كه يلان محمد.. جريدة المدى
قد يحكمُ على جدوى الأفكار وموقعها الفاعل في الحراك الحياتي من خلال منسوب الاهتمام الذي تحظى به أو المساحة الجغرافية التي تتحركُ فيها، بالطبع لايمكن الثقة بهذه الآلية في تحديد مفاعيل الفكر مُطلقاً كما لايصحُ رفض بياناتها متسرعاً.وهذا الأمر يكون بمستوى أعمق من الحساسية إذا تم الاحتكامُ إليه لقراءة المعطى الفلسفي في اللحظة الراهنة لأنَّ هذا النشاط المعرفي بخلاف جميع الأنشطة الإنسانية لاتعتمدُ مثاباته على الجموع لأنَّ الكثرة كما يقولُ كيركغارد زيفُ.
وهذا ليس تأكيداً لنخبوية الخطاب الفلسفي بقدر ما هودعوة لرؤية أبعد مايكشفهُ ظاهرُ الأمور والتفاعلات الارتجالية.كما أنَّ الفلسفة شأنَّ غيرها من الفعاليات البشرية ليست معافاة من السؤال عن صلاحية ميكانيزماتها.وقد تستمدُ من هذه المرونةَ زخماً لصياغة المفاهيم الكاشفة.
الوجود الأصيل
لاشكَ إنَّ الدورات التي تشهدها الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية مُحملةُ بالتحديات والأزمات التي ترخي بشبحها على واقع الإنسان والوثوقيات الواعدة بالحلول والخلاص لذلك لاضير من أن يكونَ السؤال قائما عن موقع الفلسفة في العالم اليوم وتنكبُ المساعي على معاينة الإمكانيات التي يوفرها العقل الفلسفي لفهم نبض العصر،وإشكالياته.وذلك يكون بالتزامن مع استعادة شكل الممارسة الفلسفية وأثرها كما تجسَّد في حياةُ عددُ من الأسماء التي كان لهم دور فاعل في تثوير النظام الفلسفي.
ومن المناسب العودة إلى نيتشه الذي كان ينصحُ الإنسانَ بأنْ يعيشَ على حافة البركان ومايفيدهُ المضمرُ في كلامه بأنَّ قيمة الحياة لاتُدركُ إلا بنقيضها أي العدم الذي ترمزُ إليه مفردة “البركان” وعلى غرارِ مواطنه يرى هيدغر بأنَّ معنى الوجود الأصلي يتجاورُ مع الموت وذلك يتبينُ في إجابته على أحد طلابه عندما يسأله عن الطريقة التي تمكنه من استرداد وجوده الأصلي فقال صاحب مؤلف ” الزمان والكينونة” (ليس علينا إلا قضاء زمن أطول في المقابر)
إذاً لايكونُ الشعورُ بالوجود والكينونةِ حقيقياً إذا غابَ التأملُ عن الجزء المُكمل للمعادلة.بخلاف النظرة الزهدية التي تدعو إلى التقشف والاستسلام للمجهول.فإنَّ ماتريدُ الفلسفة تحقيقه من خلال رؤية المقلب الآخرهو الأصالة الوجودية.لذلك فإنَّ رفض سقراط لخيار الهروب وتجرعه للسُّمِ لايعبرُ عن اليأس من الحياة وليس احتجاجاً على سلاطة لسان زوجته”زانثيب” بل قراره انتصارُ لجودة المبادىء وإحباطُ لمفاعيل الخوف الذي يفرضُ عليه نسخةً زائفةً للحياة لواختار سيناريو التنحى عن أفكاره،.لكن ربَّ من يُذًكِر بأرسطو الذي لم يقتدِ بسلفه بل هربَ من الموت.مُتسائلاً إذا ما عُدَّ قرار سقراط فضيلة فأينَ تضعُ التفاف المعلم الأول على المواجهة؟!هل هو اللافضيلة؟ أوكان أرسطو محقاً في قوله بأنَّ الفلسفة لاتتطلبُ مزيداً من الضحايا بعدما ذهب برأس أحكم إنسانٍ في أثينا؟ في الواقع أنَّ ماقام به تلميذُ أفلاطون ليس إلا مناورةً مع الموت المجاني الذي كان يقطع الطريق على مشروعه المعرفي.إذاً فإنَّ منطقه في الذهاب نحو مصير مُختلف كان متوازناً.
