شفان ابراهيم – صحافي سوري كردي
ما يحدث عملياً هو أن اللغة الكردية في الفضاء العام ومؤسسات الدولة تحولت إلى جزء من صراع السيادة والشرعية بين مؤسسات الدولة السورية والإدارة الذاتية، سواء عبر الدوائر الحكومية أو المدارس أو اللافتات أو المجال العام عموماً.
خلال الأيام الأخيرة، عاشت محافظة الحسكة، إحدى المدن الرئيسية في المنطقة الكردية في سوريا، توترات على خلفية أحقية تدوين اللغة الكردية على اللافتة التعريفية للقصر العدلي في الحسكة.
وقبيل استلام الفريق الرئاسي للعدلية، وُضعت لافتة باللغتين العربية والكردية، ثم مُزّقت، ثم استُبدلت بأخرى باللغتين العربية والإنكليزية، ليقوم أنصار الإدارة الذاتية بإزالتها، قبل أن تعود السلطة وترفع لافتة جديدة باللغة العربية وحدها. لاحقاً، أزالها مجدداً شبان رافضون لمنع اللغة الكردية، لتعود السلطة وترفع واحدة جديدة باللغة العربية فقط…
“اللافتة” والإعلان الدستوري
اللافتة، التي تحولت إلى مادة جدل ونكات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أعادت طرح سؤال الهوية الكردية ومكان اللغة الكردية في الفضاءات العامة والمؤسسات الرسمية. فالإعلان الدستوري نصّ في مادته السابعة على ضمان الحقوق الثقافية، كما أكدت المادة 14 “حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفق قانون جديد”. لكن أيّ حياة سياسية يمكن تصوّرها من دون حضور لغوي في المجال العام؟ كذلك نصّت المادة 15 على أن “العمل حق للمواطن، وتكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين”، ما يجعل توفير اللغة الكردية في أماكن يعمل فيها الكرد جزءاً من مبدأ تكافؤ الفرص نفسه.
من جهته، اعترف المرسوم 13 باللغة الكردية بوصفها “لغة وطنية”، لكنه لم ينص صراحة على اعتبارها لغة رسمية للدولة. وعلى رغم ذلك، لم يشر المرسوم والإعلان الدستوري إلى ما يمنع استخدام اللغة الكردية على اللافتات، بل إن إدراج الكردية يمكن اعتباره جزءاً من حرية التعبير وهوية الكرد الثقافية واللغوية.
لكن ما يحدث عملياً هو أن اللغة الكردية في الفضاء العام ومؤسسات الدولة تحولت إلى جزء من صراع السيادة والشرعية بين مؤسسات الدولة السورية والإدارة الذاتية، سواء عبر الدوائر الحكومية أو المدارس أو اللافتات أو المجال العام عموماً.
ماذا قال طرفا الصراع؟
أحمد هلالي، الناطق باسم الوفد الرئاسي لتنفيذ اتفاقية 29 كانون الثاني/ يناير، ونائب محافظ الحسكة، قال لوسائل إعلام تعليقاً على الجدل المثار حول وضع لافتة على مبنى قصر العدل في الحسكة لا تتضمن اللغة الكردية، إن “قصر العدل يمثل مؤسسة رسمية تُجسّد العدالة والالتزام بالقوانين النافذة في الدولة السورية”، مشيراً إلى أن المرسوم 13 اعتبر الكردية “لغة وطنية”، و”يسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، ضمن المناهج الاختيارية أو الأنشطة الثقافية والتعليمية”. وأضاف: “اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في الجمهورية العربية السورية”
من جهته، قال قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إن “الاتفاق مع الحكومة يتضمن اعتماد اللوحات التعريفية باللغتين العربية والكردية في المدن ذات الغالبية الكردية، مثل كوباني وقامشلو وديرك وعامودا والدرباسية وغيرها”. وأشار إلى أن التعامل مع اللوحة الحالية في الحسكة جرى القبول به “لفترة زمنية محددة”، على أن يُعاد النظر فيه لاحقاً ضمن تفاهمات جديدة.
