ملخص
إننا نعيش داخل لوحة معقدة ومتداخلة ومتسارعة التغير، لكنها وهي في جنونها وحمقها تعلمنا الدرس الجديد لعالم جديد، عالم تختفي فيه القيم التي عرفناها قبل ربع قرن، التي كانت تحكم الأسرة والمدرسة والحزب والمسجد والكنيسة والسوق والجار والبنت والولد وحفلة العيد والجنازة والميلاد والكتاب والجريدة ونشرة الأخبار. لم يبق شيء من الحرية الشخصية مع أن الواحد منا وهماً يعتقد بأنه حر وهو لا يعلم أو يعلم ولا يبالي بأن كل شيء فيه ومن حوله مراقب ومسجل، أنت حر في أن تقول ما تشاء في الهاتف الذي أصبح شريك حياتك، لكنك لا تدري بأنك تقول ما يملى عليك، الجميع القوي كالضعيف، المهمش كالمركزي، الجميع يغرقون في وهم الحرية.
رسالة إلى أمبرتو إيكو بصدد حمقى وسائل التواصل الاجتماعي، يا صاحب “اسم الوردة”، في البدء لك مني السلام وأنت على الضفة الأخرى من هذا العالم الذي رحلت عنه وأنت في كآبة ثقافية أو خيبة حضارية أو قلق سيكولوجي.
أكتب إليك وأنا أستعيد مقولتك التي لا تزال متداولة في العالم حية ومثيرة للجدل: “تمنح وسائل التواصل الاجتماعي حق الكلام لفيالق من الحمقى الذين، في الماضي، لم يكن يسمع لهم صوت إلا في الحانات، وهم يتبادلون الأحاديث بعد كأس من نبيذ، من دون أن يلحقوا ضرراً بالمجتمع. وكان يجري إسكاتهم على الفور، أما اليوم فقد أصبح لهم الحق نفسه في التعبير الذي يتمتع به الحائز جائزة نوبل، إنه غزو الحمقى”.
السيد أمبرتو إيكو، هآنذا أتوجه إليك بهذه الرسالة لأقول لك: كانت عبارتك الهجائية هذه في حق مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي ناقوساً سوسيولوجياً جعل الجميع يعيد التفكير في علاقة التكنولوجيا الزاحفة بأصول النقاش وطرق إنتاج المعنى من حيث الإتيقاEthique ومن حيث الفضاء (الأقورا Agoraà) من حيث اللغة، ومن حيث أطراف المشكلة للحوار، ومن حيث توافر فن فضيلة الاستماع.
كانت عبارتك الهجائية تلك تحمل مرارة تاريخية واجتماعية، لكنها مرارة باحث يتأمل العالم الذي يمشي نحو الهاوية السعيدة. كانت عبارتك تلك بما حملته من هجاء وغضب وخوف تمثل الحدود ما بين عالمين بأخلاقيات مختلفة، عالم حيث القيم فيه تتوزعها المجموعات الاجتماعية بكثير من التأني والمراجعة الحلم، وعالم بقيم تبدو صنيع فلسفة الاستهلاك المجنونة والانتحار.
لكن يا صاحب “اسم الوردة” اسمح لي أن أقول لك: العالم يتقدم بسرعة غير متحكم فيها في عاقبتها، منذ رحيلك قبل عشرية واحدة 2006 دخلنا فصولاً جديدة من الغباء الحداثي، الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي. اليوم، أصبح الجميع حمقى أمام الشاشة التفاعلية، ومن كان في زمن مضى يتحدث ويدور لسانه سبع مرات قبل أن ينطق بكلمة أو يدونها، ها قد أصبح شأنه شـأن من يثرثر في حانة، ليتبخر الحديث بعد ذهاب بخار السكرة.
لقد جرى تعليب الإنسان كما تعلب السلع ذات الاستهلاك الواسع، كالشوكولا والبيتزا والشوينغوم والهواتف الخلوية والأحذية الرياضية والوجبات المستوردة والكيتشاب والهريسة ومواد التجميل. إنها العبودية الحداثية، فقد الإنسان حريته الشخصية بالمطلق، وأصبح تحت الرقابة المتواصلة كالمريض أو المجرم من النوع الخطر، لا أحد بمنأى عن عيون تشاهدنا ولا نراها.
