إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب: الدلالات والآثار القانونية

مؤسس و مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان
جريدة الثورة السورية .دمشق
في 8 تموز/يوليو 2026، أحالت الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس قرارها المتعلق بإلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب. ولم يدخل هذا الإجراء حيّز النفاذ بعد، إذ يخضع لمراجعة الكونغرس مدة خمسة وأربعين يومًا. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد شرعت في استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإلغاء التصنيف، في حين لم تتم الإزالة فعليًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ويتمثل التمييز الذي يقتضيه هذا الإعلان في الفصل بين التقييم المستقبلي لسلوك الحكومة السورية الحالية والمسؤولية بأثر رجعي عن الجرائم التي ارتُكبت في ظل نظام الأسد السابق. فإلغاء التصنيف يغيّر المعاملة القانونية المستقبلية للدولة السورية، لكنَّه لا يحسم المسؤولية القانونية للأفراد، ولا يُسقط مطالبات الضحايا بحقوقهم.
وغالبًا ما يُعرض هذا التصنيف بوصفه قائمة واحدة، غير أنَّ آثاره القانونية الرئيسة تستند، في الواقع، إلى مجموعة من السلطات التشريعية المتداخلة، هي: المادة 620A من قانون المساعدات الخارجية (22USC § 2371)، والمادة 40 من قانون مراقبة تصدير الأسلحة (22USC § 2780)، والمادة 1754(c) من قانون إصلاح ضوابط التصدير لعام 2018 (50 USC § 4813(c)). ويتيح كل من هذه القوانين مسارين لإلغاء التصنيف.
يقوم المسار الأول على إصدار الرئيس شهادة تفيد بحدوث تغيير جوهري في قيادة الحكومة وسياساتها، وبأنَّها لا تدعم الإرهاب الدولي، ولن تقدم له مثل هذا الدعم مستقبلًا. أما المسار الثاني، فيقتضي إصدار شهادة تفيد بأنَّ الحكومة لم تدعم الإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، مقرونة بضمانات مماثلة ذات طابع استشرافي بشأن المستقبل. ويكمن الفرق بين المسارين في البعد الزمني؛ إذ يستند الأول إلى حدوث قطيعة بنيوية مع الحكومة السابقة، في حين يستند الثاني إلى فترة موثقة من تغيّر السلوك الحكومي.
ولا يشترط تقديم تقرير إلى الكونغرس قبل خمسة وأربعين يومًا على الأقل من دخول قرار إلغاء التصنيف حيّز النفاذ إلا في المسار الثاني. ومن ثم، فإنَّ إعلان فترة مراجعة مدتها خمسة وأربعون يومًا يشير إلى أنَّ الإدارة اعتمدت مسار عدم تقديم الدعم للإرهاب خلال الأشهر الستة السابقة، وإن كان يتعين الاطلاع على الشهادة القانونية المعتمدة قبل الجزم بذلك نهائيًا. وهذه النقطة مهمة، لأنَّ هذا المسار وحده يفعّل آلية الاعتراض البرلماني المنصوص عليها في قانون مراقبة تصدير الأسلحة.
ويظل تدخل الكونغرس خلال هذه الفترة ممكنًا، وإن كان مقيدًا بضوابط محددة. إذ يجوز له اعتماد قرار مشترك يحظر إلغاء التصنيف قبل انقضاء المهلة المحددة. غير أنَّ هذا القرار يجب أن يحظى بموافقة مجلسي الكونغرس، ثم يُحال إلى الرئيس. وإذا استخدم الرئيس حق النقض، فلن يصبح القرار قانونًا نافذًا إلا إذا أقرّه المجلسان مجددًا بأغلبية الثلثين في كل منهما. وإنَّ إلغاء التصنيف الحالي لا يمثل أول إجراء لرفع العقوبات، وإنَّما يزيل طبقة قانونية مستقلة ظلت قائمة بعد انتهاء برنامج العقوبات الشامل، وكانت تفرض قيودًا مؤسسية وقضائية وسياسية خاصة بها.
ولعل الأثر الأهم من الناحية العملية يتعلق بالبيئة المصرفية والاستثمارية. إذ يبدو أنَّ استمرار تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب قد فاقم مخاطر السمعة وظاهرة الامتثال المفرط، حتى بعد أن أصبحت كثير من المعاملات مشروعة قانونًا في عام 2025. ومن شأن إلغاء التصنيف أن يخفف هذا العبء، وأن يدعم استعادة علاقات المراسلة المصرفية بين المؤسسات المالية.
ومع ذلك، ستظل المصارف تُقيِّم مخاطر غسل الأموال والفساد، فضلًا عن مستوى الشفافية المالية، واستقلال السلطة القضائية، وقدرة المؤسسات السورية النظيرة على الامتثال للمتطلبات التنظيمية. فإلغاء التصنيف يغيّر ما يجوز للمؤسسات المالية القيام به من الناحية القانونية، لكنَّه لا يحدد ما ستراه تلك المؤسسات مقبولًا من الناحيتين التجارية والمسموعية.
ولا يؤدي إلغاء التصنيف إلى تفكيك البنية الموازية للعقوبات المستهدفة. إذ تظل العقوبات الفردية المفروضة على بشار الأسد ومعاونيه، ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وشبكات الاتجار بمادة الكبتاغون، والأشخاص المرتبطين ببرنامج الأسلحة الكيميائية، وتنظيمي داعش والقاعدة، فضلًا عن إيران ووكلائها، نافذة بموجب سلطات قانونية مستقلة. وبعد إنهاء برنامج العقوبات الشامل، أبقت الولايات المتحدة على إطار أكثر استهدافًا للعقوبات، وأعادت تكييفه للتركيز على أركان النظام السابق، والانتهاكات الجسيمة، والأنشطة المزعزعة للاستقرار الإقليمي.
وينبغي وضع هذا القرار في إطاره الصحيح فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية. فهو قرار صادر في إطار القانون والسياسة الداخلية للولايات المتحدة، وليس حكمًا بشأن الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد السابق. وهو لا يبرئ مرتكبي تلك الجرائم، ولا يسقط المسؤولية الجنائية الفردية، ولا يؤثر في الأدلة التي جمعتها الجهات السورية والدولية المعنية بالتوثيق.
ومن منظور القانون التشريعي الأمريكي، لا تُعد العدالة الانتقالية، أو حماية الأقليات، أو الإصلاح الدستوري شروطًا لإلغاء التصنيف؛ إذ يقتصر المعيار القانوني على عدم دعم الإرهاب الدولي وتقديم ضمانات مستقبلية بعدم دعمه. ولا يعني غياب هذه العناصر عن الاختبار التشريعي أنَّها عديمة الصلة بشرعية مسار التطبيع أو استدامته، وإنَّما يعني فقط أنَّها تنتمي إلى إطار قانوني وسياسي مختلف.
إنَّ إلغاء التصنيف يغيّر المعاملة القانونية المستقبلية للدولة السورية، لكنَّه لا يبرئ النظام السابق بأثر رجعي، ولا يسقط المسؤولية الفردية عن مرتكبي الجرائم، ولا يحسم مطالبات الضحايا بحقوقهم. فهذه المسائل تظل جزءًا من البنية القانونية المستقلة للمساءلة والعدالة الانتقالية.