ملخص
ترتبت على تراجع المساعدات الخارجية بعد تفكيك “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” كلفة إنسانية فادحة، خصوصاً في أفريقيا، مع ارتفاع وفيات الأطفال وتراجع تمويل الصحة والتنمية عالمياً. نهاية المساعدات لا تعني نهاية التنمية إذا أُعيد توجيه التمويل نحو الصحة والتعليم وبناء القدرات المحلية، بما يساعد الدول الفقيرة على تقليل اعتمادها على المعونات مستقبلاً.
في الثالث من فبراير (شباط) 2025، وبعد مرور 20 عاماً بالضبط على وقوف رئيس جنوب أفريقيا الراحل نيلسون مانديلا أمام حشد هائل في ميدان “ترافالغار سكوير” في لندن، لإطلاق حملة عالمية تاريخية تهدف إلى “جعل الفقر من الماضي” Make Poverty History، تلقى موظفو “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” USAID رسالة إلكترونية تطلب منهم عدم الحضور إلى العمل. فالوكالة الرئيسة في الولايات المتحدة لمكافحة الفقر حول العالم كانت، على حد تعبير رجل الأعمال الملياردير إيلون ماسك، تتعرض لـ”فرم” كامل.
في الوقت نفسه، كان كبار المانحين الآخرين في العالم، ومن بينهم فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، يجرون تخفيضات حادة في إنفاقهم على الصحة والتنمية عالمياً. وعلى امتداد عام 2025، خفّض المانحون في مختلف أنحاء العالم نحو 30 مليار دولار من المساعدات الخارجية.
كانت التداعيات القصيرة الأمد لهذا التراجع كارثية. فقد أصبحت أكثر الأمراض المعدية فتكاً في العالم، وهي فيروس نقص المناعة البشرية والسل والملاريا، أشد فتكاً خلال العام الماضي. وتشير تقديرات أولية صادرة عن “معهد القياسات الصحية والتقييم” Institute for Health Metrics and Evaluation إلى أن تقليص المساعدات الصحية تسبب في وفاة ما يصل إلى 200 ألف طفل إضافي في عام 2025 مقارنة بعام 2024، معظمهم في أفريقيا، مسجلاً بذلك أول عام في هذا القرن يرتفع فيه عدد وفيات الأطفال حول العالم بدلاً من أن يواصل الانخفاض.
حتى إذا سارعت بعض الدول والمؤسسات إلى تعويض جزء من النقص، فمن غير المرجح أن تعود المساعدات إلى مستوياتها السابقة. وتشير التوقعات إلى أن تمويل الصحة والتنمية عالمياً سيظل حتى عام 2027 أقل بنحو 30 في المئة مما كان عليه في عام 2024. ومن المرجح أن يتراجع بصورة أشد مع ارتفاع كلفة السلع الأساسية بفعل الصراع في إيران ومحيطها، ودفع الحكومات إلى تحويل مزيد من مواردها نحو الأمن والدفاع.
مع ذلك، لا يزال بإمكان العالم أن يحقق تقدماً بموارد أقل، إذا ضيّقت المؤسسات العالمية نطاق أهدافها واستثمرت في قدرة البلدان الفقيرة على معالجة مشكلاتها بنفسها. وينبغي أن يكون الهدف الطويل الأمد لقطاع المساعدات هو مساعدة الدول على بلوغ مرحلة لا تعود فيها بحاجة إليه. ويمكن للاستثمارات الموجهة في المجالات التي تعزز النمو المحلي والقدرات البشرية أن تدفع العالم في هذا الاتجاه خلال الأعوام الـ20 المقبلة.
كيف ننقذ حياة
خلال العام الماضي، روّج من فككوا “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” خرافة كبرى مفادها أن المساعدات كانت غير فعالة ومهدرة للموارد في جوهرها. فعلى سبيل المثال، وصف إيلون ماسك الوكالة بأنها “مستنقع من الفساد والمشكلات” يعمل بأموال “مسروقة من دافعي الضرائب”. وقد أقنعت هذه الخرافة بعض الناس بالفعل بأن سخاءهم لا يترك أثراً حقيقياً في العالم، في حين أنه كان في الواقع قوة أحدثت تحولاً جذرياً.
