
في النزاعات الكبرى التي تعبر المشرق، يحدث غالباً أن يختلط مفهوم النصر بمفهوم النجاة. فالثقافة السياسية التي أدمنت لعقود صياغة عواطفها في قواميس الشّعر والمطلقات الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام حقيقة مخبرية باردة: المنتصر في عصر التكنولوجيا الفائقة والمجزرة المستمرة ليس من يفرض شروطه على العالم أو يبيد خصومه، هو ببساطة من يملك جهاز صيانة يتيح له أن يبقى حياً بعد أن تنفضّ الحشود وتطفأ الكاميرات.
إيران، في انتقالها الأخير، تمثل التجسيد الأوضح لهذا الانكماش التاريخي. إذ تخلت ببرود تكنوقراطي عن ادعاءاتها الكونية بقدرتها على تدمير إسرائيل وإنهاء الهيمنة الأميركية، لتقيم بالكامل داخل مربع واحد ووحيد: فكرة بقاء النظام، والقدرة على تلقي الضربات القاسية من دون السقوط الحتمي. لقد انتقل المركز من فكرة أنه يحارب بأذرعه وحلفائه خصوماً هم أقوى منه كإسرائيل والولايات المتحدة لإعادة هندسة الإقليم، إلى فكرة شديدة الواقعية والتقشف. فكرة أنه يتلقى الضربات في عاصمته وفي صفوف قيادته الأولى من دون أن تنهار بنية دائرته المغلقة.
هذا التحول يعيد صياغة مفهوم النصر صياغة جنائزية. فالمنتصر هنا هو من بقي حياً بعد المجزرة، وليس من فرض شروطه التاريخية. لم تعد الأذرع الإقليمية بنادق لتحقيق “الفتح المبين”، إنما تحوّلت في فيزياء البقاء الجديدة إلى دروع صدمات مخصصة لتأخير وصول آلة الحرب إلى قلب طهران وتسييل أجساد المقاتلين في الأطراف كعملة وإحصاءات لتأمين الخلافة الهادئة في المركز. إنه نصر يقاس بالقدرة البيروقراطية على امتصاص الدمار، والاعتراف الصامت بالحدود والإمكانيات، والرضا بالحد الأدنى من النجاة العارية.
ولا يقتصر هذا الانكماش المعرفي لمفهوم النصر على المركز في طهران. بل يمتد كعدوى حتمية ليصيب الأطراف التي دفعت الكلفة الأقسى في الميدان. فحزب الله في لبنان سلك المسار التراجعي نفسه، إذ انتقل بخطابه من أدبيات “إسرائيل أوهى من بيت العنكبوت” والادعاء بقدرته على هزيمتها وتدمير دروعها التقنية، إلى صياغة تعريف جديد وبسيط للنصر، يتلخص في “الإبقاء على سلاحه وبنيته التنظيمية واقفة فوق الركام”.
المفارقة الجارحة في هذا التعريف الجديد هي أن انتهاء الحرب أو التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية دولية وإقليمية، سيفرض شروطا فيزيائية وتقنية قاسية تجعل من المستحيل على الحزب أن يجرّب سلاحه ضد إسرائيل مرة أخرى. السلاح هنا يفقد وظيفته الأصلية التي طالما استمد منها مشروعيته الأيديولوجية والشعرية، ليتحول إلى رمز يُراد الحفاظ عليه بأي ثمن لغسيل وجدان الجماعة وإثبات أنها لم تهزم بالكامل.
هذا التحوّل الوظيفي للسّلاح يمكن معاينة كواليسه بوضوح في تجربة حركة حماس في غزة. فالحركة ما زالت موجودة كبنية، ولم تنجح الآلة الإسرائيلية في محوها عن الخريطة بالكامل، وهي ترفع شارة النصر بناء على هذه النجاة الفيزيائية. لكنها في واقع الأمر كفّت عن قتال إسرائيل، وانتقلت وظيفياً من “حركة تحرر ومقاومة” إلى “سلطة أمر واقع منهكة” تنحصر كل فاعليتها اليوم في استخدام ما تبقى من سلاحها لتأديب خصومها من الفلسطينيين والجائعين داخل القطاع المحاصر لحماية بقائها الغريزي.
وهكذا، يصبح السلاح في الأطراف (بيروت وغزة) شبيهاً بالنظام في طهران: أداة بقاء داخلي لا أكثر. إنه نصر ينكمش لتصبح غايته القصوى هي تحويل المقاتل الإمبراطوري الكوني إلى حارس أمن محلي يحرس ركام بيئته، ويمنع خصومه في الداخل من محاسبته على كلفة دمار البلد، طالما أن الكاميرا ما زالت تلتقط صورته وهو يحمل بندقية لم يعد قادراً على توجيهها نحو عدوه.
وثمة معضلة كبرى في الوعي السياسي للمحور الإيراني تتعلق بفهم طبيعة “الحروب المصيرية” في التاريخ الحديث. فالقراءة السائدة في طهران وبيروت تفترض أن الحروب الكبرى تنتهي دائماً بإنهاك الخصم وجلبه إلى طاولة التسويات، وهو ظن يعززه حالياً صعود إدارة دونالد ترامب الطامحة إلى عقد صفقات وتسويات تجارية سريعة مع كل الأطراف. لكن هذا الوعي يغفل عن حقيقة مرعبة: الحروب التي تنتهي بهزيمة ساحقة ماحقة وتدمير كامل للعدو، لا بتوقيع معاهدة استسلام أو مذكرة تفاهم، هي الحروب التي تدرك الدول الكبرى التي تخوضها أن الحياة والاستقرار مستحيلان إذا ما بقي هذا العدو حياً، حتى ولو تم إضعافه بشكل كبير.
