استقرارها الدائم في قصر يعود للقرن الثامن عشر يطل على نهر تيجو.
ينزل ألبرتو مانغويل من سيارة الأجرة برشاقة بدا معها أصغر من عمره البالغ 77 عامًا، بعشر سنوات على الأقل. نظراته ودّية ومتيقظة، وقد ظهر عليه الاستعداد التام لهذا اللقاء، وأول ما فعله عند جلوسنا هو وضع كتابين بعناية على الطاولة، هما النسخة السويدية الأصلية والترجمة البرتغالية لمجموعتي القصصية “الليالي، فيرونيكا”، التي تجري أحداثها في لشبونة، معبرًا عن إعجابه بها. بعد ذلك أخرج من جيبه دفتر ملاحظات صغيرًا، بغلاف أسود:
ـ حسبتُ أنك ستسألني عن الكتّاب السويديين المفضلين لدي، لذلك هيأت هذه القائمة الصغيرة بأسمائهم. واحد من هؤلاء هو بير لاغرغفيست، الذي أعود إليه كثيرًا، وأيضًا بير أولوف إينكفيست وسفين ديلبلان، كما لا أنسى يوران تونستروم وكتابه الرائع “أنشودة عيد الميلاد”، وهناك ستيغ داغرمان الذي تمتع بحضور كبير في الأرجنتين خلال السبعينيات وكان لروايته “الطفل المحترق” أثرها على عدد من الكتّاب الأرجنتينيين.
يتحدث مانغويل بتأنٍ ودقة وهو يختار عباراته، ما يشهد على ممارسته التدريس في عدد من أهم جامعات العالم. عانى في طفولته من الربو وملازمة الفراش لفترات طويلة، وهو ما دفعه إلى الاهتمام المبكر بالقراءة. وعلى الرغم من اختفاء هذه المشكلة، إلا أنه يعتقد أن تجربة الاختناق لا تزال حاضرة في صوته المتردد، حين يكتب ويقرأ أو يتحدث، وقد أضفى ذلك إيقاعًا ما على تفكيره.
(*) هل يمكن أن تحدثنا عن خلفيتك العائلية ونشأتك؟
ـ اعتدنا سماع مقولة أن من طبيعة الشعب اليهودي أن يكون دائمًا في المنفى، وهو ما يصحّ في حالة عائلتي، فأجدادي لأمي ينحدرون من المنطقة المحيطة بمدينة يكاترينبورغ الروسية، هاجروا إلى الأرجنتين في شبابهم وأقاموا في واحدة من المستوطنات اليهودية التي أنشأها البارون موريس دي هيرش. لاحقًا تعرّف والداي على بعضهما في بوينس آيرس، وبعد وقت قصير من ولادتي عام 1948، عُرض على والدي منصب أول سفير للأرجنتين في إسرائيل. في هذه الأثناء كانت الحكومة الأرجنتينية قد كسبت الكثير من المال من خلال بيع جوازات السفر للنازيين الفارين من ألمانيا، مما أثار قلق السكان اليهود، وتلافيًا لوصمِه بمعاداة السامية حرص الرئيس خوان بيرون على الإسراع في تعيين سفير لدى إسرائيل. خلال السنوات السبع الأولى من حياتي، قضيت معظم وقتي مع مربية تشيكية ـ ألمانية، عاملتني كشخص راشد بحاجة إلى التعليم، كنا نتحدث الإنكليزية والألمانية، وبذلك تمكنت من أن أحفظ عن ظهر قلب الكثير من القصائد لغوته وآخرين. وعندما أُطيح ببيرون عام 1955 عدنا إلى الأرجنتين، حيث التحقت بالمدرسة وتعلمت الإسبانية.
(في فترة مراهقته، اعتاد مانغويل العمل لساعات إضافية بعد المدرسة في مكتبة بيغماليون المتخصصة ببيع الكتب الإنكليزية والألمانية في بوينس آيرس. وقد كان الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس قد اعتاد أيضًا أن يقصد المكتبة في طريق عودته إلى منزله من عمله كأمين للمكتبة الوطنية [وهو المنصب الذي شغله مانغويل نفسه لاحقًا]. وفي أحد الأيام، سأله بورخيس إن كان باستطاعته أن يأتي إلى المنزل والقراءة له، وبهذه الطريقة أصبح مانغويل واحدًا من الأشخاص الذين أتيحت لهم فرصة القراءة بصوت عالٍ للكاتب الكفيف، وهو أمر وصفه بشكل مفصل في كتابه الصغير “أيام مع بورخيس”).
