
تواجه بريطانيا صيفاً اتسم بموجات الحر وحرائق الغابات (أ ف ب/غيتي)
ملخص
على رغم موجات الحر وحرائق الغابات التي أعادت أزمة المناخ إلى الواجهة، فشل حزب الخضر البريطاني في تحويل الزخم البيئي إلى مكاسب سياسية. ويرى كاتب المقال أن زعيمه زاك بولانسكي همّش القضية المناخية لمصلحة أجندات أخرى، مما أفقد الحزب هويته وسمح لحزب العمال باستعادة ناخبيه.
أحياناً يكون الغائب هو الأكثر لفتاً للانتباه. وهذا ما ينطبق على حزب الخضر البريطاني في خضم موجة الحر التي تضرب البلاد. بريطانيا تحترق، فيما يبدو الحزب الذي يفترض أن يتصدر الحديث عن أزمة المناخ غائباً عن المشهد.
منطقياً، كان الظهور الصارخ للأدلة الملموسة على أزمة المناخ يفترض أن يشعل – وأعتذر عن هذا الاستخدام المؤسف للكلمة – حريقاً سياسياً أخضر عارماً يلتهم الأحزاب السائدة التي يلفها الاطمئنان إلى الذات، ورعاتها ومانحيها من قطاع الوقود الأحفوري. شيء من هذا القبيل، على أي حال.
لقد وصل صيف قياسي إلى عتبات منازلنا وحدائقنا الذابلة والمساحات المفتوحة التي أنهكها الجفاف، ونعم، نحن نتحدث عن ذلك بالفعل. لقد اخترق هذا الأمر جدار اللامبالاة. وبدأ علماء المناخ يجدون آذاناً صاغية. وعاد هدف “صافي الانبعاثات الصفري” إلى صدارة جدول الأعمال. حتى بعض الأصوات على اليمين بدأت تتساءل عن جدوى إنكارهم الانتهازي للواقع المناخي. وآخرون يتساءلون عما إذا كان إد ميليباند محقاً منذ البداية. نعم، لقد كان كذلك بالفعل. ومع ذلك، فإن هذا الاهتمام المتجدد لم يترجم إلى أي مكسب سياسي لحزب الخضر. إنها حال محيرة.
حاول [رئيس حزب الخضر] زاك بولانسكي أخيراً معالجة هذا الخلل. فقد نظم مؤتمراً صحافياً بمشاركة كريس باكهام لتنبيهنا إلى حجم الأزمة، وكأننا بحاجة إلى تذكير، ولوضع آندي بيرنهام “أمام الواقع”.
وقال باكهام إن نحو 3 آلاف وفاة وقعت خلال أسبوع واحد فقط في يونيو (حزيران) الماضي بسبب موجات الحر، وهو تقدير معقول تماماً. فالرقم يعادل تقريباً ضعف ما سُجل خلال الفترة نفسها من عام 2025. كل ذلك صحيح. لكنني أتساءل عما إذا كان زاك العزيز نفسه، الذي واجه أخيراً مشكلات لا علاقة لها بالمناخ، يحتاج أيضاً إلى جرعة من الواقع.
خطابه مؤثر ومشحون، ويذكرنا بالطريقة التي قد تقدم بها أفلام هوليوود إحدى نشرات الطقس المفعمة بالتفاؤل لسارة كيث-لوكاس: “أشجار تحولت إلى فحم. سيارات تحولت إلى حطام محترق. ورائحة الدخان لا تزال عالقة في الهواء، في موقع ما كان ذات يوم مشروعاً محلياً مزدهراً، لكنه تحول الآن إلى رماد. حرائق غابات. أرض محروقة بالمعنى الحرفي للكلمة. وإحساس مهيمن بأن هذه ليست سوى البداية”.
نعم، الوضع كذلك بالفعل، وإن كانت مناطق شرق إنجلترا ستشهد بعض زخات المطر بحلول نهاية الأسبوع.
ويراودني شعور مقلق بأن زاك، على رغم تحذيراته المحقة في شأن مستقبل الحياة على الأرض، مذنب هو الآخر في كل هذا. فمنذ أن أصبح زعيماً، لم يقل شيئاً يُذكر عن المناخ، وقد حلت “العدالة الاجتماعية” منذ زمن محل “العدالة المناخية” في أولوياته وأولويات حزبه.
كم نفتقد تركيز كارولين لوكاس، التي لم تتوقف قط عن الحديث بإلحاح عن تغير المناخ والطبيعة، وكانت صريحة بما يكفي لتقول لنا إن علينا أن نستهلك أقل وأن نقضي عطلات أقل في الخارج. أما الآن، فأصبح لدينا رجل يتقمص دور لينين السياسة البريطانية الحديثة، ويحول حزبه إلى ائتلاف “أحمر-أخضر”، ويجتذب أنصار كوربين المحبطين من حزب العمال، ويقدم الحزب عموماً باعتباره مركبة شاملة للتصويت الاحتجاجي على حكومة فاشلة.
