سعد سلوم… جريدة المدى
يصعب عليّ أن أتحدث عن صحيفة «المدى» بوصفها منصة للنشر فحسب، فهي بالنسبة لي جزء من سيرة فكرية امتدت لأكثر من عقدين، وواحدة من المساحات القليلة التي شعرت فيها أن الكاتب لا يُختبر بمدى انسجامه مع السائد، بل بقدرته على طرح الأسئلة الصعبة، وفتح الملفات المؤجلة، والذهاب إلى المناطق التي يتردد الآخرون في الاقتراب منها.
لم تكن علاقتي بـ «المدى» قائمة على النشر وحده، بل على صداقة وثقة متبادلة مع أجيال من المؤسسين، ورؤساء التحرير، وشركاء المغامرة الثقافية والعاملين فيها منذ ولادتها الأولى. فقد كانت أسماء مثل: فخري كريم، زهير الجزائري، حيدر سعيد، قاسم محمد عباس، علي حسين، عدنان حسين، سرمد الطائي، أحمد سعداوي، علاء المفرجي، غادة العاملي، وسهيل سامي نادر، وآخرين، جزءًا أصيلاً من ذاكرة المكان، وصناع وعي ورواد آمنوا بأن الصحافة ليست صناعة أخبار فقط، بل هي صناعة وعي وتنوير.
ولهذا أصبحت «المدى» المنبر الذي أكتب فيه ما كنت أعتقد أن نشره في صحف أخرى سيكون بالغ الصعوبة، وربما مستحيلاً أحيانًا. كان ذلك قبل أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء مفتوح، وقبل أن تصبح الوفرة الرقمية مرادفًا لتضخم الأصوات وتراجع قيمة الكلمة؛ يومها كانت المقالة ما تزال حدثًا، وكانت الصحيفة بيتًا للأفكار.
بحسب تقديري، نشرت في «المدى» أكثر من مائة مقال قريب إلى قلبي وعقلي؛ لكل واحد منها قصة، ولكل قصة أثرها الذي تجاوز لحظة النشر، وأحيانًا تجاوز ما كنت أتوقعه شخصيًا. أتذكر أولى المقالات التي نشرت لي فيها عام 2003، وربما كان أقدمها مقال «كبش الفداء العراقي» الذي كتبته في بدايات الاحتلال الأميركي، حين كان الحديث عن الضحايا المدنيين يكاد يختفي وسط خطاب «حرب التحرير». كان حيدر سعيد يتولى تحرير صفحة «آراء وأفكار»، وأذكر أنه ترك لديه انطباعاً بأنه نص شديد القسوة على السياسة الأميركية، وإن نشره قد يثير حساسيات في تلك اللحظة السياسية المعقدة؛ لكنه، في النهاية، قرر نشره لأن قوة الحجة كانت، في نظره، أهم من حسابات اللحظة. بالنسبة لي، لم يكن ذلك مجرد نشر مقال، بل كان إعلاناً مبكراً عن استعداد «المدى» للدفاع عن استقلالية الكلمة. ومن بين المقالات التي لا يمكن أن أنساها مقال «لكي لا يتحول المسيحيون إلى متحف الذاكرة»، الذي كتبته إبان الهجوم الإرهابي على كنيسة سيدة النجاة في 31 تشرين الأول 2010، ليترك أثره القوي في جمهور واسع قبل سطوة شبكات التواصل الاجتماعي وفوضى المنصات التي تشتت الانتباه.
وخلال مسيرتي مع الصحيفة، خصصت لـ «المدى» سلسلة مقالات وثقت الحراك الاحتجاجي العراقي الذي تزامن مع موجة الربيع العربي عام 2011؛ ففي نحو عشرة مقالات، حاولت قراءة الاحتجاج العراقي بوصفه مساراً خاصاً للتغيير، يختلف عن نماذج التغيير القادمة من الخارج، ويعبر عن ديناميات مجتمع يبحث عن إصلاح دولته من الداخل.