حققت الجهود العالمية للحد من الفقر المدقع في هذا القرن نجاحاً لافتاً. ففي عام 2000، كان 2.2 مليار شخص حول العالم يعيشون على دخل يعادل ثلاثة دولارات يومياً بأسعار اليوم. وبحلول عام 2015، انخفض هذا العدد إلى مليار شخص، أما اليوم فيبلغ 840 مليوناً. ولا يعود هذا التقدم إلى الطفرات الاقتصادية في الصين والهند وحدهما، إذ إن دولاً متباينة مثل بنغلاديش وإثيوبيا وإندونيسيا والسنغال خفضت جميعها عدد من يعيشون في فقر مدقع إلى النصف منذ عام 2000.
وأصبح الفقر أيضاً أقل تسبباً في الوفاة، مع استثمار العالم في الرعاية المنقذة للحياة، مثل اللقاحات وتحسين الرعاية أثناء الولادة. فمن عام 2000 إلى عام 2024، ارتفع متوسط العمر المتوقع في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بأكثر من ست سنوات. وانخفضت الوفيات الناجمة عن الملاريا من 839 ألف حالة سنوياً إلى 610 آلاف، وتراجعت الوفيات المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشرية من 1.8 مليون إلى 627 ألفاً. كما خفّض العالم إلى النصف عدد الأطفال الذين يموتون قبل بلوغ الخامسة، من نحو 10 ملايين إلى أقل من خمسة ملايين سنوياً.
بوجه عام، شهدت الأعوام الـ25 الماضية أوسع تحسن في أحوال البشر وأعمقه أثراً في التاريخ، وكان الفقراء في العالم هم المستفيدون الرئيسون من هذا التقدم. وقد اضطلعت معظم الدول المانحة بدور مهم في دفع هذا التقدم، من دون أن تنفق أكثر من واحد في المئة من موازناتها الحكومية السنوية على المساعدات.
ومن المفهوم أن يركز من لا يزالون ملتزمين العمل في مجالي الصحة والتنمية جهودهم على دحض الخرافة القائلة إن المساعدات فشلت. لكن عليهم أيضاً أن يتجنبوا الانغماس في الدفاع عن نجاحات الماضي إلى حد يفوتون معه فرصة حيوية لمساعدة المؤسسات العالمية على التطور بما يلائم عصراً جديداً.
مجال للتحسين
على رغم أن تخفيضات المساعدات في عام 2025 كانت نتيجة مباشرة لضغوط الموازنات وعدم الاستقرار العالمي، فإنها كانت أيضاً تتويجاً لسلسلة من المشكلات في بنية نظام التنمية الدولية الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. ومن بين هذه المشكلات الفشل في الانتقال من العمل الخيري إلى الاستثمار في القدرات المحلية، بما يمكّن التقدم من الاستمرار بعد نضوب التمويل الأولي.
أما برامج التنمية التي نجحت في تحقيق هذا الانتقال، فقد اختفت عموماً من النقاش في الدول المانحة. ومن الأمثلة على ذلك “مؤسسة البحوث الزراعية البرازيلية” Brazilian Agricultural Research Corporation، المعروفة باسم “إمبرابا”Embrapa. ففي سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت البرازيل تعاني جوعاً واسع النطاق وتضطر إلى استيراد معظم غذائها، ساعدت “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” في إنشاء هذه المؤسسة لتحسين إنتاج الغذاء. ومن خلال تطوير أصناف جديدة من المحاصيل وتكييف تقنيات التربة والأسمدة مع مناخ البرازيل، حولت “إمبرابا” منطقة استوائية كان يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها غير خصبة إلى واحدة من أكثر المناطق الزراعية إنتاجية في العالم. وكانت النتائج مذهلة إلى درجة أن البرازيل أصبحت في نهاية المطاف مصدراً رئيساً للغذاء. لكن لأن “إمبرابا” تديرها الحكومة البرازيلية، فإن دور واشنطن في هذه الثورة الزراعية نُسي إلى حد كبير.
