ملخص
في ديوانه الجديد “ألزهايمر يا أبي” الصادر عن (دار العين 2026) يحملنا الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار معه في رحلة شعرية قاسية يحاول عبرها استعادة أب ضائع في النسيان.
لا يكتب الشاعر عن تجربة مرض والده بألزهايمر خلال الأعوام الأخيرة قبل وفاته بقدر ما يكتب منه وعنه وإليه كما يشير في مدخل نصه الذي يحاول استعادة صورة الأب في الغياب. ديوان عبدالرحيم الخصار “ألزهايمر يا أبي” كما يقدمه الشاعر اللبناني عباس بيضون ليس مجرد رثاء للأب، بل صرخة شعرية في وجه الغياب، فيتحول المرض إلى لغة تكتب الفقد وهو يحدث لا بعد اكتماله. إنه نص يجعل من ألزهايمر فضاء سردياً وشعرياً مركّباً، تتقاطع فيه الذاكرة بالخيال، ويتحول فيه الأب إلى مركز حكاية إنسانية كبرى عن الانمحاء والكتابة في قلب الفقد.
استعادة صورة الأب
لا يقدم ديوان عبدالرحيم الخصار صورة جاهزة أو مكتملة للأب، بل يشتغل على استعادته داخل نسيج من التفاصيل اليومية والرمزية، فلا يعود الأب كياناً ثابتاً، بل أثراً يتشكل داخل اللغة ومعها.يكتب الشاعر في مستهل ديوانه: “أنظرُ إلَيْكَ/وتنظرُ إليَّ/وبيننا تمرُّ قُطْعانٌ من رابيَةٍ إلى رابية/يتمدَّد ظِلُّ الخرُّوب ويغطِّي عينيك/يسقطُ دَلوٌ من يدك/ويندلقُ الماءُ على تلِّ النُّحاس”
يتداخل الجسد مع الطبيعة، فلا يعود الأب منفصلاً عن المكان، بل جزءاً من امتداده في تجربة تُخفي بقدر ما تكشف، وتحول الرؤية إلى تجربة ملتبسة بين الحضور والانمحاء. ويمتد هذا التداخل ليجعل من الأب كائناً منغرساً في العالم الريفي، في الحقول والتربة والعمل اليومي.
إنه ليس شخصية تُروى من الخارج، بل حياة تُستعاد من الداخل، عبر تفاصيل دقيقة تعيد تشكيله كفلاحٍ أمازيغي يحمل في جسده أثر الأرض والزمن معاً. يكتب الخصار: “يغدو القَسْطَل فِلِزًّا بين يديك/وفكرتُكَ عن الزمن/تغرقُ في بحيرة”. في إشارة واضحة إلى انهيار الزمن الخطي لمصلحة زمن متشظٍ، تتداخل فيه الذاكرة باللحظة، وتمّحي فيه الحدود بين الحضور والغياب.
ولا يستعاد الأب هنا بوصفه ماضياً مكتملاً، بل عبر أثره في العالم، في التراب وفي الأدوات وفي العلاقات اليومية التي شكلت وجوده، بوصفه بقايا حياة في طور التشكل داخل الذاكرة. وتتعمق هذه الصورة حين يتحول الجسد نفسه إلى أرشيف حيّ، يحمل ما بقي من أيامه وأعماله “تتحسَّسُ حقلًا على كتفك/وتديرُ سكَّةَ المحراث/باتجاهِ أعوامٍ خَلَت/تغيرالعالم وأنت ما زلتَ هناك/ربما ذهبتَ إلى الغَدِ دونَ أن نراك/لكنَّك عُدْتَ من طريقٍ أخرى”.
بهذا المعنى، لا يعيد الديوان بناء صورة الأب كما كان، بل يستحضره في لحظة انمحائه، ككائن يتأرجح بين الوجود والغياب، بين ما تمنحه الذاكرة من ملامح وما يطمسه النسيان بصمت بطيء لا يكتمل.
قوة فاعلة داخل العالم
لا يظهر النسيان في ديوان عبدالرحيم الخصار كفقدان أو نقص وحسب، بل كقوة خفية تتسرب إلى تفاصيل العالم، وتعيد تشكيله من الداخل. ولا يقتصر أثره على ذاكرة الأب، بل يمتد إلى المكان وإلى الضوء وإلى الأشياء التي كانت تبدو راسخة قبل أن يبدأ تصدعها الصامت “مثلَ بومٍ هَرِمٍ/يجثو النسيانُ على الأباجور/ينفضُ الغبارَ عن جناحيه/ويرنو خارجَ النافذة/تمرُّ أسرابٌ من طيور الماء/وتحجبُ عنكَ الضوء”.