(*) ما هي أهم انطباعاتك عن الفترة التي عملت خلالها مع بورخيس؟
ـ شيئان. الأول، لم يكن مهتمًا أبدًا بأموري الدراسية أو بمعرفة أي شيء يتعلق بوالديّ، كنت مجرد ذريعة لبورخيس للحديث عن قراءاته وتطوير أفكاره. وكان هذا أسلوبًا في منتهى الكرم لمشاركة المعرفة العميقة مع طفل. والشيء الآخر، الذي تبين لي بعد ذلك بوقت طويل أنني لم أكن قد أدركت حقًا أن كل أعمال بورخيس كانت محاولة لفهم الوجود الإنساني في الزمان والمكان، فقد كانت الأسئلة الكبرى من قبيل، ما الذي أفعله هنا؟ لماذا أنا هنا؟ هل لوجودي من معنى؟ هل للكون من معنى؟ حاضرة كلها في أعمال بورخيس عبر أشكال متنوّعة من البحوث، وقد كانت جادة حينًا وساخرة وتهكمية حينًا آخر. في ضوء كل ذلك، أرى اليوم أن أعمال بورخيس بحث مترابط وواسع يتصل بهذه الأسئلة الجوهرية. يذكرنا هذا بمحاولات الفيزياء الفلكية لفهم الكون من خلال ملاحظات لا تتفق مع فهمنا البديهي له، ولأجل استيعاب استنتاجات الفيزياء الفلكية ونظرية الكم، علينا أن نتخلى عن مفاهيمنا عن الزمان بما يمثله من حاضر، ماضٍ، ومستقبل، وأن نحاول إدراك ما يعجز الوعي عن إدراكه، وهو عمليًا أمر مستحيل. يعود بورخيس إلى هذا الأمر بشكل دائم، بغض النظر عن كون الأمر يتعلق باعتبار حياتنا ضربًا من الخيال أو حلمًا في خيال آخر أو حلمًا داخل حلم، أو تكثيفًا للكون في مكتبة أو في لحظة واحدة، خاصة في الزمان والمكان.
| بورخيس (Getty) |
(*) كان بورخيس يتمتع بذاكرة فريدة، هل الأمر كذلك معك؟
ـ لدي ذاكرة جيدة للنصوص، أتذكر أين قرأت شيئًا ما، وأستطيع استحضار الصفحة وموضع الكتاب على الرف وما إلى ذلك، وهو ما لا ينطبق على أشياء أخرى، فأنا أنسى الوجوه والأسماء وأرقام الهواتف.
(*) في كتابك “الفضول”، تكتب عن كيفية تمكّن القراء في مختلف الأزمنة من إيجاد الكتب التي تساعدهم أكثر من غيرها على استكشاف ذواتهم والعالم. بالنسبة لك، حدث هذا في مرحلة لاحقة من حياتك، وتمثل بـ”الكوميديا الإلهية” لدانتي.
ـ نعم، دانتي كان حبًا متأخرًا. لقد حاولتُ أكثر من مرة قراءة الكتاب، لكني فشلت في ذلك وعندما أُصبت بمرض خطير وأُضطررت إلى ملازمة البيت، كانت فرصة للتعمق في شيء لم أقرأه من قبل، عندها وجدتُ في الكوميديا الإلهية كونًا لا متناهيًا يتضمن كل شيء. أعتقد حقًا أن هناك القليل من المعجزات غير المفسرة في تاريخ الأدب، وإلا كيف استطاع شخص منفي في القرن الرابع عشر، من دون مكتبته، ولا يعرف أين سينام الليلة التالية، بلغة تكاد تكون من اختراعه، أن يُبدع عملًا يشمل كل ما كان معروفًا في التاريخ، وعلم الأحياء، وعلم النفس، واللاهوت، والأدب في تلك الفترة، بهذه البراعة، وبهذا الشعر عالي الجودة؟ كيف يمكن أن يكون كل هذا؟ وأن يكون ملائمًا جدًا لعصرنا؟
(*) فهرسة الكتب مهنة قديمة. في كتابك “المكتبة في الليل” تصف كيف، عندما كنت طفلًا، تُعيد ترتيب كتبك باستمرار.