كثير من البرامج الراسخة اليوم في نظام الصحة والتنمية العالميين أُنشئت استجابة لأزمات فورية، لكنها تحولت لاحقاً إلى مؤسسات دائمة. فـ”خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز” President’s Emergency Plan for AIDS Relief، المعروفة اختصاراً باسم PEPFAR، لم تكن، على سبيل المثال، مصممة لتكون دائمة، ولذلك سُميت “خطة طارئة”. ومع ذلك، استمر البرنامج أكثر من عقدين. ومن حيث هدفها الأساسي، حققت نجاحاً هائلاً، إذ ساعدت في إنقاذ أكثر من 26 مليون حياة. غير أن دولاً كثيرة باتت تعتمد الآن على هذه المساعدة لتشغيل برامجها الخاصة بفيروس نقص المناعة البشرية، ما يعني أن التقدم في مكافحة المرض يتقلب بتقلب أموال المساعدات.
وبات واضحاً أيضاً أن موارد الصحة والتنمية العالمية توزعت خلال العقد الماضي على عدد كبير جداً من الأهداف، لا ينسجم بعضها مع أولويات أفقر البلدان التي يُفترض أن تساعدها. ففي عام 2000، اعتمدت الأمم المتحدة “الأهداف الإنمائية للألفية”، التي ركزت على ثمانية أهداف و18 غاية مرتبطة بالفقر والصحة. أما المبادرة التي خلفتها، والتي وُضعت عام 2015 وعُرفت باسم “أهداف التنمية المستدامة”، فقد تضخمت لتشمل 17 هدفاً و169 غاية، تغطي كل شيء من القضاء على الجوع إلى حماية “الحياة تحت الماء”. ومن المرجح أن تفشل الغالبية العظمى من أهداف التنمية المستدامة في بلوغ موعدها النهائي عام 2030، جزئياً بسبب عدم كفاية الموارد المتاحة.
وتعاني مؤسسات التنمية أيضاً مشكلات في الكفاءة. وهذه مشكلة مألوفة في كل البيروقراطيات، ولا سيما تلك التي تدير تحديات دائمة التطور. فقبل حل “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية”، على سبيل المثال، كانت هناك أكثر من 20 جهة حكومية أميركية تشارك في تقديم المساعدات الخارجية، ما أدى أحياناً إلى تكرار البرامج والأنظمة. وكانت هذه مشكلة تستدعي إصلاح بعض الوكالات، لا إلغاءها.
الاستغناء المخطط له
إذا كان العالم يريد مواصلة إحراز تقدم في مكافحة المرض والفقر في عصر شح الموارد، فعلى قادة الصحة والتنمية العالمية تغيير نهجهم. ينبغي أن يركزوا على الاستثمار في القدرات المحلية، ووضع أهداف واضحة وقابلة للتحقيق، وضمان أن تكون المؤسسات على أعلى قدر ممكن من الكفاءة. وتشير النماذج الاقتصادية التي نستخدمها في “مؤسسة غيتس” إلى أن منظمات الصحة والتنمية العالمية تستطيع تحقيق تقدم كبير خلال العقدين المقبلين، لكن ذلك مشروط بتحديث استراتيجياتها.
من الضروري أن تسلّم مؤسسات التنمية العالمية بعض وظائفها إلى الدول المتلقية للمساعدات، فكثير منها يتطلع إلى قدر أكبر من الاستقلالية. وقد قال رئيس زامبيا هاكيندي هيشيليما، على سبيل المثال، إن تخفيضات المساعدات في الدول المانحة تمثل “تحدياً وفرصة للدول الأفريقية لبناء اقتصادات أقوى وأكثر استقلالية”. لكن الاعتماد على الذات يتطلب أكثر من الإرادة، فهو يحتاج إلى موارد. فعندما تفقد دولة ما التمويل ولا تستطيع تعويضه، تكون النتيجة مزيداً من الوفيات والمعاناة التي يمكن تجنبها. ومن دون نظام صحي ممول تمويلاً كافياً، يهرع والدان بطفلهما المريض إلى أقرب عيادة ليجداها مغلقة، أو مكتظة بطالبي الرعاية، أو، كما أفاد أحد شركاء “مؤسسة غيتس” في موزامبيق، تعاني نقصاً شديداً في الإمدادات إلى حد أن كل ما تستطيع تقديمه لأي مريض هو نوع واحد من المضادات الحيوية.