هذا ما جرى تاريخياً مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وهذا ما جرى في العصر الحديث مع تنظيم القاعدة وتفرعاته. حيث كانت الولايات المتحدة مستعدة لتقاتل عشرات الأعوام، وتدمر دولاً، وتنفق التريليونات حتى تنهي هذا الخطر بشكل كامل ونهائي، لأنه صُنّف كخطر غير قابل للتعايش معه.
الخوف الحقيقي اليوم، وسط نشوة النجاة الفيزيائية المعلقة لإيران وحزب الله، هو أن يعمد النظام الإيراني إلى التهوّر مرة أخرى، أو أن يسيء قراءة “البرود الكوني” فينزلق إلى مربع المشاغبة الوجودية، بحيث يتم وضعه أو اعتباره من قبل الماكينة الدولية الفائقة كعدو لا يمكن التعايش مع بقائه، حتى ولو كان ضعيفاً ومنهكاً. في تلك اللحظة، ستسقط كل حسابات “الكتالوجات التقنية والصفقات الترامبية”، وسنكون أمام حرب قاسية لا رحمة فيها. حرب استئصال شاملة تذكر بمئات الألوف من القتلى الأبرياء الذين سقطوا كخسائر جانبية في سوريا والعراق في الحرب الشاملة لاستئصال القاعدة وتفرعاتها. فالماكينة المعاصرة التي أغمضت عينيها عن ملايين الضحايا سابقاً، لن تتردد في تكرار المجزرة بالكامل إذا ما شُخّص الكائن كعقبة نهائية أمام تدفق أنابيب العصر وسلاسله التكنولوجية.
أما الخطيئة الكارثية والمفصلية التي يرتكبها النظام الإيراني حالياً، فتكمن في عجزه عن التقاط اللحظة الراهنة والجنوح الفوري نحو تسوية شاملة مع الولايات المتحدة. ينطلق هذا العجز من سوء فهم عميق لبنية القوة المعاصرة. فالمحور يغفل عن حقيقة أن أميركا دولة لا يمكن هزيمتها. فأميركا ليست قوية بالمعنى العسكري الكلاسيكي الذي يتغنى بامتلاك جيش قوي أو ترسانة كاسحة، هي قوية بمعنى أكثر عمقاً وحداثة: إن هزيمة أميركا تعني ببساطة انهيار الكوكب بأكمله.
أميركا هي الحبل السري للعالم، تمسك بزمام وسلاسل التوريد، وخزائن البنوك المعولمة، والصناعات والابتكارات الفائقة، والاحتياطات الغذائية والطاقوية والحيوية الاستراتيجية، وصولاً إلى احتكار تدفق المعلومات والبيانات. (طبعاً ليست أميركا وحدها من يقع في موقع من لا يمكن هزيمته، فالصين مثلاً دولة لا يمكن هزيمتها من دون تعرض الكوكب لهزة أشبه بزلزال، هذا إلى دول أخرى ضرورية لبقاء الكوكب واستمرار عمله على نحو مرضٍ).
وعليه، لا يمكن لأي قوة إقليمية أن تهزم دولة هي بمثابة نظام التشغيل الشامل للحياة البشرية الراهنة. ولذلك، فإن أي حرب تُخاض ضد واشنطن، تفرض على الجانب الآخر حتمية السير نحو التسوية، ولو بعد جولة من الصمود الميداني ومحاولة إلحاق الأذى ببعض المصالح. أما الإصرار على إبقاء النار مشتعلة مع ماكينة بهذا الحجم الكوني فلا يعني إلا شيئاً واحداً: أن الطرف الذي يحرص على إيقاد النيران سيُباد بالكامل، إما بالحرب الشاملة أو بالإهمال العقابي والترك ليموت ببطء خلف جدران العزلة.
هذه المعادلة الكونية لا تنطبق على إسرائيل بأي حال. إذ يمكن لإيران أو غيرها أن تقاتل إسرائيل لعقود من الزمن في حرب استنزاف مفتوحة، لأن إسرائيل في نهاية المطاف هي دولة قوية أو كبرى بالإقليم، لكنها لا تمسك العالم من عنقه كما تفعل الولايات المتحدة.
واللافت والغرائبي في هذه الحرب، أن أميركا، ولأول مرة في تاريخها الحديث، هي من يجنح نحو التسوية. لأسباب تتعلق بطبيعة إدارتها الحالية الباحثة عن الصفقات والاتفاقات التجارية، والتي لا تبدي رغبة في إبادة أحد أو خوض حروب استئصال طويلة الكلفة. مع ذلك، تبدو البنية المعرفية للنظام في طهران أعجز من أن تلتقط هذه الفرصة التاريخية. حيث تُهدر الفرص وتبنى الشروط التعجيزية فوق ركام الأطراف والبلدان، في غفلة فكرية قد تقود المنطقة برمتها نحو حافة الفناء الأخير، لمجرد أنّ المخرجين في طهران وبيروت ما زالوا يفضلون لقطة “المقاومة السينمائية” على نثرية النجاة وصيانة ما تبقى من حيوات البشر.