ومن بين النصوص المتميزة مقالي التأبيني للراحل جلال ذياب، الذي منحته فيه لقب “مارتن لوثر كينغ البصرة.» لقد كان المقال طويلاً نسبيا إلى الحد الذي أثار تذمر الراحل عدنان حسين، لكن الصحيفة خصصت له صفحة كاملة بعد أيام قليلة من اغتيال جلال في نيسان 2013. لم أكن أدرك يومها أن تلك الكلمات ستشكل نقطة تحول لتنتقل قضية الأفروعراقيين من الهامش إلى فضاء عربي ودولي أوسع، ويصبح اسم جلال ذياب رمزاً للنضال ضد العنصرية. هكذا أصبح ذلك المقال لحظة تأسيس لذاكرة جديدة، والمفارقة هنا تكمن في حجم الاتصالات التي تلقيتها حوله من شخصيات تبوأت فيما بعد مناصب وزارية ورئاسية، وكأن السلطة أحياناً تنسيهم ما يكتب عنهم وعن مجتمعهم.
ثم أتى الفصل الأكثر قسوة؛ حين وجدت السنوات العراق أمام واحدة من أكبر مآسيه الحديثة المتمثلة في الإبادة الجماعية للإيزيديين. يومها كتبت مقالي «أنا إيزيدي» لأعلن فيه -بشكل رمزي وأخلاقي- تضامني مع الإيزيديين في محنتهم. وأتبعته بمقالات أخرى مثل «سبايا القرن الحادي والعشرين» حول استخدام النساء سلاحاً للتطهير العرقي، إضافة إلى سلسلة «من ميان خاتون إلى نادية مراد» وعشرات المقالات الأخرى التوثيقية للمأساة، والدفاع عن حق الضحايا في أن تروى قصصهم بلغتهم الإنسانية، بعيداً عن كونهم أرقاماً عابرة في نشرات الأخبار.
ولعل أكثر المشاريع التي احتضنتها الصحيفة إثراءً كانت محاولتي لإعادة قراءة التواريخ الفرعية للمجتمع العراقي منذ عام 2015؛ تلك التواريخ التي بقيت طويلاً خارج السردية الوطنية الكبرى. لقد نشرت فيها سلسلة من تسعة مقالات عن يهود العراق، وثماني مقالات عن تاريخ البهائية، وتسعاً عن محنة البهائيين في الشرق الأوسط، وأربعاً عن الشبك، وثلاثاً عن الأفروعراقيين، وثلاثاً عن الصابئة المندائيين، فضلاً عن مقالات أخرى تناولت الأرمن، والشبك، والتركمان، والكاكائيين، وقبائل القوقاز من شركس وشيشان وداغستان، وسواهم من الجماعات التي أسهمت في تشكيل الهوية التعددية للعراق.
كنت أرى أن هذه المقالات تؤدي وظيفة تختلف عن الكتب الأكاديمية؛ فكتاب البحث يصل إلى جمهور محدود، بينما كانت المقالة اليومية تفتح هذه القضايا أمام آلاف القراء وتدفع بها إلى عمق النقاش العام. ولهذا أدين بالفضل الكبير للصديق علي حسين، الذي تابع نشر هذه السلاسل بإيمان وصبر، مدركًا أن بناء ثقافة الاعتراف بالتنوع يحتاج إلى تراكم طويل النفس.
ومن النصوص التي احتفظت بمكانة خاصة في ذاكرتي مقال «هكذا تكلم زرادشت في كردستان»، الذي تناول عودة الزرادشتية بعد نحو ستة عشر قرنًا من الغياب. لم يكن المقال معنياً بديانة بعينها، بقدر ما كان محاولة حية لفهم ديناميات موت التنوع وعودته في الشرق الأوسط. وقد نُشر عام 2015، لكنه اختفى لاحقًا من أرشيف الموقع الإلكتروني بعد تحديثه، ليظل حيًا في الذاكرة الإنسانية أكثر مما بقي في ذاكرة الإنترنت.
وكانت «المدى» أيضًا المنصة التي نشرت فيها قراءاتي لشخصيات تركت أثرًا فكريًا أو روحيًا عميقًا في العراق والمنطقة، مثل البابا فرنسيس، بهاء الله، علي الوردي، فالح عبد الجبار، شاكر مصطفى سليم، هاني فحص، لويس ساكو، عبد الجبار الرفاعي، يوسف توما، بطرس حداد، منصور المخلصي، أحمد القبانجي، هناء أدور، وغيرهم. لقد كانت نافذة الصحيفة تتسع لتنوع الأفكار واختلافها، من دون أن تفقد بوصلتها الثقافية قط.
