ملخص
اعتبر كتاب ديمتري بيكوف عن سيرة بوريس باسترناك منذ صدوره حدثاً استثنائياً في عالم النشر الأدبي الروسي. إذ عدا عن الطبعات العديدة بعشرات ألوف النسخ لكل طبعة، والترجمات المتعددة، نال الكتاب ومؤلفه اثنتين من أكبر الجوائز في البلاد: جائزة “بولشوي كنيغا”، وتلك المسماة “ناشيونالتي بست سيلر”
هو أمر كان من المستحيل أن يحدث قبل عقدين أو ثلاثة من حدوثه بالفعل في عام 2006، أي قبل التغييرات الجذرية التي أودت بالاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي ومفاهيم مثل البطل الإيجابي والواقعية الاشتراكية وكل “ذلك الهراء الأيديولوجي الذي دمر حياتنا ونحن ساكتون صاغرون” بحسب ما كان يتمتم بوريس باسترناك خلال السنوات الأكثر صعوبة في حياته، أي السنوات التي كان العالم كله يقرأ روايته الكبرى، “دكتور جيفاغو”، ويشاهد الفيلم الرائع الذي حققه عنها الإنجليزي دافيد لين من بطولة عمر الشريف، فيما هو “مضطر” للإذعان لما ارتأته سلطات بلاده الحزبية من رفضه “الطوعي” لجائزة نوبل تمنح له “نكاية بتلك السلطات لا أكثر”.
ونعرف طبعاً أن العامين اللذين انقضيا بين حكاية نوبل (1958) وموت باسترناك (1960)، كانا مرحلة يأس أخيرة في حياة هذا الكاتب الكبير. وهذا ما يؤكده على أية حال كتاب ضخم، ومميز، صدر عنه في ما يزيد على ألف صفحة رد له مكانته واعتباره في بلاده وخارجها. ولكن أولاً في بلاده حيث منذ العام الذي صدر فيه حتى العام 2010 صدرت دزينة من الطبعات وقرأته كل روسيا وكثر من الأجانب مستعيدين ذكرى ذلك الكاتب الكبير كما دونها ديمتري بيكوف في نص لا بد أن نشير إلى أن مجلة “إكسبرت” الروسية الذائعة الصيت كانت قد توقعت له عند صدوره أن يمر من دون أن يهتم به أحد. بالنسبة إليها كان ذلك تاريخاً مضى وانقضى و”حسب محبي باسترناك أن يقتنوا نسخة من روايته الكبرى ويقرأوها حتى من دون أن يسعوا لمعرفة شيء عن سيرة كاتبها وحياته البائسة” بحسب كاتب ذلك المقال.
رواج وجوائز كبرى
ولكن وعلى العكس مما توقع المقال وكاتبه والمجلة التي نشرته، اعتبر الكتاب منذ صدوره حدثاً استثنائياً في عالم النشر الأدبي الروسي. إذ عدا عن الطبعات العديدة بعشرات ألوف النسخ لكل طبعة، والترجمات المتعددة للغات لم يكن بعضها في الحسبان، نال الكتاب ومؤلفه اثنتين من أكبر الجوائز في البلاد: جائزة “بولشوي كنيغا”، وتلك المسماة “ناشيونالتي بست سيلر”. ويعرف الروس أن الجائزتين نادراً ما اجتمعتا لكتاب واحد.
ناهيك بأن ذلك كله أسفر عن اختيار مجلة “فودوموستي” لكاتب السيرة لقب “رجل العام”. والحقيقة أن بيكوف نفسه، مؤلف السيرة كان أول المذهولين أمام ما يحدث. فهو حين اشتغل على هذا الكتاب، لم يكن يتوقع له أي نجاح استثنائي. بل بالعكس كان يرى أن التجريبية التي يمارسها فيه سوف تحد من انتشاره وتجعله أقرب إلى أن يكون كتاباً نخبوياً. وهو أتى كذلك بالفعل إذ إن بيكوف حرص على أن يعطي سيرة بوريس باسترناك طابعاً “تجديدياً” يجعله يتأرجح بين الرواية والنقد الأدبي متخلياً تماماً عما نصحه به أصدقاؤه من الاكتفاء بكتابة سيرة تقليدية حتى وإن كان صاحبها غير تقليدي. لكن بيكوف كان واثقاً من أن الكتاب يمكن أن يعطيه فرصة للتجريب طالما أنه لن يكون بأية حال من الأحوال كتاباً شعبياً. ومن هنا نراه، وبحسب الصحافة الروسية، ينوع في كتابته بشكل جعل من فصول كثيرة من الكتاب إدخالاً لكل ما هو جديد في هذا الصنف الأدبي ولا سيما باعتماده على ما سوف يسميه النقاد البورتريهات الثنائية.
الكاتب والآخرون
ويقوم الأمر هنا على أن بيكوف وفيما هو يستطرد في تحري فصول من حياة باسترناك، يتوقف بين الحين والآخر، وتحديداً عند مراحل مفصلية من حياة صاحب السيرة، ليسجل صفحات عديدة يهتم فيها برسم صورة أدبية للعلاقة بين المترجم له وشخصيات عديدة أخرى لعبت دوراً مهماً في حياته، سواء كان الدور إبداعياً أو عائلياً أو غرامياً أو حتى سياسياً.