تمكنت غانا وجنوب أفريقيا وزامبيا من استخدام مواردها الخاصة لسد جزء من فجوة الإنفاق الصحي التي خلفتها تخفيضات المساعدات، لكن لم تتمكن أي دولة من تعويض النقص كاملاً. ولم تزد حكومات أخرى موازناتها الصحية على الإطلاق، إما لأنها لم تجعلها أولوية، أو لأنها لا تملك الموارد اللازمة نتيجة تزايد أعباء سداد الديون وتكرر الصدمات الاقتصادية. وبين عامي 2018 و2024، واجهت نحو 100 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل أعباء ديون متزايدة استنزفت قدرتها على الاستثمار في الصحة ورأس المال البشري والتنمية الطويلة الأمد. وخلص تحليل أجرته “باجيتي هَب” Bajeti Hub، وهي منظمة كينية غير ربحية، إلى أنه في كينيا، عندما ترتفع خدمة الدين بنسبة واحد في المئة، ينخفض الإنفاق الصحي بنسبة 1.2 في المئة. واليوم، يدفع الصراع في إيران التضخم إلى الارتفاع ويجدد الضغط على العملات في كثير من الدول المنخفضة الدخل، مما يستنزف إنفاقها على الخدمات العامة الأساسية.
السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو تحفيز نمو اقتصادي واسع يستطيع دعم قاعدة قوية للإيرادات المحلية. والخبر الجيد أن هذا النمو ممكن. فصندوق النقد الدولي يتوقع أن يكون النمو الإجمالي في أفريقيا هذا العام أسرع منه في آسيا. كما أن الابتكارات، ومنها الذكاء الاصطناعي، تملك القدرة على تعزيز الإنتاجية على نطاق واسع إذا أحسن القادة توظيفها لمصلحة شعوبهم.
ولننظر إلى الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي، الذي يدفع النمو الاقتصادي في مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء حيث يعمل معظم السكان في الزراعة. فقد نجحت “مؤسسة غيتس” وشركاؤها في تجربة أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي وبدء توسيع نطاقها، وهي أدوات تستطيع أن تزود المزارعين بمعلومات متقدمة عن استراتيجيات الزراعة وصحة التربة والتنبؤات الجوية، وأن تربطهم بخدمات الائتمان والأسواق لتحسين المبيعات، وكل ذلك باللغات المحلية. ويعمل البرنامج بالفعل في إثيوبيا والهند وكينيا. وخلال العقد المقبل، يمكن أن تساعد هذه الأدوات أكثر من 40 مليون مزارع صغير على زيادة دخلهم وإنتاجيتهم بنسبة 25 في المئة، بما يفضي إلى مكاسب اقتصادية قدرها 16 مليار دولار.
لكن للاستفادة من فرص النمو هذه، تحتاج الدول المنخفضة الدخل إلى موارد لبناء البنية التحتية المادية والرقمية التي تجعلها ممكنة. وسيتعين على صندوق النقد الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف والدول التي تقدم مساعدات مباشرة إلى دول أخرى حشد مجموعة شاملة من الأدوات لتخفيف أعباء الديون وفتح المجال أمام الاستثمارات التي تدفع النمو المستقبلي. وينبغي أن تشمل هذه الأدوات إعادة هيكلة الديون، ومقايضات الديون مقابل التنمية، وآليات تمويل تراعي درجة تحمل المستثمرين العامين والخاصين للأخطار وتوقعاتهم للعوائد، وتفتح باب التمويل الميسر على نطاق واسع، إضافة إلى استمرار تمويل المنح في المستقبل المنظور.
