طالب عبد العزيز…. جريدة المدى
تركيبة الحياة العراقية مركبة وصعبة، ومن يتسلم مراكز العيادة فيها يعاني كما لم يعان مسؤول آخر في العالم، فقبول العراقيين به يبدو يسيراً، وممكناً، وقد تكون مطالبهم محدودة أحياناً، ولا تتجاوز ما يمكن أن تقدمه أي حكومة في العالم، لكنَّ رفضهم قاس ومدمّر أحياناً، وهكذا بين نقطتي القبول والرفض تكمن صعوبة البقاء والطرد، وهذه من تشخصيات ومشورات عبد الملك بن مروان لولاته على البصرة والكوفة، فقد كان يقول لأولاده الخلفاء الذين أعقبوه: لو طلب العراقيون منكم أن تستبدلوا كل يوم أميراً ابدلوه.
يأتي صدور قرارالمحكمة الجنائية المركزية بإعدام مدير زراعة بغداد السابق، بدلالة المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2005، مع علم الحكومة العراقية برئاسة السيد الزيدي بأنه شخصية تنتمي الى أحد الفصائل المسلحة، التي اقتحمت المديرية، وملابسات المشهد آنذاك، والخاص باستئثار الجهات الفصائلية بالسلطة يأتي متزامناً مع سعي الحكومة الجديدة التي ما تزال في موضع الاختبار في قدرتها على التصدي للعناصر التي تقف بوجه مشروعها التصحيحي، والذي لن يتم إلا بحصر السلاح بيد الجهات الأمنية الرسمية، ومحاولاتها في فك لغز الحشد والفاصائل، هذه العقد غير المفهوم عند البعض أو المفهوم عند الجميع في الآن ذاته، وموعدهم الرسمي نهاية أيلول، فتساقط الأوراق مع تساقط قطع السلاح.
بعض التغييرات التي تجريها حكومة السيد الزيدي تغييرات جريئة جداً، ويأتي تكليف باسم البدري برئاسة جهاز الأمن الوطني، خَلفاً لعبد الكريم البصري المعروف بـ«أبو علي البصري»، الذي ارتبط اسمه لسنوات بقيادة «خلية الصقور الاستخبارية» وخلية اجتثاث البعث، كخطوة لم يكن يجرؤ عليها أي رئيس وزراء سابق، وبذلك يكون حصر الأوامر الأمنية بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، والذي يعني الإشراف على كل الصنوف العسكرية العراقية، وزارة الداخلية والدفاع ومكتب السكرتير الشخصي للقائد العام للقوات المسلحة ومركز العمليات الوطني وجهاز مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات الوطني وهيئة الحشد الشعبي والمنافذ الحدودية والتصنيع الحربي، وقيادة العمليات المشتركة. المكتب الذي أمر بإعادة تشكيله السيد علي الزيدي بعد 12 سنة من إلغائه، حي تم دمج قيادة العمليات المشتركة بمكتب القائد العام هي وكل التشكيلات التي كانت تتبعها، بالتزامن مع إرادة حكومية معلنة لحصر السلاح بيد الدولة، وتشمل واجبات المكتب إدارته للعمليات والتخطيط والاستخبارات وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة الأمنية، ورفع كفاءة أعمالها المشتركة، بهدف توحيد مركزية إدارة الملف الأمني والعسكري تحت إشراف القائد العام للقوات المسلحة.
إذن يشهد العراق اليوم إجراءات غير مسبوقة، والحكومة تستبق الاحداث، والرجل الزيدي يريد أن يثبت للعراقيين بأنه القادر على انتشال البلاد من مخاضة الفساد والاحتراب المؤجل وتعدد الولاءات الى حاضنة الوطنية والقرار المستقل، لكنَّه سيظل بمواجهة قوى تأسست وتمترست وتمكنت من المال والسلاح ويصرح بعض قادتها بأنَّ قرارهم لا يخضع لموافقة الحكومة. هل ستكون رسالة زعيم منظمة بدر السيد العامري الأخيرة خاتمة القول والنقطة التي تجد الفصائل فيها الحد النهائي بين (المقاومة) وانتفاء الحاجة لها؟ سيبدو الأمر ممكنا، وهل ستقدم الفصائل على تسليم سلاحها الى الدولة بجلاء آخر جندي أمريكي من العراق؟ وهل سيكون يوم الثلاثين من أيلول- حيث يبدأ تساقط الأوراق- نقطة الشروع في بناء العراق؟ هذا ما ينتظره العراقيون جميعاً.