ومن هنا تلك الفصول الرائعة التي تحمل العناوين والمواضيع التالية: باسترناك وآنا أخماتوفا، باسترناك وأوسيب ماندلستام، وباسترناك وألكسندر بلوك، وصولاً طبعاً إلى باسترناك وستالين، وذلك بين عشرات الفصول الأخرى المشابهة التي يتمفصل فيها التاريخ العام مع التاريخ الشخصي، مع مجريات الحياة الأدبية، ناهيك عن الأبعاد السياسية التي كانت الشاهد الرئيسي ليس بالطبع على قوة شخصية باسترناك، بل بالعكس على زهده وضعف دوافعه النضالية للدفاع عن كتاباته، بل حتى عن روايته “دكتور جيفاغو” التي لم يكن من المنطقي على أية حال، اعتبارها معادية للثورة، بل مدافعة عن نقاء ثوري ضرب منذ لحظاته الأولى فتصدى له باسترناك إنما من دون أن يعرف لاحقاً كيف يبديه في وجه مناوئيه!
ومن هنا يبدو مدهشاً ما قام به هذا الكتاب من إعادة اعتبار لباسترناك عبر ربط فصول حياته بما عومل به من ازدراء كان في مقدوره أن يصده عنه بنفسه لو كانت شخصيته “روسية” بما يكفي بحسب الكتاب الذي لم يبد معادياً للكاتب، بل متعاطفاً معه بشكل لا سابق له.
غير أن هذا لم يكن الميزة الوحيدة لهذا الكتاب الذي وصفته الصحافة الروسية في ذلك الحين بالكتاب “العملاق”، مؤكدة على أنه ليس عملاقاً بحجمه فقط، بل باشتغاله على كم هائل من المواد المؤرشفة وغير المؤرشفة.
تحت مجهر دقيق
غير أن كثرة المواد المرجعية وكثافتها وقدرتها على أن تقول كل شيء، “أجل كل شيء…” كما أجمع المعلقون، لم تكن كل شيء بل أن الأهم من ذلك هو أن تلك المواد كانت هي ما مكن الكاتب من أن يمعن في تفحص كل مرحلة من مراحل حياة باسترناك، التي ارتبطت بأدبه وعلاقاته بشكل نادر على أية حال، وكأنه يضع كل شيء تحت مجهر دقيق “من بداياته كموسيقي وفيلسوف وعلاقاته الغرامية منذ سنين مراهقته وانضمامه إلى صفوف الثورة البولشفية. تلك الثورة التي بسبب ما تحولت إليه لم يتمكن من السكوت عن رفضه لها خلال المرحلة الانتقالية بين لينين وستالين بخاصة ثم خلال المرحلة الستالينية. وهو ما سوف يصل لاحقاً إلى حد تعرضه لأشد أنواع الضغط والاضطهاد، ولا سيما بعد أن أعلنت لجنة نوبل الأدبية عن نيله جائزتها، فإذا بالسلطات، على رغم إعلان نفسها انفتاحية في مرحلة ما بعد ستالين، تطلب منه أن يرفض الجائزة، ولا سيما بعدما كانت روايته قد صدرت لدى منشورات فلترينيللي اليسارية في روما باللغة الروسية، وأثارت ما نعرف أنها أثارته من ضجة عالمية.
إن الغريب في أمر باسترناك، بحسب الكاتب هو أنه لم يقاوم، ولم يحاول حتى أن يخرج من البلاد على رغم أن ثمة ظروفاً أتاحت له ذلك. سكت واعتذر عن قبول الجائزة. ولعل الغريب في أمر السيرة هو سكوتها هي الأخرى عن ذلك الفصل من حياة صاحب الترجمة.
والحقيقة أن ما يلفت في الأمر هنا، أن عدداً من المعلقين الروس الذين، على رغم رضاهم، بل إعجابهم المطلق بالكتاب، أخذوا عليه بعض الإيحاءات التي تربط بين “موقف باسترناك المتخاذل” من ناحية، وعلاقة غرامية مفترضة، في رأي المعلقين، وتقوم على الرسائل المتبادلة في رأي الكاتب المضمر، بين باسترناك والشاعرة مارينا تسفيتايفا. وهي علاقة يلمح بيكوف إلى إمكانية أن تكون في خلفية موقفه “المتخاذل الغريب” ما يفترض أن غرقه في حكاية غرام في ذلك الحين ربما يكون دافعه الأساسي للتخاذل.
ونذكر أن كثراً من المعلقين قالوا إن تلك حكاية حاول الكاتب أن يؤسطرها لكنه لم ينجح في ذلك، فبقيت ثغرة في جدية كتابه وصدقيته… ولسنا ندري ما إذا كان ثمة نقاش قد تواصل حول هذا الموضوع في ذلك الحين، لكننا نعرف أن حتى هؤلاء لم ينكروا أن الكتاب، بهذه الحكاية ومن دونها، يبقى نصباً كبيراً أقيم لكاتب استثنائي يكاد يكون “مقاماً يزار وتحفة أدبية نادرة” بحسب واحد منهم.
