بغداد/ تميم الحسن…جريدة المدى
تلقت قيادات في الفصائل تحذيرات أمنية “حمراء” – وهي درجة الخطر الأعلى – حملت مؤشرات على دخول واشنطن مرحلة «الاصطياد المنفرد»، مستلهمة نموذج ملاحقة واعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو مطلع 2026.
وجاء الاستنفار غير المعلن عقب إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي اعتقال محمد باقر داوود السعدي، المتهم بتدبير نحو 20 هجوماً في أوروبا، إضافة إلى توجيه تهديدات علنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتشير كواليس القضية إلى عملية استدراج استخبارية معقدة جرت عبر الأراضي التركية، قبل نقل السعدي إلى الولايات المتحدة، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً داخل أوساط ما يُعرف بـ«محور المقاومة».
وقوبلت الحادثة بصمت رسمي لافت من الحكومة العراقية الجديدة، التي لم تصدر أي تعليق حتى الآن، فيما فضلت الفصائل المسلحة خفض مستوى الظهور والتواصل، عبر تقنين الاتصالات، والابتعاد عن الهواتف الذكية، وتقليص التعاملات المصرفية، خشية الوقوع تحت المراقبة أو التعقب.
وبعد هدنة قصيرة التقطت خلالها قيادات ما يُعرف بـ«محور المقاومة» أنفاسها عقب حرب الأربعين يوماً، عادت التحذيرات الأمنية إلى الواجهة، لكن هذه المرة بصيغة مختلفة وأكثر تعقيداً، بحسب ما كشفته مصادر خاصة لـ«المدى».
وكان سياسي شيعي قد توقع، في حديث سابق لـ«المدى» خلال نيسان الماضي، تزامناً مع تصاعد الحديث عن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، أن تنتقل الولايات المتحدة إلى ما سماه «حملات الاصطياد المنفردة» ضد شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة، بدلاً من المواجهات المفتوحة أو الضربات التقليدية.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت جماعات مسلحة في العراق باتخاذ إجراءات احترازية غير مسبوقة، شملت تقليل استخدام الهواتف الذكية، وتجنب التعامل المباشر مع المصارف والمؤسسات المالية، وحتى تشديد الرقابة على الاتصالات العائلية والشخصية، خشية الاختراق أو التتبع.
وتعتقد أوساط مقربة من الفصائل أن محمد باقر السعدي، الذي يُعتقد بارتباطه بـ«كتائب حزب الله»، تعرض إلى عملية استدراج عبر قنوات اتصال ومتابعة إلكترونية، قبل أن يُستدرج إلى تركيا، حيث جرى توقيفه ونقله لاحقاً إلى الولايات المتحدة.
وأثار ظهور السعدي معتقلاً في أميركا حالة إنذار قصوى داخل تلك الجماعات، خصوصاً مع تزايد المؤشرات الأميركية إلى احتمال عودة المواجهة مع إيران، لكن عبر استراتيجية مختلفة تقوم على «قطع الأذرع الإقليمية» لطهران بشكل أكثر قسوة، قبل أي عودة محتملة إلى التهدئة أو استئناف المفاوضات.
“نشوة الولادة”.. ومذبح التدويل
وفي قراءة لأبعاد هذا التطور، اعتبر السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي، في تصريحات خاصة لـ(المدى)، أن اعتقال مواطن عراقي يحمل الجنسية العراقية، فضلاً عن حيازته جواز سفر “خدمة” – المخصص عادة لتسهيل حركة الوجوه البارزة في الدولة – بتهم تتعلق بالإرهاب الدولي، يمثّل تحذيراً أمنياً وسياسياً كان الأجدر أن تُعلن على إثره حالة الاستنفار والإنذار القصوى في سائر مؤسسات بغداد، من رئاسة الحكومة إلى الوزارات والأجهزة الدبلوماسية والأمنية.
ويقول الآلوسي إنه في حال ثبوت هذه الاتهامات الثقيلة، فإن الدولة العراقية ستجد نفسها في مواجهة “مسلسل” طويل من الإدانات التي لن توفر رأس النظام السياسي أو أجهزته الأمنية، عبر دمغها رسمياً بمحاباة طهران.