ـ نعم، حسب اللون والحجم وما شابه ذلك. أعتقد أن فكرة المكتبة نوع من عزاء لوعينا بفوضى العالم. نولد في هذا العالم ونحن نؤمن بضرورة وجود معنى ونظام، لكن ندرك لاحقًا أن لا وجود لهما، وهو ما يصعب علينا قبوله كبشر، لذا نقيم نظامنا الخاص عبر المكتبة وفقًا لمعارفنا وخبراتنا في الكتب فنصنفها أبجديًا أو حسب الموضوعات، والبلدان، واللغات.
(*) لقد عشتَ فترات طويلة في عدد من البلدان المختلفة، مثل كندا وفرنسا. هل يمكن لنا أن نعرف كيف انتهى بك المطاف أنت وكتبك في لشبونة؟
ـ كنت مجبرًا على مغادرة فرنسا بسبب البيروقراطية. وقد نقل ناشري البرتغالي إلى رئيس بلدية لشبونة حينها، رغبتي بالتبرع بمكتبتي، وافقوا على ذلك ووفروا لي فريق عمل لفهرسة مجموعات الكتب، كما خصصوا ميزانية كبيرة لترميم القصر الذي سيضمها، وكان مهجورًا لنصف قرن ويفتقر إلى الكهرباء، ومن ثم جاءت جائحة كورونا. والآن، أنا هنا منذ خمس سنوات.
(*) إذًا، سيستغرق الأمر وقتًا أطول مما كان مخططًا له؟
ـ لا أعلم إن كنتَ تعرف التعبير البرتغالي الذي يشير إلى الكنيسة التي خُطط لبنائها في لشبونة واستغرقت زمنًا طويلًا لتكتمل. يبدو أن الحال هي هكذا دائمًا، فهناك بيروقراطية، لكنني مع ذلك أريد أن أقول إنّ الرغبة الصادقة التي لمستها هنا تختلف عمّا رأيته في بلدان أخرى أعرفها. العمل مستمر والفريق الأول من العاملين في القصر منهمك في تنظيف وترميم البلاط الداخلي الملون، وإذا سار كل شيء على ما يُرام، آمل أن يتم الافتتاح في عام 2028، عندما أبلغ الثمانين من عمري.
(التسمية الرسمية للمكان “مركز دراسات تاريخ القراءة”، لكن بما أن الاسم لم يكن جذابًا كثيرًا، طلب مانغويل من الجهة المعنية البحث عن اسم أكثر جاذبية، وأنيط به ذلك، فاختار أن يطلق على المكان اسم “إسباسو أتلانتيدا” بالبرتغالية، تيمنًا بجزيرة أطلانطس. وربما هذا ليس بالمفاجئ إذا ما عرفنا أن مانغويل قد كتب موسوعة عن الأماكن الخيالية في الأدب، بعنوان “قاموس الأماكن الخيالية”. وأسطورة أطلانطس تتجدد باستمرار، فهي تختفي وتظهر مجددًا في الأدب على مر الأزمنة).
يواصل مانغويل قائلًا:
ـ ستكون المكتبة هي النواة، لكننا سنقدم أيضًا محاضرات ونقيم معارض وورشات عمل. وإذا كانت جميع المكتبات تسعى للوصول إلى جمهور، فإن هذه المكتبة تتمتع بخصوصية لأنها تحمل سماتي الشخصية، وأنا أسميها هيكلي الخارجي. من ناحية أُخرى أرى في كون وعي المرء معروضًا للآخرين بهذه الطريقة، كذلك أفكاره الخاصة، بما أن جميع الكتب مليئة بالملاحظات، شيئًا لا يبعث على الارتياح، والأمر أيضًا يتعلق بالخيارات، إذ أن كتب أفلاطون لدي أكثر بكثير من كتب أرسطو وذلك يشفّ عن شيء ما عني. لكن عندما أموت، ستتغير المكتبة وسيتولى شخص آخر إدارتها ويستحدث أشياء أخرى، ويهتم بكتّاب آخرين.