تحقيق المزيد بموارد أقل
ما دام تمويل المنح ضرورياً، فإن السؤال هو كيف يمكن إدارته في عالم تتقلص فيه أموال المساعدات، ويبلغ فيه حجم الاستثمار في البلدان الأدنى دخلاً مستوى متدنياً للغاية. وللتعامل مع الموارد المحدودة، سيتعين على المانحين تضييق نطاق أولوياتهم. فعلى مر السنين، باتت المساعدات الإنمائية الرسمية تشمل قائمة واسعة جداً من الأولويات، تتنوع بين تكاليف استضافة اللاجئين في الدول المرتفعة الدخل والاستثمارات في البنية التحتية في الدول المتوسطة الدخل، وهي مجالات أنسب لتمويلها عبر مؤسسات التمويل الإنمائي.
من الضروري اليوم توجيه أموال المنح المحدودة إلى المجالات الإنمائية الأساسية، وفي مقدمها خفض الفقر ودعم الصحة والتعليم. فالاستثمار في هذه القطاعات يعزز قدرة الدول مستقبلاً على النمو وتوفير الفرص، ويساعدها مع الوقت على تقليل اعتمادها على المساعدات الخارجية، وتمويل حاجاتها من مواردها المحلية، وجذب مزيد من الاستثمارات الخاصة.
وبطبيعة الحال، ينبغي أن يستمر المانحون في تقديم منح طارئة في أوقات النزاعات والكوارث الطبيعية. لكن دعم الصحة والتعليم وخفض الفقر يظل ضرورياً لبناء رأس المال البشري على المدى الطويل، ولا يمكن عادةً تعويضه بتمويل تجاري يبحث عن عائد سريع.
تحتاج الاستثمارات في رأس المال البشري إلى وقت قبل أن تؤتي ثمارها، ولذلك يجب على المانحين وضع توقعات واقعية. فمعظم الدول النامية ستحتاج إلى عقد إضافي على الأقل من المنح لتلبية الحاجات الإنسانية الأساسية في الصحة والتعليم، بينما تحفز النمو اللازم لتحقيق الاكتفاء الذاتي. وينبغي أن يكون الهدف أن تتمكن الغالبية العظمى من أفقر دول العالم، خلال 20 عاماً، من توليد ما يكفي من الازدهار لتجاوز الاعتماد على مساعدات الصحة والتنمية تماماً. لكن تحقيق هذه الرؤية يتطلب استثماراً مركزاً الآن. فبعض البرامج، مثل الاتفاقات الصحية الثنائية التي أبرمتها وزارة الخارجية الأميركية مع دول أفريقية، تركز على القضايا الصحيحة، لكنها تسحب التمويل بوتيرة لا تستطيع معظم الدول الشريكة تعويضها واقعياً، في ظل الضغوط الاقتصادية الشديدة التي تواجهها. ومن المقرر، على سبيل المثال، أن تنهي هذه الاتفاقات المساعدات خلال خمس سنوات.
مصممة كي تصبح غير ضرورية
تحتاج مؤسسات الصحة العالمية أيضاً إلى أن تصبح أكثر كفاءة، وأن تنقل السلطة تدريجاً إلى البرامج الصحية الوطنية. وليس السبب في ذلك أن المؤسسات العالمية غير فعالة، بل لأنها نجحت، في المجمل، إلى درجة أنها غيّرت البيئة التي تعمل فيها.
في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، كانت الأمراض المعدية متفشية في الدول المنخفضة الدخل، وتسلب أجيالاً كاملة مستقبلها. وخلال تلك الفترة، أُنشئ كل من “غافي” GAVI و”الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا”، وقد أسهما معاً في إنقاذ عدد مذهل بلغ 85 مليون حياة. وبالاشتراك مع “منظمة الصحة العالمية” ووكالات أممية مختلفة، ساعدت هذه المؤسسات في تغيير مسار المعركة ضد بعض أكثر الأمراض المعدية فتكاً في العالم. ويمكن للحكومة الأميركية، التي كانت تاريخياً أكبر ممول منفرد لهذه البرامج بفارق كبير، وللمانحين الآخرين، أن ينسبوا إلى أنفسهم قدراً كبيراً من الفضل في الإسهام في أحد أعظم نجاحات هذا القرن.
