بينما كانت جميع المؤشرات تدل على اقتراب الاتفاق، خصوصاً الأجواء الإيجابية التي سادت لقاء وزير خارجية باكستان في طهران، حيث كان يحمل رسالة من رئيس الوزراء شهباز شريف إلى الزعيم الإيراني مجتبى خامنئي، أتى حادث إسقاط مروحية “أباتشي” أميركية بالقرب من مضيق هرمز الثلاثاء الماضي، ليؤجج الوضع العسكري، ويعكر الإيجابية التي كانت سائدة على المستويين السياسي والدبلوماسي.
لكن وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية لم تبدِ أي رد فعل رسمي تجاه الحادث. بعد ساعات، قال نائب وزير الخارجية الإيرانية للجزيرة، إنه لم يصدر عن إيران أي عمل متعمد لاستهداف المروحية الأميركية في مضيق هرمز. وأضاف أنه نظراً للأجواء المتوترة والعسكرية السائدة في مضيق هرمز، فإن احتمال وقوع مثل هذه الحوادث بشكل غير متعمّد وناتج عن سوء فهم ميداني، وارد. ونفى أي تدخل إيراني في الحادث مشدداً على أن المروحية الأميركية لم تكن فوق المياه الدولية. كما نفت وسائل الإعلام المقربة من المؤسسات العسكرية الإيرانية أي تخطيط أو تعمد لإسقاط المروحية.
كان رد فعل الرئيس ترامب الأول على الحادث أن “لا شيء مهماً حدث” وأن الطيارين بخير. لكن من ناحية أخرى، كتب إبراهيم رضائي، الناطق باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، على منصة “إكس” في مدونته: “أقبل يد ذلك المقاتل الذي أسقط المروحية الأميركية في مضيق هرمز”. بعد ذلك، تغيّر موقف الرئيس الأميركي، وأعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أنه تلقى أمر الرئيس بالرد على إسقاط المروحية الأميركية.
إذا لم تكن إيران قد تعمدت إسقاط المروحية الأميركية، فلماذا يصر هذا النائب المحافظ على تقبيل يد من أطلق النار عليها؟ وإذا كانت إيران قد أسقطتها عمداً، فلماذا ينفي الدبلوماسيون الإيرانيون ذلك، وحتى مقر خاتم الأنبياء يعفي نفسه من المسؤولية؟
هذه القضية تمثل تناقضاً واضحاً في المواقف الإيرانية، أو تناقضاً بين المسؤولين الإيرانيين، بحيث لا تملك حكومة مسعود بزشكيان ووزارة خارجيته مكانة مهمة في تحديد السياسات والتعبير عنها، وعلى أعتاب وصول المفاوضات إلى نتائج مرضية للطرفين، تظهر فجأة حوادث غير متوقعة، أو تُطرح مواقف تثير الأزمات من قبل مسؤولين غير حكوميين في النظام الإيراني، مما قد يغير مصير المفاوضات.
يقول المحافظون لتبرئة إبراهيم رضائي إنه ليس مسؤولاً حكومياً وموقفه شخصي. لكن المشكلة كلها هي: ما هي الضرورات التي دفعته لتقديم مثل هذا الموقف الذي يمكن أن يكبد إيران تكلفة حرب أخرى؟ إن لجان البرلمان الإيراني لها مكانة تعادل الوزارات، ورؤساء اللجان هم على مستوى الوزراء، وبالتالي فإن المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية هو في منصب إداري يعادل منصب المتحدث باسم وزارة الخارجية. ورغم أن موقفه ليس الموقف الرسمي للجمهورية الإسلامية، إلا أنه مسؤول رسمي، وبطبيعة الحال تؤخذ موقفه بعين الاعتبار.
في الخريطة السياسية الإيرانية، وبصرف النظر عن المؤسسة العسكرية التي تملك حصة الأسد، هناك الإصلاحيون والمحافظون المعتدلون بقيادة محمد باقر قاليباف، وجبهة “الصمود” المتشددة. قاليباف يمثل عنصر التوازن بين المرشد الأعلى وبين الإصلاحيين والمحافظين وحكومة بزشكيان، وقد أوكل إليه قيادة المفاوضات. جميع الأطراف السياسية تقريباً قبلت بقاليباف ممثلًا عن إيران. لكن جبهة “الصمود”، وهي من بقايا حكومة إبراهيم رئيسي، تغرد خارج السرب، وتكشف عن أزمة تمثيل إيران في السياسة الخارجية. الصامدون ما زالوا يؤكدون على ضرورة استمرار الحرب، ويعتقدون أنه يجب فرض جميع الشروط الإيرانية على أميركا، ويرون أن القوة العسكرية الإيرانية بمستوى يمكنها من إرغام أميركا على “الركوع”، وأن إيران يمكنها بإبقاء مضيق هرمز مغلقاً وإغلاق باب المندب وتوسيع منطقة الحرب إلى الخليج بأكمله، لتجبر أميركا في النهاية على الاستسلام. لذلك فإن تحمل مسؤولية إسقاط المروحية الأميركية والاعتزاز به، حتى لو حدث بشكل غير متعمد، ليس بالأمر الصعب عليهم، ولو كان نتيجة تحمل هذه المسؤولية قصف عشرين نقطة عسكرية واستراتيجية إيرانية بصواريخ “سنتكام”.
يفرض تيار “الصمود” تكاليف صموده على شعب يعاني منذ سنوات من تضخم سنوي يزيد عن مئة في المئة نتيجة العقوبات.
يبدو أن هذه التحركات والمواقف هي آخر تحركات المتطرفين قبل توقيع مذكرة التفاهم بين إيران وأمیركا، ومن المرجح جداً أن تقوم القيادة الإيرانية بالسيطرة عليهم وكبح جماحهم. فهم يمتلكون القدرة على تعطيل كل الجهود الرامية إلى توصل إيران وأمیركا إلى التفاهم والاتفاق.