ماذا لو عبرنا العصوروناقشنا كلامَ بتراند راسل الذي أعلن بكل الوضوح بأنَّه لايموتُ دون أفكار ليسَ متأكداً من أنَّه لاتنسخها أفكار حديثة، وبالتالي لايعقل أن يتمسك بها إذا ما أمهله العمرُ وعاش وقتاً أطولَ؟! لاشكَّ إنَّ راسل كان عالما رياضياً قبل أن يكون فيلسوفاً لذلك فمن الطبيعي أنْ لايلغي نظرية الاحتمال على مرمى تفكيره غير أنَّه لم ينسحب إلى منطقة الأمان تماماً بل إنَّ رفضه للحرب كلفه أثماناً.
وهو في طليعة الشخصيات العالمية التي أنشأوا جبهة ضد حرب أمريكا على فيتنام.وشارك راسل مع جان بول سارتر في إعلان محكمة على منوال ما أقيم في “نورمبرغ” لمحاكمة النازيين.وكان الهدف من المحكمة الجديدة هو كشف الغطاء عن المجزرة التي ارتكبها الجيش الأمريكي في “مان لاي”.إذاً كان راسل لم يتخذ مسافة الأمان من فوهة البركان لم يكتفِ بالدعوة إلى السلام تنظيراً.
ثمن التنوير
وفي الواقع أنَّ جلَّ الفلاسفة الذين دشنوا عصرَ التنوير المُناقض للنموذج اللاهوتي قد عانوا الاضطهاد والمُطاردة وتمت تصفية كثير منهم جسدياً.ولعلَّ من أشهرهم هو الإيطالي جوردانو برينو الذي أقيمت له المحرقة.كما أصبح الفليسلوف الهولندي سبينوزا منبوذاً من طائفته.بعد ما صُدر بحقه قرار الحرمان.ولم يعدْ مرحباً به داخل محيطه العائلي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد إنما طعنه أحدُ المتطرفين ولولا معطف باروخ لأودت به الطعنة. والأمر نفسه تكرر مع سلفه رينيه ديكارت فكان ينشرُ آراءه دون أن يوقعه باسمه.وانتهي به المطاف أن يُقتل مسموماً حسب بعض المرويات المذكورة.علماً إنَّ مؤلف “مقالُ في المنهج” كان من أنصار مبدأ التقية أي أنَّ الفيلسوف يجبُ أن يحضرَ على مسرح التاريخ مُقَنًّعاً على حدِّ تعبيره.لكن حتى ذلك لم يكفِه شرَّ المتزمتين.ولم يعِشْ كلاً من فولتير وجان جاك رسو تجربةً أحسن مما ذاقه سائر رجال الفكر الملاحقين من قبل محاكم التفتيش.
هذا السيناريو الذي بدأ بسقراط مروراً بهيباتيا وابن رشد وليس انتهاءً بغاليلو الذي تظاهر بالرجوع عن فتوحاته الفلكية. كان وارداً ومتوقعاً بالنسبة إلى المنشقين عن الخط الرسمي في التفكير والمُتمردين على النظام أوالنموذج السائد.كان للفيلسوف الألماني كارل ماركس نصيب أوفر من المطاردة في القرن التاسع عشر وفي الحقيقة أنَّ ذلك لايثيرُ الاستغراب،لأنَّ ماركس منذ بداياته قدمَ مستنداته من خلال المقالات التي كان ينشرها في جريدة “الرينانية”وهو لم يقيِّد نفسه بالعمل الأكاديمي بين أسوار الجامعة إنما اتخذَ من الصحافة منبراً لمقارعة المظاهر الرجعية في بروسيا.يشير جلال الشايب في كتابه ” رجالُ عاشوا ألف عام” أنَّ صاحب “رأس مال” كان يؤكدُ بأن الصحافة ينبغي أن تكون بمنزلة مرآة روحية للشعوب.وما إن يرفضُ ماركس صيغة الاعتدال لنهج الجريدة حتى تُغْلقَ الرينانية وبهذا وجدَ ماركس نفسه أمام طريق مسدودٍ في بلده وبدأ رحلته الأوديسية بداية من فرنسا حيث استمر في نشاطه الفكري والنضالي ويؤسسُ لاحقاً في بروكسل “لجنة المراسلة الشيوعية” قبل أن يستقر به المقام في لندن ويموت هناك.
عُرف ماركس نتيجة معارضته الشديدة للطبقة الحاكمة وانخراطه في الحراكات الثورية ب”الدكتور الإرهابي الأحمر” أما مواطنه نيتشه على الرغم من احتمائه بالعزلة فإن ما أنشده من التوافق بين حياته وفلسفته التقويضية كلفه عناء وجنوناً،وإنَّ القرن العشرين على الرغم من دمويته كان حافلاً بالحراكات الفكرية وبرزت أسماء فلسفية شحنت الأجواء بصرختها الرافضة لحملات هادفة إلى التبلد الذهني تحت يافطة العناوين الآيدولوجية.هذا إضافة إلى السجالات التي فعَّلت إمكانية الرؤية لمدى أبعد من مشروطيات الواقع.ما أُشيرَ إليه آنفاً ليس حنيناً ارتدادياً إلى زمن جميل قد مضى، لأنَّ ذلك النفس النستولوجي قد يلبي الأهواء الأدبية لكن لايتفق مع المزاج الفلسفي.