في هذا المشهد، يتحول النسيان من حال ذهنية إلى كائن يراقب ويستقر ويتسلل إلى التفاصيل الصغيرة. والأباجور الذي يُفترض أن يمنح الضوء، يتحول إلى مركز لهذا الحضور الغامض، كأن الخلل لم يعُد في الذاكرة وحدها، بل في وظيفة الأشياء نفسها. ومع حركة الطيور التي “تحجب الضوء”، يفقد العالم وضوحه الأول. فلا يعود الضوء عنصراً كاشفاً، بل مادة قابلة للحجب، فيما تنزلق الأشياء تدريجاً نحو الغموض، وكأنها تفقد أسماءها ببطء.هذا الاضطراب لا يتوقف عند حدود المكان، بل يمتد إلى الجسد “يتهادى جسدك بين الأسرّة والتكآت/وتتمدّد في الطاقة المظلمة/تعبرُ غيوماً ونجوماً من عينيك الغائرتين/ بينما روحك غارقة في الهيدروجين”.
وبهذا المعنى، لا يقدم الخصار النسيان كحال تخص الأب وحده، بل كقانون يطاول العالم بأسره. إنه لا يمحو فقط، بل يعيد ترتيب الوجود، فتغدو الأشياء أقل يقيناً، وأكثر هشاشة، وأقرب إلى التحول أو الزوال.وفي ظل هذا التآكل البطيء، لا تبدو الذاكرة ملاذاً آمناً، بل قدرة مهددة بدورها. تتراجع، فيتراجع معها إحساس العالم بتماسكه، ليغدو كل شيء معلقاً في منطقة رمادية اسمها النسيان.
أن نتذكر أم أن ننسى؟
في قلب ديوان عبدالرحيم الخصار، يتردد سؤال لا يطلب جواباً بقدر ما يكشف عن عمق المأزق الإنساني الذي تشتغل عليه القصائد “أيهما أقسى، أن نتذكّر أم أن ننسى؟”، سؤال يظل معلقاً بين حدّين، لا ينحاز إلى أحدهما، بل يقيم في المسافة المؤلمة بينهما. ولا يُقدم التذكّر هنا بوصفه خلاصاً، بل كعبء مضاعف، لأنه يبقي الفقد حيّاً داخل الوعي، ويحول الذاكرة إلى مساحة نزيف مستمر “تخيفني هدأة الظهيرة في البوادي/لكن يخيفني أن يكون للحظة ذاكرة”.
في هذا الاعتراف، لا يعود الخوف من النسيان وحده، بل من الذاكرة نفسها، بما تحمله من قدرة على استعادة الألم. فأن نتذكّر يعني أن نعيد عيش الفقد في كل مرة، وأن نظل معلقين داخل لحظة لا تنتهي. في المقابل، لا يبدو النسيان رحيماً. فهو لا يخفف الألم بقدر ما يجرده من ملامحه، ويحول الغياب إلى فراغ بلا شكل. وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في المقاطع التي يتكرر فيها النداء:
“أقول أبي فتزهُر الحقول على ساعدي
أقول أبي فتنتحب الأشجار
أقول أبي فتتدحرج الحجارة في حلقي”.
ويتحول التكرار هنا إلى ما يشبه الطقس، محاولة لإعادة تثبيت الاسم داخل عالم يتفكك. لكن كل نداء لا يعيد الأب، بل يكشف عن اتساع المسافة بين اللغة وما تحاول استعادته. فالأب يتوزع في عناصر الطبيعة، في الأشجار والحجارة والحقول، إلى حد يصبح فيه العالم كله استعارة للفقد. لا يقدم الديوان إجابة عن سؤاله المركزي، بل يتركه مفتوحاً، كأن القسوة لا تكمن في التذكّر أو النسيان وحدهما، بل في العيش بينهما. كما أن القصائد ليست محاولة لاستعادة ما فُقد، بل لمرافقة هذا الفقد وهو يحدث، والقبض على لحظاته قبل أن تنطفئ.
“ألزهايمر يا أبي” ليس سيرة شخصية وحسب، بل كتابة حميمية عن هشاشة الإنسان أمام الزمن، فلا يبقى من الأب سوى ما تنقذه اللغة، ولا يبقى من اللغة سوى ما تستطيع أن تؤجله من غياب.