وعلى صفحاتها أيضًا تبلورت أفكار كبرى كنت أعمل عليها لسنوات، مثل سلسلة «الدولة والتعددية في العراق المعاصر»، وسلسلة «استراتيجية التنوع الخلاق»، اللتين حاولت فيهما الانتقال من مجرد تشخيص أزمات التنوع إلى اقتراح سياسات عملية لإدارته بوصفه مصدر قوة لا مصدر تهديد. ومن خلالها، طورت رؤية متكاملة حول الاقتصاديات البديلة لاقتصاد الريع النفطي، متمحورةً حول فكرة الاقتصاد البنفسجي واستثماراته المتشابكة مع الاقتصاد الأخضر المعني بالبيئة، والاقتصاد الأزرق المرتبط بالسياسات المائية، والاقتصاد البرتقالي الحاضن للتنوع الثقافي والتراث.
وبعد كتابة سلسلة من المقالات التي تفكك المشهدين السوري واللبناني بدلالة المشهد العراقي في مثلث المشرق الغني بتنوعه (لبنان، سوريا، العراق)، لم تقتصر هذه الرحلة الفكرية على الكتابة النقدية والتوثيقية فحسب، بل امتدت لتشكل حاضنة لأبرز المبادرات الإقليمية والدولية التي أطلقتها لتعزيز العلاقات مع دول الجوار وإزالة جدران الارتياب التاريخي. فقد وجدت تلك المبادرات منطلقها الأساسي في رحاب «المدى»؛ كما تجسد في المبادرة التي أطلقتها مع الباحث السوري “بسام القوتلي” لتجاوز قرن من الارتياب في العلاقات العراقية السورية، والمبادرة التي أطلقتها مع الكاتب الكويتي “أنور الرشيد” لمد جسور التفاهم وبناء حوار مشترك بين العراق والكويت.
ولا يمكنني إغفال محطة السلسلة السنوية التي دأبت على نشرها تخليداً لذكرى الإبادة الجماعية للأرمن والآشوريين والإيزيديين فقد جاوزت هذه الكتابات حدود التذكر العاطفي للمأساة لتؤسس لمراجعة نقدية دورية ضمن حقل دراسات الإبادة الجماعية. لقد سعت باستمرار لتفكيك إشكاليات الاعتراف والإنكار المؤسسي والاجتماعي، واختبار شروط العدالة الانتقالية، ومقومات الإنصاف الحقيقي، وإعادة بناء الثقة المتآكلة.
ومن الجوانب التي أعتز بها أيضًا أن أفضل مراجعاتي الفكرية للمفكرين السياسيين العالميين، والتي كنت أعدّها أساسًا لطلابي في كلية العلوم السياسية، كانت تجد طريقها في النهاية إلى صفحات «المدى» فما كان يبدأ محاضرة جامعية أو قراءة أكاديمية لنصوص مفكرين كبار، كان يتحول، بفضل رحابة الصحيفة، إلى مادة ثقافية متاحة للقارئ العام. لقد كتبت فيها مراجعات وقراءات نقدية لأفكار منظّرين وفلاسفة السياسة، محاولًا نقل النقاش من القاعات الدراسية المغلقة إلى رحاب المجال العام، وجسر الهوة بين المعرفة الأكاديمية والوعي المجتمعي؛ إذ كانت «المدى» تؤمن، كما كنت أؤمن، بأن الفكر لا يكتمل أثره داخل الجامعة وحدها، بل حين يغادر أسوارها ليصبح جزءًا حيًا من الحوار الثقافي المفتوح
وحين أنظر اليوم إلى هذه الرحلة، أكتشف أن تلك المقالات كانت -في حقيقتها- مختبراً فكرياً تشكلت فيه معظم الأفكار التي تحولت لاحقاً إلى كتب، ودراسات، ومشاريع، ومبادرات مدنية. كانت المقالة غالباً هي الشرارة الأولى؛ يتبعها البحث، فالكتاب، ثم المشروع. ولهذا يصعب عليّ حقاً أن أتخيل هذه الرحلة من دون «المدى»، وربما يصعب أيضاً أن أتخيل «المدى» من دون ذلك الإيمان القديم بأن الصحافة الثقافية قادرة على تغيير شيء في هذا العالم، ولو ببطء.
هذه شهادة امتنان لمنبر منحني، طوال ثلاثة وعشرين عاماً، حرية أن أكتب كما أؤمن، وأن أختلف من دون خوف، وأن أبقى باحثاً بلا توقف عن العراق الذي يستحق حقاً أن يُكتب عنه.