ملخص
تتضخم تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي بصورة تثير مخاوف من فقاعة مالية جديدة، بعدما باتت “أنثروبيك” تقترب من طرح عام قد يدفع قيمتها إلى حدود تريليون دولار. اندفاع المستثمرين وراء وعود الذكاء الاصطناعي قد لا يهدد الشركات الكبرى وحدها، بل يمكن أن يطاول صناديق التقاعد والمدخرات والوظائف إذا انفجرت الفقاعة أو خابت التوقعات.
يعيش عالم الذكاء الاصطناعي حالاً من الهوس غير المسبوق. فتستعد شركة “أنثروبيك” الآن لدخول “وول ستريت”، وسط توقعات بأن تكسر قيمة تريليون دولار عند طرح أسهمها في البورصة، أي ما يعادل 740 مليار جنيه استرليني. وباتت الشركة المطورة لنموذج “كلود” في موقع يؤهلها لتسبق منافستيها “أوبن أي آي” و”سبيس إكس” التابعة لإيلون ماسك إلى السوق، بعدما سجلت رسمياً نيتها بيع أسهم في الولايات المتحدة.
هذا التطور يضع “أنثروبيك” في مقدمة سباق الشركات التي تسعى إلى أن تصبح أول شركة مطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي تُطرح للاكتتاب العام. وفي الوقت نفسه، تسعى شركة “ألفابت”، المالكة لـ”غوغل” التي تملك أيضاً “يوتيوب” وتبيع هواتف “بيكسل” وتقف وراء متصفح “كروم” ونظام التشغيل “أندرويد”، إلى جمع 80 مليار دولار من المستثمرين لضخها في الذكاء الاصطناعي. وتبلغ القيمة السوقية لـ”ألفابت” 4.5 تريليون دولار، أي أكثر من مجموع قيم الشركات المدرجة في مؤشر “فوتسي لجميع الأسهم” FTSE All-Share البريطاني كلها مجتمعة، والبالغ 2.8 تريليون دولار.
ومن الأمور التي تصب في مصلحة “أنثروبيك” أنها، بالمعنى التقليدي والفضفاض للكلمة، شركة تحظى بصورة إيجابية نسبياً. فقد تأسست عام 2021 على يد مسؤولين سابقين في “أوبن أي آي”، من بينهم الشقيقان داريو أمودي ودانييلا أمودي. وقدمت الشركة نفسها بوصفها مختبراً للذكاء الاصطناعي يضع السلامة في المقام الأول، وتقول على موقعها الإلكتروني: “نريد أن يكون الذكاء الاصطناعي آمناً ومفيداً لمستخدمينا وللمجتمع ككل. يضم فريقنا مجموعة سريعة النمو من الباحثين والمهندسين وخبراء السياسات وقادة الأعمال الملتزمين، يعملون معاً لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي مفيدة”.
وتخوض الشركة حالياً معركة قضائية مع “البنتاغون”، بعدما صُنفت باعتبارها “خطراً على سلاسل الإمداد” لأسباب تتعلق بالأمن القومي. فقد سعت وزارة الحرب في إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام غير مقيد لتكنولوجيا “أنثروبيك”، في حين طالبت الشركة بضمانات تحول دون استعمال نماذجها في تصنيع أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل أو في أنظمة للمراقبة الجماعية داخل البلاد.
أما المستثمرون من القطاع الخاص، فيبدون حماسة جارفة تجاهها. فخلال الأسبوع الماضي، جمعت “أنثروبيك” 65 مليار دولار في جولة تمويل رفعت تقييم مختبر الذكاء الاصطناعي إلى 965 مليار دولار، في واحدة من أضخم جولات التمويل الخاصة في التاريخ. وبذلك تجاوزت “أنثروبيك” شركة “أوبن أي آي”، المطورة لـ”تشات جي بي تي” التي بلغ آخر تقييم لها 852 مليار دولار.
ومع ذلك، فإن رقم التقييم هذا بالغ الضخامة إلى حد يصيب بالدوار. فعدد النجوم في مجرة درب التبانة يقدّر بما بين 100 مليار و400 مليار نجم، وهو رقم لا يبلغ حتى نصف تريليون عند الحد الأعلى للتقديرات.
ويكشف ذلك عن أن سوق الأسهم لا تزال قادرة على فقدان اتزانها تماماً عندما يتخلى عدد كافٍ من المتعاملين فيها عن حسهم السليم. وإذا اندفعوا بعيداً، فلا بد في النهاية من تصحيح، كما حدث حين انفجرت فقاعة الدوت كوم التي تضخمت خلال تسعينيات القرن الماضي. ومع ذلك، تبدو تلك الفقاعة اليوم أقرب إلى المنطق مقارنة بما يجري الآن.