أما اليوم، فينبغي أن تتمحور المعركة ضد المرض حول جهود طويلة الأمد لتعزيز النظم الصحية، وتوسيع الوصول إلى الرعاية الأولية، وإنشاء قنوات تتيح للدول الحصول على المنتجات الصحية والابتكارات المنقذة للحياة بصورة مستدامة وميسورة الكلفة. ولا يعقل أن تقود فرق أجنبية هذا العمل. فالمسؤولون الصحيون المحليون يهدرون وقتاً في التنقل عبر شبكة معقدة من المؤسسات الدولية، وغالباً ما يملؤون عشرات طلبات المنح للحصول على تمويل لأي مبادرة صحية معينة. وفي عالم مثالي، تدعم مؤسسات الصحة العالمية الحكومات عبر إجراءات مبسطة، على أن تنقل في نهاية المطاف ملكية البرامج الصحية ومسؤولية تمويلها إلى الدول المتلقية للمساعدات.
ستبقى هناك مهمات كثيرة تكون المؤسسات العالمية أقدر على أدائها. وتشمل هذه المهمات بناء أدوات جمع البيانات ووضع القواعد والمعايير، وهي مجالات تستفيد من النهج الموحد الذي تستطيع المؤسسات الكبيرة توفيره، وشراء الإمدادات الطبية، إذ يسهم الشراء بكميات كبيرة في خفض الكلفة، ودعم البحث والتطوير والاستعداد للجوائح، وهي مجالات يتطلب النجاح فيها تنسيقاً دولياً. أما في الشؤون الصحية اليومية، فالهيئات المحلية في موقع أفضل لقيادة العمل.
خلال العام الماضي، سرّعت “مؤسسة غيتس” التحولات في عملها لمواكبة هذه الأولويات. ولأننا نسعى إلى حل المشكلات لا إدارتها إلى الأبد، فقد منح بيل غيتس، رئيس “مؤسسة غيتس”، ومجلس إدارتنا، مؤسستنا موعد نهاية جديداً: سننفق صندوقنا الوقفي ومعظم موارد غيتس الشخصية بحلول عام 2045. وخلال أعوامها الـ25 الأولى، أنفقت المؤسسة نحو 100 مليار دولار، مع مدفوعات سنوية تقارب ما يقدمه مانحون مثل كوريا الجنوبية وإسبانيا والسويد. وخلال العقدين المقبلين، سنوزع نحو 200 مليار دولار على شكل منح. وستوجَّه هذه الموارد إلى تحقيق ثلاثة أهداف: المساعدة في إنهاء الوفيات التي يمكن تفاديها بين الأمهات والأطفال، وضمان أن يكبر الجيل المقبل من دون أن يضطر إلى المعاناة من أمراض معدية قاتلة، وانتشال ملايين آخرين من الفقر.
حظي الناس اليوم بامتياز العيش خلال واحدة من أعظم فترات التحسن في أحوال البشر في التاريخ. وستكون الاضطرابات التي شهدها نظاما الصحة والتنمية العالميان العام الماضي إما علامة على نهاية هذا التقدم، أو محفزاً لإصلاح المؤسسات العالمية بما يلائم عصراً جديداً. والهدف هو أن تنخفض مستويات المساعدات في نهاية المطاف، لا لأن القادة اختاروا تجاهل مشكلات خطيرة، بل لأنهم نجحوا فعلاً في حلها.
قد يبدو هذا طموحاً، لكن التاريخ يبيّن أن الاستثمارات الذكية والموجهة بدقة يمكن أن تساعد الدول على الفطام من الاعتماد على المساعدات. فـ11 من أكبر 15 شريكاً تجارياً للولايات المتحدة اليوم كانوا في السابق من متلقي المساعدات الأميركية. وإذا استثمرت الحكومات والمانحون من القطاع الخاص الآن في دعم الدول على طريق الاعتماد على الذات، فسيصبح العالم مكاناً أكثر أمناً وازدهاراً، وقد تتحول المساعدات نفسها إلى أثر من الماضي.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 1 يونيو (حزيران) 2026.