إنَّما الغرض من هذه العودة ليستْ إلا الإبانة عن الأرضية المحدودة التي تتحرك عليها الفلسفة في الوقت الراهن والتبصر بالعوامل التي أدت إلى انكماشها.هل يكون السبب هو طبيعة العصر المُتشبع بالتخصص؟ أو أنَّ خطاب العقل لم يعد هو الغالب على حد تعبير الباحث الجزائري “محمد شوقي الزين” مؤكداً بأنَّ خطاب الإحساس والرؤية والذوق صار حجة بحد ذاته لذلك تجدُ الفلسفة في اللعبة والرواية والموسيقى وسيلة للتفكير ومادة للتأمل ودعامات لنشاطها.
ومن جانبه يرى المفكر السوري هاشم صالح بأنَّ الفلسفة لم تعدْ تأملاً تجريدياً بل هي إذا أرادت أن لاتخسر موقعها في العالم اليوم أن تكون تفكيراً محسوساً وملموساً بمشاكل جزئية في الواقع. مايقوله فؤاد زكريا في كتابه ” التفكير العلمي ” عن تركيبة البناء الفلسفي يقدمُ إضاءةً لفهم محدودية دور الفلسفة فبرأي مؤلف “خطاب إلى العقل العربي” أن البناء الفلسفي لايرتفعُ عمودياً بل يمتدُ أفقياً وأنَّ سكانَ هذا البناء لايتركون طوابقه القديمة مهما ظهرت له طوابق جديدة.بينما لايمكثُ العلماء في مكان واحد وهم بصدد تشييد سلم لاكتشاف أماكن مجهولة أكثر من ذلك فإنَّ المبدأ الأهم في المنهج العلمي ليس الوقوف عند النظريات التي نجحت في الامتحان المختبري وتم التأكد من صحتها بل “لانهائي في الاحتمال” هو مايزيدُ العلمَ حيوية ويجعله أفقاً مفتوحاً.
لاينكرُ بأنَّ العلم نشأ في الحاضنة الفلسفية واعتدلَت مشيته في بيتها لكن انفصل عنها وأصبح رائداً للاكتشاف لذلك ذاعت عبارة رشيقة “لولا نيوتن لما كان كانط” ويصرحُ بول ريكور بأنَّ الفلسفة عندما تنقطعُ عن ساحة العلوم الراسخة تستغرقُ في حوار داخلي مع نفسها مشيراً إلى أن كل الفلسفات الكبرى في تاريخ نشأت على أساس الحوار مع العلم الراسخ والسائد في وقتها. إلى الآن يدور الكلامُ عن الأسباب الخارجية لانسحاب دور الفلسفة بدءاً من روح العالم المُعاصر وتفريغه للخطاب العقلي من فاعليته المعهودة مروراً بعدم المواكبة للتفوق العلمي الذي يبشرُ بمرحلة مابعد الإنسانية وصولاً إلى أنَّ التفلسف لم يعدْ معادلاً للمخاطرة ولا مُقايضة بمنطقة الراحة.
ربما قدحان الوقت لتحديد العوامل الكامنة في الكيان الفلسفي وهي قد لعبت دوراً في ضموره قد يكون أبرزها هو الإعلان عن نهايات ومن المعلوم أن نيتشه يعدُ مدشناً لهذه المسيرة عندما أعلنَ نهاية المتعالي ومن ثُمَّ اقتفى به الآخرون.هايدغر قد أشهر موت الفلسفة كما أن مشيل فوكو قد ختم كتابه العلامة «الكلمات والأشياء» بعبارة موت الإنسان.ولسان حال المتابع يسألُ أين ملعب الفلسفة؟! إذا لم يكن هناك مقدسُ تخاصمه ولا معرفة تصححُ أخطاءها؟ ولا إنسانُ تجادله؟! ومن أين يستمدُ الفلاسفة فرضياتهم في زمن مابعد الواقع؟ ومن البداهات التي لاتستدعي التذكير بها أنَّ مواجهة الطبيعة من وظيفة العلوم الدقيقة.وإذا أردت الفلسفة أن تتدخل في هذا الحقل ربما تنقلبُ إلى نوع من التميمة والتدجيل.