ملخص
حذر باحثون وخبراء بيئة حديثاً من النظر إلى ندوب تلوث البيئة التي تخلفها الحرب الأميركية – الإيرانية، التي تركزت أخيراً في منطقة مضيق هرمز، على أنها ليست بأهمية أو خطورة ندوب الموت أو الشلل الاقتصادي العالمي.
كونه أصبح يعرف اليوم باسم مضيق التجارة العالمية، فإنه عادة ما يناقش “مضيق هرمز” من خلال مصطلحات الجغرافيا السياسية، إذ تسيطر مصطلحات مثل براميل النفط وخطوط الملاحة وأسعار الطاقة والتجارة العالمية على أي تغطية إعلامية لوقائع الحرب هناك. ونتيجة ذلك أغفل الجميع تماماً طبيعة ذلك المكان، فامتدت بقع النفط المتسربة على طول الساحل الجنوبي لإيران حتى وصلت إلى غابات المانغروف في هارا بجزيرة قشم. ووفق هؤلاء الباحثين، أكدت السلطات الإيرانية أن حجم التلوث لا يزال قيد التقييم، وأن مصدر التلوث النفطي لم يحدد بعد، لكن المؤكد أن صور الأقمار الاصطناعية رصدت تسربات نفطية عدة في المنطقة منذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وتقع غابات هارا في مضيق خوران، الذي يفصل جزيرة قشم عن البر الرئيس لإيران. ويقع هذا الممر المائي قرب مضيق هرمز، وهو أحد الممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية على مستوى العالم.
وفي هذا السياق، حذر باحثون وخبراء بيئة حديثاً من النظر إلى ندوب تلوث البيئة التي تخلفها الحرب الأميركية – الإيرانية، التي تركزت أخيراً في منطقة مضيق هرمز، على أنها ليست بأهمية أو خطورة ندوب الموت أو الشلل الاقتصادي العالمي. وذلك لأنها أعمق وأبطء كثيراً في التعافي، إذ “لا يعد مضيق هرمز مجرد ممر حيوي للطاقة، بل هو أيضاً ممر حيوي للبيئة”، ولذلك لفت خبراء البيئة ومجموعة من الأكاديميين أخيراً إلى حقيقة لم تأخذ حيزاً من الاهتمام، وهي أن وراء الخريطة الجيوسياسية لحرب إيران، تكمن خريطة حيوية أخرى ربما تكون أكثر تعقيداً، فمضيق هرمز ومياهه المحيطة به وفق هؤلاء “موطن لأشجار المانغروف والشعاب المرجانية ومروج الأعشاب البحرية ومصائد الأسماك والمجتمعات الساحلية”.
المياه المفتوحة
من المؤكد أن “بقعة النفط في المياه المفتوحة كارثة تلوث خطرة”، لكن دخول النفط إلى نظام بيئي لأشجار المانغروف يولد مشكلات مختلفة، إذ تشكل أشجار المانغروف الحد الفاصل بين اليابسة والبحر، بجذورها الكثيفة التي تبطئ حركة المياه وتحجز الرواسب. “فالخصائص نفسها التي تجعل هذه النظم البيئية فائقة الإنتاجية تجعلها أيضاً مصائد فعالة للملوثات”. وبينما يمكن إزالة النفط من سطح الماء، فإن النفط الذي يتغلغل في الشواطئ والرواسب الدقيقة يصبح أكثر صعوبة في المعالجة. ويمكن أن يؤثر التلوث على الجذور والشتلات، ويعرض الكائنات الحية التي تعيش في هذه الرواسب أو تتغذى عليها للموت. كذلك، يمكن أن تتأثر الأسماك والطيور عبر مسارات بيئية تمتد إلى ما وراء الأشجار الملوثة ظاهرياً.
ليست “قشم” وحدها
أكد علماء يراقبون حال المضيق البيئية أنه لا ينبغي النظر إلى منطقة قشم بمعزل عن غيرها. ففي وقت سابق من الحرب رُصدت بقعة نفطية أخرى قرب جزيرة خارك، شمال الخليج العربي. وأشارت صور الأقمار الاصطناعية إلى أن التيارات المائية تحمل “التلوث” عبر مضيق خوران باتجاه أشجار المانغروف.
وفي مقالة نشرت خلال الـ13 من أغسطس (آب) الجاري على موقع المحادثة البريطاني بعنوان “التسرب النفطي في إيران”، وصف المدير التنفيذي المشارك في معهد المياه والبيئة والصحة في جامعة الأمم المتحدة وأستاذ الهندسة التطبيقية في جامعة هامبورغ التقنية، نيما شكري، الندوب التي تخلفها هذه الحرب بـ”الكارثية” والتي “لا يمكن حتى لوقف إطلاق النار أن يعالجها”، فانتهاء الحرب لن يكفل معالجة علمية دقيقة وشاملة للمواقع التي تضررت بشدة. وفي هذا السياق، قال نيما شكري في مقالته “خلال الحرب، يميل بعضٌ إلى عد الأضرار البيئية أمراً ثانوياً، يقيم بعد معالجة مسائل الاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية وإمدادات الطاقة والخسائر الاقتصادية”، وأكد أنه في أتون النزاع “يصعب الدفاع عن هذا الرأي”. ويرى الباحث أن “الأنظمة البيئية بمثابة بنية تحتية”، ولكن على عكس الجسر أو خط الأنابيب أو المبنى، لا يمكن بالضرورة إعادة بناء النظام البيئي بالسرعة التي تجري بها عمليات إعادة الإعمار في الحروب المعاصرة. فغابة المانغروف الناضجة ما هي إلا نتاج عمليات بيولوجية تتطور بمرور الوقت. ولذلك يرى شكري وعلماء آخرون أنه “قد تستغرق استعادة الوظائف البيئية المفقودة أعواماً عدة، وأحياناً يكون من المستحيل عكس مثل هذه التغييرات البيئية”. ويصف شكري ما تقوم به هذه الأشجار في الطبيعة بقوله “تحمي أشجار المانغروف السواحل وتحافظ على النظم البيئية البحرية. في المقابل تدعم مصائد الأسماك سبل العيش والأمن الغذائي، فيما تدعم التربة الزراعة. وتخزن طبقات المياه الجوفية المياه، وتغذي المياه الساحلية محطات تحلية المياه”.