هناك مشكلتان في هذا الأمر. الأولى والأكبر اسمها آندي بيرنهام. فعلى رغم أن حزب الخضر كان يتراجع قبل أن يحل بيرنهام محل كير ستارمر، فإن “زخم بيرنهام” في استطلاعات الرأي، إن صح وصفه بذلك، يعود في معظمه إلى عودة الناخبين من حزب الخضر إلى حزب العمال. وقد رأينا ذلك أيضاً في الانتخابات الفرعية الأخيرة. وفي الوقت الراهن، تمثل انتخابات غورتون ودينتون الفرعية والانتخابات المحلية التي جرت في وقت سابق من هذا العام ذروة أداء حزب الخضر من الناحية الانتخابية.
والمفارقة، بطبيعة الحال، أن بيرنهام ليس في الواقع صديقاً للبيئة بالقدر الذي كان عليه ستارمر. فقد ألمح إلى التنقيب عن مزيد من النفط والغاز في بحر الشمال. كما قالت لويز هاي، التي تبدو بحكم الأمر الواقع نائبة لرئيس الحكومة، بوضوح إن خلق الوظائف سيكون الهدف المهيمن على سياسة المشتريات العامة، وإن تقييمات الأثر البيئي وما شابهها ستتراجع أهميتها. وكذلك ستنال قوانين التخطيط المعاملة نفسها. لكن الناخبين الذين “عادوا إلى ديارهم في حزب العمال” بعد رحلتهم مع زاك لا يبدو أنهم يمانعون في ذلك. فهم لم يتحولوا أصلاً إلى أنصار للقضية البيئية لأن زاك لم يجعلها محور خطابه، بل قد يظن المرء أحياناً أنه ليس مؤمناً بها بالدرجة نفسها.
المشكلة الثانية، إذاً، هي بولانسكي نفسه، الذي سعى بوضوح إلى تحويل حزب الخضر إلى نسخة ثانية من حزب العمال اليساري، وملاذ لأنصار كوربين والمعارضين لستارمر.
لكنه اكتشف أن هذا النموذج الانتخابي غير قابل للاستمرار، وليس فقط لأن بيرنهام ظهر على الساحة. فحزب الخضر بقيادة بولانسكي يواجه منافسة من سياسيين مستقلين في أوساط الجاليات المسلمة، قد يتعاونون مع حزب الخضر، ومع حزب “يور بارتي” (حزبكم) الذي أسسه كوربين، بحسب ما تقتضيه مصالحهم الخاصة.
في عهد بولانسكي، أهمل حزب الخضر ميزته الوحيدة والفريدة، أي البيئة، وهو يدفع الآن ثمن ذلك. وبالطبع، كان على بولانسكي أيضاً أن يتعامل مع فضائحه الصغيرة الخاصة، من ضريبة المجلس المحلي، إلى التغريدات الطائشة واللغة المنفلتة. ولم يحسن إدارة هذه الملفات، حتى وإن جرى تضخيم بعضها واستخدامه ضده سياسياً. وكما حدث مع حزب “ريفورم”، لم يصمد حزب الخضر جيداً أمام التدقيق. والعزاء الوحيد أن أعضاء المجالس المحلية المنتمين إلى الخضر لا يتصرفون بالسوء نفسه الذي يتصرف به بعض أعضاء المجالس المحليين التابعين لحزب “ريفورم”، وإن لم يخل الحزب بدوره من شخصيات غريبة الأطوار أو أصحاب مواقف معادية للسامية.
وهكذا يفوّت حزب الخضر الفرصة لأنه لم يعد يُنظر إليه باعتباره حزباً أخضر، ولا بد من الاعتراف بأن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب قدراً من العبقرية الملتوية. ولست أدعو إلى التخلص من بولانسكي، لأنه باستثناء إعادة كارولين لوكاس، التي أدت دورها بالفعل، لا يملك الحزب شخصية تتمتع بما يكفي من الكاريزما لإنقاذه من مأزقه.
ومع ذلك، أميل إلى الاعتقاد بأن كريس باكهام قد يكون الاستثناء. فهو يتمتع بذلك الحضور الودود المحب للحيوانات الذي يحظى عادة بتقدير واسع لدى الجمهور. ومن الصعب تخيل “رجل الطبيعة” على شاشات التلفزيون وهو يحاول قطع رأس نايجل فاراج، أليس كذلك؟