(*) كم يبلغ عدد الكتب الفعلي؟
ـ لا أعرف بالضبط لأني لم أفهرسها، لكن عندما قررت التبرع بها عام 2020، أي منذ خمس سنوات، كانت تحتوي على حوالي 40 ألف كتاب، لكن بما أنني أحصل كل يوم على كتب جديدة، فإنها تنمو بلا انقطاع.
(*) هل تتخلص من الكتب أحيانًا؟
ـ أبدًا. الكتاب الوحيد الذي تخلصت منه هو رواية “المختل الأميركي” لبريت إيستون إليس، وكنت قد قرأتها بنيّة الكتابة عنها. مبدئيًا لست ضد الأدب المكشوف، ولديّ الكثير من الكتب في هذا الباب، لكن هذه الرواية تتحدث عن متعة تعذيب الناس عمدًا، وخاصة النساء، لذا شعرتُ وكأنّ الكتاب قد لوّث مكتبتي. من ناحية أُخرى، أرسل لي أحد الناشرين ذات مرة مجلدين بالخطأ عن تاريخ الزراعة في السنغال بين عامي 1880 و1940. هذه الكتب أشبه بالأطفال اللقطاء الذين يُتركون عند أبواب الكنائس، طبعًا نحن نحرص على رعايتهم، فلا نعرف من سيكون منهم “البابا” ذات يوم. بعد بضعة أشهر، طُلب مني بالفعل مراجعة كتاب لكاتب سنغالي تدور أحداثه في الريف خلال تلك الفترة نفسها، ما أتاح لي تقديم مراجعة دقيقة.
(*) في الكثير من البلدان تجري مناقشة أزمة القراءة وتراجع الكتاب الورقي، فكيف تنظر إلى هذا التطور؟ وهل ترى أن القراء أصبحوا أكثر عزلة، وحتى مهددين بالانقراض؟
ـ هناك مستويات مختلفة من إمكانية القراءة، من أبسطها إلى أكثرها صعوبة، حيث يستطيع القراء أن يعكسوا تجاربهم في الأدب، ويتعاطفوا مع الشخصيات في عمل ما ويتحاوروا مع كاتبه غير المرئي، لكن لم يحدث في أي وقت من الأوقات أن شكّل النوع الأخير من القراء القسم الأعظم من الجمهور. تتمثل العقبات في عصرنا في نمطين، الأول يخصّ قيم عصرنا التي تحتفي بالسهل والسطحي، على الضد من قيم القراءة التي ترى في الصعب والعميق شيئًا إيجابيًا. أما الثاني، فهو أن لكل عصر أدواته الخاصة به للقراءة، سواء أكان البرديات أو المخطوطات أو غيرها، وبما يخص عصرنا الذي يركز على السرعة والسهولة فإن القراءة الرقمية هي ما يوافقه. وهنا من المناسب القول إنّ من الصعب جدًا إقناع الناس بمسائل تُخالف قيم المجتمع، فلا يمكنك إنشاء صناعة تعتمد على وسائل تكنولوجية تتغلغل في كل مناحي الحياة، حتى في هويات الناس، ثم تقول لهم في الآن نفسه: انسوا كل ذلك واستخدموا الخيال والفطنة والقدرة على التأمل لقراءة كتاب. لا يمكنك وضع كعكة كبيرة أمام شخص ما ثم إقناعه في الوقت نفسه بإنقاص وزنه.
(*) أخيرًا، كتبتَ في موضع ما أنك تحب أن تتخيل أنك وكتبك ستذبلان في اليوم التالي لآخر كتاب تقرأه، كي تبقى محتفظًا بها معك.
ـ هناك تقليد في تربية النحل يقضي بأنه عندما يموت مربي نحل، يتوجب أن يذهب أحد ما إلى النحل ويخبرها بما حدث. عندما يحين ذلك الوقت، أود أن يذهب أحدهم إلى كتبي ويخبرها أنني لم أعد موجودًا.
(ودّعت مانغويل على أمل أن أرى القصر الذي سيضم مكتبته وقد نهض، ذات يوم، كأطلانطس من قاع النسيان).
(*) هنريك نيلسون: كاتب وناقد ومترجم سويدي مختص بالترجمة عن اللغتين الإسبانية والبرتغالية. وهذا الحوار مأخوذ عن مجلة أكسيس Axess السويدية. وما يجده القارئ من فقرات بين قوسين هي استطرادات من المُحاوِر.