وأمام هذا المشهد المأزوم، يرى الآلوسي أن الحكومة العراقية التي ما زالت تعيش أجواء “النشوة” بعبور مخاض التشكيل الوزاري، مطالبة اليوم بالخروج من الصمت. ويتوجب عليها – بحكم علاقات الشراكة مع واشنطن – أن تطالب فوراً بإشراك وفد رفيع يضم ممثلين عن الادعاء العام، والخارجية، والأجهزة الاستخبارية (الأمن الوطني والمخابرات)، على أقل تقدير لحضور جلسات التحقيق مع المواطن المعتقل.
هذا التحرك الرسمي، بحسب الآلوسي، يمنح بغداد فرصة استباقية لمعرفة ما إذا كانت شبكة الاتهامات تمتلك ركائز وخيوطاً ممتدة داخل الجسد العراقي، لتبيان هوية أي متورطين محتملين آخرين في كواليس الحكومة أو في أروقة المؤسسات الرسمية.
وعلى الجانب الآخر من الرواية، كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) عن تهم تتعلق بشبكة السعدي في هندسة وتنسيق 18 هجوماً منذ أوائل آذار الماضي تحت لافتة جماعة “أصحاب اليمين” الإسلامية الموالية لطهران، والتي تبنت عمليات استهدفت مدارس ومعابد يهودية وجمعيات خيرية في القارة الأوروبية.
وتستند سلطات الادعاء في نيويورك إلى ملفات رقمية تفيد بأن المتهم نشر عبر حساب على تطبيق “تيليغرام” شعار الجماعة مصحوباً بالدعوة إلى “الجهاد”، بالتزامن مع إطلاقه تهديدات علنية طالت الرئيس دونالد ترامب وأفراد عائلته. ويواجه السعدي تهم ارتكاب ست جرائم إرهابية ثقيلة أمام المحكمة الاتحادية في نيويورك، يقع في صلبها التآمر لتقديم الدعم المادي للفصائل المصنفة أميركياً على لوائح الإرهاب.
استدراج في تركيا: إدانة لمنظومة هشة
البعد الآخر الذي يضعه السياسي مثال الآلوسي في دائرة الضوء، يتعلق بدلالات استدراج السعدي واعتقاله فوق الأراضي التركية، ويتساءل: طالما أن هناك “شراكة استراتيجية” معلنة بين بغداد وواشنطن، فلماذا لم تستعن الدولة الأميركية بتلك الاتفاقيات والأجهزة العراقية لتنفيذ الاعتقال أو الاستجواب على أرض العراق؟
إن إتمام العملية داخل تركيا – بحسب الآلوسي – ليس مجرد تفصيل أمني، بل هو “اتهام كبير وإدانة صريحة للأنظمة الأمنية العراقية الهشة”، اتهام بالتواطؤ والتستر على الفصائل، أو في حده الأدنى، بالعجز الفاضح عن مواجهتها ولجم نفوذها.
كما يتساءل الآلوسي: كيف تمكنت الإدارة الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من حيازة هذا الكم الهائل من المعلومات الاستخبارية الدقيقة، ما لم تكن هناك شبكات أميركية وغربية واسعة الأطراف، تغلغلت في المفاصل العراقية؟
الآلوسي يعيد التأكيد، بنبرة تحذيرية حاسمة، على حتمية الوجود الرسمي للدولة العراقية في غرف التحقيق الأميركية. فالقلق الحقيقي يبدأ مما ستؤول إليه الأوضاع لو خرجت من فم المعتقل اعترافات تطال وزراء، أو مسؤولين، أو كتلًا سياسية نافذة، خصوصاً أن الصور المتداولة للرجل المعتقل – إن صدقت – تكشف عن خيوط وعلاقات وثيقة تربطه بقيادات وازنة داخل العراق وخارجه.
ويرى الآلوسي أن الوقت قد حان لكشف المستور “رغم أنف جميع السياسيين”، إذ يجب معرفة من يقف وراء تصفية “أحرار تشرين”، وخير ما يفعله رئيس الحكومة الجديدة للنأي بنفسه وبكابينته عن شبهة التواطؤ، هو الإيعاز الفوري للادعاء العام بفتح هذه الملفات وتفعيلها.