يقضي الواحد منا اليوم معدل ست ساعات من يومه أو أكثر، يتفاوت عدد هذه الساعات ما بين بلدان الشمال والجنوب، فكلما ذهبنا جنوباً كان استهلاك الشاشة أكثر، يقضيها وهو غارق في وحل ثرثرة وسائل التواصل الاجتماعي، كل في سجنه السعيد يقرض وقته كمن يأكل جسده بلذة وشهية قطعة قطعة، حتى إن هذه الوسائل التواصل الاجتماعي التي تزيد من تحكمها في رقاب العباد قد تنوعت ودخلت في عملية تنافس في ما بينها لاختيار انكشاريتها وصيد زبائنها بحسب الأعمار والأهواء والجغرافيات، حتى بدا “فيسبوك” مجالاً للكهول و”إكس” خاصاً بالسياسيين وأخبارهم وفخاخهم، وأضحى “إنستغرام” خاصاً بالفنانين و”تيك توك” بالمراهقين وصناع اللحظة العابرة.
لكن الملاحظ هو بداية تداخل المستعملين بين منصة وأخرى، فالأعمار والرغبات والاستراتيجيات تداخلت، وهو أيضاً ما يشكل جنوناً جديداً وجيوشاً من الحمقى من كل الأعمار والحساسيات السياسية والفنية والأدبية والمهنية.
قبل عشرية وصفت في عبارتك بعض مستعملي وسائل التواصل بالحمقى، لكن اسمح لي أن أخبرك بما يأتي: إن بقية العقلاء من هذا العالم قد التحقوا بهؤلاء الحمقى أيضاً، فبدلاً من أن يتحرر الحمقى من مخدرات وسائل التواصل الاجتماعي فقد لحق بهم ما كان يفترض فيهم العقل والتأمل والتفكير.
اعلم يا صاحبي، يا سيد “اسم الوردة” بأن هذا الوضع الذي يغرق فيه الجميع، ويسعد الجميع بحمقهم فيه، قد أصبح أيضاً مختبراً لهذا العالم الجديد بمثقفيه وسياسييه وتجاره ورياضييه ومغنييه ودينييه. لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مختبراً، الخبير هو نفسه الضحية أو موضوع التشريح. الجميع يتكلم، يكتب رأياً، ينشر صوراً، ينشر فيديوهات، ينشر قصائد، ينشد فتاوى، ينشر نقداً للسلطة، ينشر موسيقى، ينشر صورة لطبخة، للباس أو سيارة أو قطة.
يا صاحب “اسم الوردة” يا أمبرتو إيكو لقد أصبحت هذه الفوضى خلاقة بما تسمح به من محاولة فهم العالم ووضع صورة تقريبية ومقربة له، لم يعد هناك شيء مستور، كل الأسرار عرفت، لم يعد للقرية مجنونها أو درويشها الأوحد، لقد أصبح الجميع مجانين الحي والمدينة والبلد.
يا صاحبي، يا سيد “اسم الوردة” اسمح لي أن أقول لك: يبدو أن من يعيش اليوم خارج وسائل التواصل الاجتماعي هو الأحمق، ففهم هذا العالم المجنون يمر عبر فهم العقليات التي تتعاطى مع وسائل التواصل الاجتماعي، فالطبيب النفسي لا يمكنه فهم معاناة زبونه إذا لم يعايشه في يومياته، نعم لقد أصبح المسجد مجاوراً للبار، منبر المفتي مقابلاً ميكروفون الملحد، صورة المسلم المتطرف في التعليق ذاته مع التعليق على اليهودي المتطرف، البابا في بلاد الأزهر وبلاد سانت أوغسطين. كل شيء تهجن، مع ذلك لا مفر من هذا العالم، ولا يمكننا قراءته بالتعفف عليه.
إننا نعيش داخل لوحة معقدة ومتداخلة ومتسارعة التغير، لكنها وهي في جنونها وحمقها تعلمنا الدرس الجديد لعالم جديد، عالم تختفي فيه القيم التي عرفناها قبل ربع قرن، التي كانت تحكم الأسرة والمدرسة والحزب والمسجد والكنيسة والسوق والجار والبنت والولد وحفلة العيد والجنازة والميلاد والكتاب والجريدة ونشرة الأخبار. لم يبق شيء من الحرية الشخصية مع أن الواحد منا وهماً يعتقد بأنه حر وهو لا يعلم أو يعلم ولا يبالي بأن كل شيء فيه ومن حوله مراقب ومسجل، أنت حر في أن تقول ما تشاء في الهاتف الذي أصبح شريك حياتك، لكنك لا تدري بأنك تقول ما يملى عليك، الجميع القوي كالضعيف، المهمش كالمركزي، الجميع يغرقون في وهم الحرية.
يا صاحبي يا أمبرتو إيكو، يا سيد “اسم الوردة” مع ذلك أقول لك: أن تعيش مع الحمقى وهم يعرضون بفصاحة عالية حمقهم خير من أن تعيش مع الجهال تحت عباءة العلماء.