وأضاف عبدي أن ردود فعل الأهالي “محقّة وقوية، ولا سيما لدى الفئة الشابة، انطلاقاً من حساسية المجتمع تجاه قضية صون اللغة الكردية”. وتابع: “بناءً على ما استجدّ، ومع الأخذ بالاعتبار الاحتجاجات الأهلية وحساسية ملف القضاء والمؤسسة، أُعيد تناول الموضوع”.
وختم بالقول إن “الموضوع أُعيد طرحه مجدداً في التواصل المستمر مع ممثلي الحكومة، وتم الاتفاق على ضرورة معالجة مسألة اللغة والتسميات في القصر العدلي في الحسكة في المرحلة المقبلة، بما يتوافق مع ما يُعمل به في باقي المدن الكردية”، مؤكداً أن الطرف الآخر قدّم “عهوداً” بحل المشكلة وإعادة اللوحة باللغتين العربية والكردية، لكن في مرحلة لاحقة وليس في الوقت الحالي
أصدرت 27مؤسسة سورية بياناً طالبت فيه بالاعتراف باللغة الكردية وباقي اللغات في سوريا بوصفها لغات رسمية، والامتناع عن سياسات الاضطهاد والتمييز اللغوي. ووصفت تلك المؤسسات قرار استبعاد اللغة الكردية من اللوحة الرئيسية الخارجية للقصر العدلي في الحسكة بأنه “تصرف غير مبرر، أثار استهجاناً ومخاوف حقيقية حول جدّية التزام السلطات الانتقالية باحترام التعددية اللغوية، بعد الاكتفاء بلغة واحدة في تعريف مؤسسة رسمية داخل مدينة متنوعة القوميات والثقافات يسكنها العرب والكرد والسريان وغيرهم”.
ورأت المنظمات أن “استبعاد اللغة الكردية من الفضاء العام يعكس استمرار ذهنية الإقصاء والهيمنة الثقافية التي عانى منها السوريون/ات، وفي مقدمهم الكرد، لعقود طويلة، عبر سياسات ممنهجة استهدفت إنكار هويتهم القومية والثقافية واللغوية، والسعي إلى تذويبها وطمس حضورها في الحياة العامة”. كما حذّرت من أن يتحول التهميش “الثقافي واللغوي إلى عامل آخر لزعزعة الاستقرار، ومن مسببات انتشار خطاب الكراهية وإعادة إنتاج التوترات والانقسامات وتهديد السلم الأهلي في سوريا”، مطالبةً “السلطات بالامتثال لالتزاماتها الدولية واحترام الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي تحظر سياسات التمييز والإقصاء”.
في المقابل، شهدت ساحة المحكمة في الحسكة تجمعات شبابية وأهلية شارك فيها منتمون إلى “الشبيبة الثورية”، وذوو قتلى ومعتقلين، إلى جانب أهالٍ رفضوا إزالة اللغة الكردية من الشاخصة. وقال أحد المشاركين في الفعالية لـ”درج”، رافضاً الكشف عن اسمه وملثماً وجهه: “نحن هنا لنقول إننا لن نرضى بالعربية وحدها. مشكلتنا ليست مع اللغة العربية، بل مع إنكار اللغة الكردية. يقولون إن القضاء جهة سيادية، إذاً لن يكون للكرد مكان في جميع الوزارات السيادية، وسيُختصر حضور اللغة الكردية بالفنون والدبكات. هل لهذا خرج الكرد في ثورة ضد النظام السابق؟”.
ماذا تقول التفسيرات القانونية؟
من جهته، قال بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، إن سوريا “تُدار بإعلان دستوري مؤقت، وما حصل في محافظة الحسكة يتناقض أساساً مع الإعلان الدستوري، وأيضاً مع المرسوم 13”. وأضاف: “هل كان المقصود من الحديث عن اللغة الكردية كلغة وطنية هو الاكتفاء بعدم منعها، وحصرها بالتدريس ضمن أطر ضيقة وصيغة فضفاضة؟”.