أما في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فالأمر مختلف. فتُضخ حالياً مليارات فوق مليارات من الدولارات في السباق إلى الهيمنة على هذا القطاع. ومرة أخرى، الأرقام من الضخامة إلى حد تكاد تفوق قدرة العقل على استيعابها. ويأتي الطرح المرتقب لـ”أنثروبيك” ــ مع أنها لم تكشف بعد عن حجم الأموال التي تسعى إلى جمعها أو السعر الذي ستُطرح به الأسهم الجديدة، إضافة إلى مسعى “غوغل”- “ألفابت” لجمع الأموال، بوصفهما أحدث مثالين على ذلك.
أما المستثمرون، فيضخون الأموال لا استناداً إلى تقييم هادئ لما يمكن أن تدرّه هذه التكنولوجيا من عائدات، بالتالي لما تستحقه أسهمها، بل بدافع مزيج من الخوف والطمع. وليس السؤال الذي يطرحونه “هل هذا رهان جيد؟”، بل “كم سنبدو مغفلين إذا فاتتنا ثروة الذكاء الاصطناعي الموعودة في نهاية قوس القزح؟”.
هذه ليست طريقة جيدة للاستثمار. وبات الذكاء الاصطناعي يشبه، على نحو متزايد، النسخة الحديثة من “جنون التوليب” الهولندي. أحب قصة تلك البصلة المتواضعة، حتى لو كانت، مثل كل قصة جيدة، تنطوي على بعض المبالغات. وربما يجعلها ذلك أكثر ملاءمة للحديث عن الذكاء الاصطناعي. فكان “جنون التوليب” أول فقاعة اقتصادية أو سوقية موثقة في التاريخ، وحدث عندما وصلت زهور التوليب إلى هولندا وأصبحت رمزاً للمكانة الاجتماعية بين الأثرياء.
حتى الآن، لم يقُل أحد في هذا العالم البرّاق الجديد للذكاء الاصطناعي “لا”، أو بالهولندية “nee”. لكن ماذا سيحدث إذا قالها أحدهم؟ ماذا لو أشار شخص ما إلى أن الإمبراطور ربما ليس عارياً تماماً، لكنه لا يرتدي سوى سروال سباحة رخيص، ويلقي منشفة رثة على كتفه، لا السترة الحريرية الفاخرة التي ادّعاها بائع الأقمشة؟
وخلال المراحل الأولى، كانت الأموال التي تحرقها شركات التكنولوجيا تُجمع من المستثمرين الأثرياء عبر جولات تمويل خاصة: أفراد أثرياء ومكاتب عائلية تدير ثرواتهم وشركات استثمار خاص وصناديق تحوط، وما شابه ذلك. ومن الممكن أن تعم الفوضى إذا تكبد هؤلاء خسائر تكفي لإسقاطهم.
أما الآن، فانتقلت موجة جمع الأموال إلى أسواق الأسهم العامة. وأي انهيار جديد في قطاع التكنولوجيا سيخلف خسائر قاسية تطاول صناديق التقاعد والمدخرات المستثمرة في الصناديق المالية وغيرها. كذلك سيقوّض الثقة بالأسواق، ويجعل جمع التمويل أكثر صعوبة حتى أمام شركات قوية ومربحة وجديرة بالاستثمار في قطاعات لا علاقة لها بالذكاء الاصطناعي. وسيدفع ذلك المستثمرين إلى النفور من الأخطار، والرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين إلى التحوط واتخاذ إجراءات دفاعية. وستكون الوظائف من بين الضحايا.
وعندما تنفجر الفقاعات، تكون لذلك تداعيات حقيقية على أرض الواقع. صحيح أن “ألفابت”- “غوغل” ستنجو إذا لم يفِِ الذكاء الاصطناعي بوعوده المبالغ فيها، فهي تملك مجموعة من المنتجات الناجحة إلى حد كبير. لكن ماذا لو لم تثبت “أنثروبيك”، وهي شركة لا تزال في مرحلة أبكر بكثير، قدرتها على الصمود؟ هل أصبحت بالفعل أكبر من أن تُترَك لتنهار عند تقييم يقترب من تريليون دولار؟
وثمة سؤال آخر قد يكون أكثر إثارة للرعب: كم وظيفة ستختفي إذا كنت أنا مخطئاً، وإذا حقق الذكاء الاصطناعي فعلاً الوعود البراقة المبالغ فيها حياله؟ هذا وحده كفيل بأن يحرمكم النوم إذا فكرتم فيه جيداً. وهو يحرمني أنا شخصياً من النوم.
في الوقت الراهن، راقبوا “زهور التوليب الرقمية” تلك عن كثب، واستعدوا للهرب من الساحة فور أن تشتد الرياح الافتراضية وتبدأ هذه الزهور بالاهتزاز.
© The Independent