فترات عدم الاستقرار السياسي
توفر النظم البيئية صوراً من الازدهار، وتزداد أهميتها خلال فترات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، فيما يؤدي تدميرها أو تدهورها إلى تراكم “التزامات” قد تستمر لفترة طويلة بعد انتهاء العمليات العسكرية. لهذا السبب، يستحق ما يحدث في “قشم”، وفق شكري، “اهتماماً يتجاوز حدود إيران”. فليس السؤال الآن ما إذا كان هذا التلوث النفطي تحديداً يمثل كارثة بيئية، لأنه ليس لدى هؤلاء العلماء حتى الآن الأدلة الكافية للحكم على ذلك. وعليه فالسؤال الأهم لدى الباحثين هو ما الذي يجب أن يخبرنا به هذا الحدث، لا سيما أن بقع النفط المتسربة على طول الساحل الجنوبي لإيران وصلت إلى غابات المانغروف في هارا بجزيرة قشم؟ وعلى رغم تأكيد السلطات الإيرانية أن حجم التلوث لا يزال قيد التقييم، وأن مصدر التلوث النفطي لم يحدد بعد، فإن تسربات نفطية عدة رُصدت داخل المنطقة منذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فيما لم ينل أي من هذه التسريبات ما يستحق من عمل دؤوب.
إذا استمر الصراع
يؤكد الخبراء أنه في حال استمر هذا الصراع فإنه سيزداد احتمال وقوع مزيد من الحوادث، وسوف يزداد أيضاً خطر تضرر البنية التحتية والتلوث، مما سيؤدي أيضاً إلى تعطل الإدارة البيئية للموقع. وفيما تكون بعض العواقب، مثل احتراق السفن وتفحم السواحل وموت النباتات، واضحة للعيان، فإن عواقب أخرى ستتراكم بهدوء في الرواسب والتربة والمياه الجوفية والشبكات الغذائية والنظم البيئية المنهكة. وهذه العواقب هي التي قد يصعب إصلاحها في نهاية المطاف. ويختم شكري مقالته بالقول “مع أن جميع الحروب تنتهي في نهاية المطاف، إلا أن عواقبها البيئية لا تتبع بالضرورة الجدول الزمني ذاته”.
في نبذة تعريفية عنه، أكد الموقع البريطاني الذي نشر مقالته، أن نيما شكري حصل على شهادة الدكتوراه في عام 2009 بناءً على توصية كلية الهندسة المعمارية والمدنية والبيئية في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان بسويسرا. وبعد دراسته للدكتوراه، أجرى أبحاثاً في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ. وبعد ذلك، شغل مناصب أكاديمية كأستاذ مساعد في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية ومحاضر أول في جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة. وفي يوليو (تموز) 2020، عُين نيما رئيساً لقسم المعلوماتية الجيولوجية المائية وأستاذاً في جامعة هامبورغ للتكنولوجيا. وهو أيضاً يشغل منذ مايو (أيار) 2024 منصب المدير التنفيذي المشارك لمركز جامعة الأمم المتحدة للهندسة لمواجهة تغير المناخ في جامعة هامبورغ للتكنولوجيا.
يُذكر أن مركز جامعة الأمم المتحدة للهندسة لمواجهة تغير المناخ في جامعة هامبورغ للتكنولوجيا هو مركز بحثي أكاديمي مشترك بين جامعة الأمم المتحدة وجامعة هامبورغ للتكنولوجيا في ألمانيا، يركز على تطوير حلول هندسية لمواجهة آثار تغير المناخ عالمياً، مع اهتمام خاص بدعم الدول النامية. ويعمل المركز من خلال مجموعتين بحثيتين، الأولى تركز على صحة التربة والمياه والمناخ، والثانية على التقنيات الدائرية للمواد الحيوية، ويقدم برامج ماجستير ودكتوراه، ويعد أول مركز لجامعة الأمم المتحدة في أوروبا وأول مركز عالمي متخصص في الهندسة لمواجهة تغير المناخ.
أما جامعة الأمم المتحدة (United Nations University – UNU) فهي الذراع الأكاديمية والبحثية الرسمية للأمم المتحدة، ومقرها الرئيس في طوكيو – اليابان. وتعد الجامعة مؤسسة دولية مستقلة، إذ تعمل كمركز تفكير عالمي وجامعة للدراسات العليا، وتركز على إنتاج المعرفة لمعالجة قضايا العالم الملحة مثل تغير المناخ والتنمية والفقر والحوكمة والأمن الغذائي والهجرة.