والبديل عن هذا التحرك، كما يرى الآلوسي، سيكون كارثياً، إذ ستتحول الدولة بكل مؤسساتها إلى متهم برعاية الإرهاب الدولي. ويقول إن اعترافات السعدي المحتملة قد تفجر زلزالاً عنيفاً يطيح بالمنظومة الأمنية برمتها، وهي منظومة باتت بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لإعادة رسم “عقيدتها العسكرية”.
انكسار “التغلغل الهادئ”
وتأتي هذه التطورات في أعقاب تشكيل حكومة تخلو من أي تمثيل وزاري مباشر للفصائل المسلحة، وهو ما اعتُبر مؤشراً على نجاح الضغط الأميركي وفشل استراتيجية “التغلغل الهادئ” التي حاولت طهران صياغتها بعناية. وهي الخطة القائمة على مقايضة تكتيكية يقدم بموجبها الحلفاء تنازلاً شكلياً عن السلاح، مقابل الحصول على مناصب رئيسية.
وفي قراءة لأبعاد الحضور الأميركي المتجدد، يرى الدبلوماسي السابق غازي فيصل أن العراق يقف على أعتاب مرحلة انتقالية مغايرة، إذ يؤكد لـ(المدى) أن الحكومة الجديدة، باختلاف تركيبتها الوزارية ومنهجها السياسي، ستشهد تغيرات جوهرية وتدريجية في طريقة التعاطي مع الفصائل المسلحة الحليفة للحرس الثوري الإيراني.
ويضيف: “المعركة الراهنة لا تنفصل عن استراتيجية الملاحقة الدولية، فالوضع بات خطيراً على مستوى الفصائل السبعة المدرجة على قوائم وزارة الخارجية الأميركية بصفتها تنظيمات إرهابية. هذا التصنيف يمنح واشنطن الغطاء المفتوح لتعقب قادة هذه الجماعات وعناصرها، سواء في الشرق الأوسط أو العواصم الأوروبية، وإحباط ما تسميه بالتهديدات التي تستهدف الأمن القومي الأميركي والحليف”.
ويرى فيصل أن واشنطن تخوض “حرباً مستمرة ومفتوحة ضد التنظيمات الإرهابية على اختلاف مذاهبها وأيديولوجياتها السياسية، فلا فرق في الحسابات الأميركية بين تنظيمات شيعية تؤمن بعقيدة ولاية الفقيه، أو تنظيمات سنية كالقاعدة وداعش.. إنها باختصار جبهة عابرة للمذاهب لتقويض جماعات العنف”.
وينتقل فيصل إلى تفكيك رمزية زيارة الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس الأخيرة إلى بغداد، واصفاً إياها بـ”المحورية” لكون بترايوس يُعدّ أحد المهندسين الكبار الذين صاغوا أطر العلاقة بين واشنطن والمؤسسات العراقية منذ بواكير الاحتلال وصولاً إلى صياغة دستور عام 2005.
ويرى أن التحركات الراهنة تؤشر إلى رغبة في دعم وزارات أمنية متماسكة، بهدف تحصين الحدود، وضبط الأمن الوطني، وتنفيذ استراتيجية تتسق والهدف الأميركي العريض: تحرير العراق من النفوذ الإيراني، الذي لا يتردد وزير الخارجية الأميركي روبيرو في وصفه بـ”النفوذ الخبيث”.
ويخلص الدبلوماسي السابق إلى أن الأجندة الأميركية الجديدة تتجاوز البُعد العسكري الصرف، لتصوب نحو “تحرير العراق الشامل” أمنياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً من طهران. ويتطلب ذلك، بحسب رؤيته، خوض مواجهة حاسمة لتفكيك شبكات ومافيات الجريمة المنظمة، وقطع دابر عمليات تهريب السلاح والدولار والنفط.
ويشير فيصل إلى أن الهدف الأساسي، في نهاية المطاف، هو تجفيف أوردة “منظمات الظل” والمصارف والشركات الوهمية التي زرعتها طهران في العراق لتسهيل حركة الأموال والأشخاص. ويضيف: “إنها معركة إغلاق الممرات، لقطع الطريق على إيران في العراق، ومنعها من اتخاذ العراق جسراً لصفقاتها العابرة للحدود”.