وتابع الأحمد: “كيف يحق للعرب، بوصفهم مجموعة بشرية، أن تكون لغتهم وثقافتهم رسمية، فيما لا يتمتع الكرد بالحقوق نفسها، بخاصة أن اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية لا يتنافى مع السيادة الوطنية؟”.
وعن اللوحة التعريفية، قال إن “المنطقة يعيش فيها الكرد والعرب، ومن أبسط مبادئ المساواة بين المواطنين، التي أكدها الإعلان الدستوري، وجود اللغة الكردية إلى جانب العربية”. كما جادل بأن “الحرمان من اللغة خلال حقبة النظام السابق كان إحدى وسائل الإبادة الثقافية آنذاك، ويُخشى أن تتكرر الممارسة بأشكال مختلفة. فحرمان الكرد من استخدام لغتهم في تعريف المؤسسات، وعدم تحويلها إلى لغة رسمية، هما شكل من أشكال الحرمان المتعمد، ويُخشى أن يعيدا إنتاج الغلوّ والتمييز العنصري ضد الكرد”.
ووفقاً للأحمد، فإن “الاكتفاء باللغة العربية في مناطق ذات غالبية كردية يمكن اعتباره شكلاً من أشكال التمييز، الذي حظرته اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة وقّعت عليها سوريا سابقاً”، معتبراً أن السلطة “تخرق التزاماتها تجاه تلك القوانين والاتفاقيات، وهذا تمييز صارخ بين حقوق الجماعات البشرية والسياسية بين الكرد والعرب”.
وختم حديثه بالقول إن “عدم منع اللغة الكردية ليس إنجازاً، بل يفترض بالسلطة اتخاذ التدابير الكافية لتهيئة الظروف التي تمكّن الأشخاص المنتمين إلى الأقليات اللغوية والإثنية والقومية من التعبير عن ثقافتهم وتراثهم ووجودهم. المطلوب ليس فقط عدم التدخل، بل اتخاذ ما يساهم في تطوير اللغات والتراث. لكن ما يحصل هو العكس، إذ يجري تقديم اعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية، لكن ليس بمستوى اللغة العربية، وهذا تمييز صارخ على أساس الهوية والانتماء”.
أما المحامي المستقل إبراهيم أحمد، من القامشلي، فرأى في حديثه لـ”درج” أن “حصر اللغة الرسمية بالعربية في الإعلان الدستوري يكرّس هوية وطنية قائمة على القومية العربية، ويهمّش اللغات الأخرى، خصوصاً اللغة الكردية، رغم استخدامها التاريخي وارتباطها بالهوية الوطنية”. وأكد أن “الاعتراف باللغات الأخرى عبر مراسيم فقط يفتقر إلى الشرعية الدستورية، لأنه قابل للإلغاء والتغيير تبعاً للظروف السياسية”.
وانتقد إبراهيم “غياب الاعتراف بالشعب الكردي كشعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية”، معتبراً أن هذا الغياب “يعرقل بناء أساس دستوري وقانوني يضمن حقوقه، ومنها الحقوق اللغوية والثقافية، ويجعل هذه الحقوق رهينة المزاج السياسي”.
وأشار أيضاً إلى أن “الإعلان الدستوري نصّ على أن تبدأ مهام الرئيس بعد أدائه القسم أمام مجلس الشعب، الذي لم يتشكل بعد، ما يجعل المراسيم الصادرة عنه، ومنها المرسوم رقم 13، خارج الشرعية الدستورية”، وفق تعبيره، مضيفاً أن “صلاحيات الرئيس تقتصر على إصدار مراسيم تنفيذية، لا إنشاء حقوق جديدة أو تعديل المراكز القانونية”.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت الساحة الكردية خلافات بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة السورية حول شكل الدولة، وخصوصية وجود “قسد”، إضافة إلى الخلاف بشأن حصة المنطقة من الثروات والتنمية. ففي الوقت الذي تطالب فيه “قسد” بحصة من الثروات، وباللامركزية، وبخصوصية عسكرية، تصر السلطة على إعادة كل الملفات إلى البرلمان، وترفض ما تسميه “المحاصصة”، معتبرة أن المواطنة هي المشروع الوحيد في سوريا.